اخبار محليةحوارات

مجازر العدوان لن تسقط بالتقادم .. مجزرة نقم نموذجا

مجازر العدوان لن تسقط بالتقادم .. مجزرة نقم نموذجا

 الثلاثاء 12 مايو 2026-

مهما حاولت دول العدوان على اليمن بقيادة السعودية الفرار من جرائمها ومجازرها في اليمن ناسه وشجره، سهله وبحره جباله وصحاره فلا بد من ان تدفع ثمن مجازرها ومعاقبتها طال الزمن أم قرب.

اليوم تحل علينا الذكرى الحادية عشرة لواحدة من أشد المجازر وحشية في تاريخ العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وهي مجزرة جبل نقم المروعة في الحادي عشر من مايو عام ألفين وخمسة عشر. لم تكن هذه الجريمة مجرد عملية عسكرية عابرة، بل مثلت تجلياً صارخاً لسياسة الإبادة الجماعية الممنهجة التي اعتمدها تحالف العدوان برعاية أمريكية كاملة وإشراف لوجستي مباشر من واشنطن.

لقد هزت الانفجارات الناجمة عن القنبلة الفراغية أركان صنعاء، مخلفة دماراً هائلا طال عشرات الأحياء السكنية، ومحولة حياة الآلاف من الآمنين إلى مأساة مستمرة لن تسقط بالتقادم.

إن إعادة توثيق هذه المجزرة بعد مرور أحد عشر عاماً يمثل وثيقة إدانة سياسية وجنائية متجددة تكشف طبيعة الدور الأمريكي والسعودي في تدمير اليمن. إن استخدام السلاح المحرم دولياً ذي القدرات التدميرية الفائقة في محيط حضري يقطنه مئات الآلاف من المدنيين، يبرهن على وجود نية مسبقة من غرف العمليات لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية لتركيع الحاضنة الشعبية.

وتبرز هنا أهمية قراءة الجريمة عبر مسار تحليلي يفكك تفاصيلها استناداً للشواهد الميدانية والتقارير الصادرة عن المنظمات والوكالات الدولية التي عاينت الكارثة.

رصد الجريمة بلغة الأرقام والشهادات الحية

في عصر الاثنين الحادي عشر من مايو ألفين وخمسة عشر، شنت طائرات العدوان السعودي الأمريكي غارات استهدفت جبل نقم بصنعاء، مستخدمة قنابل فراغية ارتجاجية من أحدث الترسانات الأمريكية. وتسببت الغارة في هزة أرضية اصطناعية عنيفة، تلاها تصاعد سحابة فطرية ضخمة غطت سماء العاصمة صنعاء، وانفجارات ثانوية قذفت بآلاف الأطنان من الصخور والشظايا الحارقة إلى مسافات شاسعة لتتساقط كالمطر الناري فوق منازل المواطنين في أحياء الحافة والجرداء ونقم المكتظة.

وفقاً للبيانات الموثقة لدى وزارة الصحة في صنعاء، فقد أسفرت هذه الجريمة عن استشهاد أكثر من مائة وعشرين مدنياً، وإصابة ما يزيد عن ثلاثمائة وخمسين آخرين بجروح بليغة وحروق حادة، كان جلهم من النساء والأطفال الذين انهار حطام منازلهم فوق رؤوسهم. وقد واجهت فرق الإسعاف صعوبات بالغة لانتشال الضحايا من تحت الأنقاض في ظل شلل القطاع الصحي نتيجة الحصار الجائر الذي منع دخول الأدوية والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات بصنعاء.

المسوحات الهندسية والميدانية بينت تدمير ما يزيد عن مائة وخمسين منزلاً سكنياً بشكل كامل، ولحقت أضرار جسيمة بأكثر من أربعمائة منشأة مدنية أخرى، فضلاً عن تدمير عشرات السيارات والمحلات التجارية. ووثقت منظمات دولية نزوحاً جماعياً لآلاف الأسر الفارة من جحيم الغازات الخانقة والنيران المتطايرة، مما جعل الغارة واحدة من أشد الهجمات وحشية في تاريخ الحروب الحديثة وشاهداً حياً على استهتار العدوان الكامل بالقوانين الإنسانية الدولية.

البصمة الأمريكية

تتجلى الحقيقة العسكرية لجريمة جبل نقم في أن السلاح المستخدم والتكنولوجيا الموظفة لتوجيهه هي أمريكية الصنع بامتياز، مما يضع واشنطن في صدارة المسؤولية الجنائية المباشرة عن إبادة اليمنيين. وتشير التقارير الفنية لمخلفات الانفجار إلى أن القنبلة الملقاة تنتمي لفئة القنابل الارتجاجية الحرارية المخصصة لاختراق المواقع الحصينة، وهي أسلحة يتطلب إطلاقها وتوجيهها بدقة عبر الأقمار الصناعية دعماً استخباراتياً ولوجستياً عالي المستوى تقدمه غرف العمليات المشتركة بإشراف ضباط أمريكيين.

هكذا كانت البصمة الامريكية

لقد وثقت منظمات حقوقية بارزة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، في تقارير ميدانية وجود بقايا قنابل أمريكية تحمل أرقاماً تسلسلية وتصنيعية تعود لشركات دفاعية أمريكية كبرى مثل لوكهيد مارتن وبوينغ في مواقع الهجمات باليمن ومنها نقم. ورغم التحذيرات والمطالبات الدولية بوقف تصدير هذه الأسلحة الفتاكة للرياض نظراً لاستخدامها ضد المدنيين، واصلت الإدارة الأمريكية إبرام صفقات بمليارات الدولارات، مفضلة أرباح شركات السلاح على دماء الضحايا الأبرياء.

من منطلق السردية السياسية لحكومة صنعاء، فإن هذه المشاركة الأمريكية المباشرة تفضح زيف الادعاءات الغربية بشأن رعاية حقوق الإنسان والديمقراطية، وتعيد تعريف الصراع كحرب استعمارية تستهدف سيادة اليمن. لقد لجأ التحالف للجرائم الإبادية لتعويض فشله العسكري الذريع في الجبهات الميدانية أمام صمود الجيش واللجان الشعبية. لذا، فإن استهداف المدنيين العزل في نقم لم يكن خطأً، بل خطة ممنهجة لفرض سياسة العقاب الجماعي ومحاولة يائسة للضغط السياسي.

وزير حقوق الانسان السابق

في هذا السياق، يقول عضو المكتب السياسي لأنصار الله ووزير حقوق الإنسان السابق الأستاذ علي الديلمي، إن الجرائم التي ارتكبها النظام السعودي “بمساندة ودعم أمريكي واضح” تمثل نموذجاً صارخاً لفشل القانون الدولي والمنظمات الأممية في حماية المدنيين، مؤكداً أن ما جرى في اليمن كشف حجم “التجهيل والتعطيل” الذي مارسته الأمم المتحدة تجاه الجرائم المرتكبة بحق الشعب اليمني.

ويضيف قائلا: أن ما حدث في اليمن لا يندرج ضمن توصيف قانوني واحد، بل يمثل “جرائم مركبة” تجمع بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، مشيراً إلى أن تفاصيل الجرائم المرتكبة في اليمن تجاوزت الصيغ التقليدية التي بُني عليها القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد أن مجزرة نقم شكلت واحدة من “كبريات الجرائم” بحق اليمنيين، لافتاً إلى أن القنابل الفراغية والارتجاجية التي ألقيت على جبل نقم خلفت آثاراً مروعة امتدت إلى مختلف أحياء العاصمة، وأن سكان صنعاء ما يزالون يتذكرون “اللهب” وشظايا القنابل التي تناثرت في الحارات والشوارع وأثارت الرعب بين المدنيين.

ويشير الديلمي إلى أن الإحصاءات الرسمية تحدثت عن أكثر من مئة شهيد وثلاثمئة جريح، مؤكداً أن العدد الحقيقي للضحايا أكبر بكثير، نظراً لاتساع نطاق الاستهدافات في الأحياء السكنية المكتظة.

ويشدد الديلمي على أن استهداف الأعيان المدنية والمناطق السكنية بالقنابل الفراغية والارتجاجية كان يفترض ـ وفقاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني ـ أن يدفع المحكمة الجنائية الدولية للتحرك الفوري ومحاكمة المسؤولين عن الجريمة، مؤكداً أن ما حدث يمثل بوضوح “جرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية”.

ويتهم الأمم المتحدة بالخضوع للضغوط الأمريكية والسعودية، معتبراً أن المنظمة الدولية لم تكتفِ بالصمت تجاه الجرائم، بل ذهبت إلى “إخراج السعودية من القائمة السوداء الخاصة بقتل الأطفال”، ليتكشف حجم التواطؤ والانحياز السياسي داخل المؤسسات الدولية لصالح قوى الاستكبار والإجرام.

ويقول الديلمي إن تصريحات الناطقين العسكريين لتحالف العدوان، ومن بينهم أحمد العسيري وتركي المالكي، تمثل “اعترافات موثقة” بالجرائم المرتكبة بحق اليمنيين، مؤكداً أن تلك الجرائم “لا تسقط بالتقادم”، وأن الشعب اليمني لن يتنازل عن حقه في ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عنها.

ويضيف أن المنظمات الدولية والهيئات الأممية تجاهلت بشكل متعمد الجرائم التي ارتكبت في اليمن، رغم توثيقها إعلامياً وحقوقياً، مشيراً إلى أن الكثير من النشطاء والحقوقيين حول العالم بدأوا لاحقاً الاعتراف بالتقصير تجاه ما تعرض له اليمنيون من قتل وحصار واستهداف ممنهج.

وفي حديثه عن التحركات القانونية، يبيّن الديلمي أن بعض الملفات التي رفعت أمام محاكم خارجية قُدمت بصورة “ركيكة ومقصودة”، بما أدى إلى إضعاف فرص إدانة مرتكبي الجرائم، متهماً أطرافاً مرتبطة بالسعودية والإمارات وبدعم بريطاني بالعمل على “شيطنة الضحايا والتلاعب بالقضية”.

وفي ختام حديثه يلفت الديلمي إلى أن المطالبات اليمنية بإنشاء لجنة دولية مستقلة للتحقيق في جرائم التحالف قوبلت بالتجاهل، رغم وجود اعترافات وتقارير تؤكد أن الغالبية الساحقة من الضحايا سقطوا نتيجة الغارات الجوية التي شنها التحالف بقيادة السعودية وبدعم أمريكي وبريطاني.

الآثار البيئية والصحية طويلة المدى

لم تنتهِ مأساة نقم بمجرد انقشاع سحابة الغبار، بل امتدت آثارها الكيميائية والبيئية لتشكل جريمة صامتة تنهش في أجساد اليمنيين وصحتهم طوال الأحد عشر عاماً الماضية. فقد تسبب تفجير القنبلة الفراغية في انبعاث غازات سامة ومواد كيميائية معقدة انتشرت في الهواء واستقرت في التربة والمياه الجوفية المحيطة، مما أدى لتلوث بيئي طويل الأجل طال السلسلة الغذائية والمحيط الجغرافي للعاصمة صنعاء، مخترقاً أبسط معايير السلامة البيئية العالمية.

التقارير الطبية الصادرة عن المستشفيات التخصصية بصنعاء سجلت ارتفاعاً حاداً في معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية المزمنة، وتلف الجهاز العصبي، والأورام السرطانية بين القاطنين في محيط جبل نقم عقب الغارة. كما وثقت الكوادر الطبية زيادة مقلقة في تشوهات الأجنة والإجهاض المتكرر لدى النساء في تلك المناطق، وهي آثار مباشرة لتنشق الغازات السامة المنبعثة من السلاح الأمريكي المصمم لإبادة الحياة ونشر الموت البطيء بين من نجا من الانفجار.

هذه التداعيات المستمرة تمثل وجهاً آخر للإبادة الجماعية الممنهجة التي ارتكبها التحالف السعودي الأمريكي، وتكشف كيف يمتد أثر الجريمة العسكرية عبر الأجيال ليدمر مستقبل اليمنيين. وتبرز هنا مسؤولية منظمة الصحة العالمية والبرامج البيئية التابعة للأمم المتحدة في إجراء دراسات لتقييم حجم الأضرار البيئية بجبل نقم، وتقديم الرعاية الطبية اللازمة للضحايا الذين يعانون من تداعيات استخدام الأسلحة الأمريكية المحرمة دولياً دون أي اهتمام أو محاسبة دولية.

من رماد المجازر تولد القوة

على النقيض من أهداف التحالف الذي سعى عبر مجزرة نقم لكسر معنويات الشعب اليمني وإرغامه على الاستسلام، تحولت هذه التضحيات الجسيمة إلى وقود لتعزيز الصمود والتلاحم الشعبي في مواجهة المعتدين. لقد أدرك اليمنيون عقب محرقة نقم أن الرهان على المواثيق الدولية رهان خاسر، وأن السبيل الوحيد لردع الغطرسة السعودية الأمريكية يكمن في الاعتماد على الذات وتطوير القدرات العسكرية والدفاعية الكفيلة بحماية السيادة الوطنية ومواجهة القوة بالبنية الرادعة.

من رحم هذا الألم والدمار الهائل، انطلقت حركة التصنيع العسكري اليمني لتبني قوة صاروخية وسلاح جو مسير قادر على تغيير موازين القوى في المنطقة وكسر غطرسة الأعداء. واستطاعت العقول اليمنية تطوير منظومات بالغة الدقة فرضت من خلالها صنعاء معادلة الرد بالمثل، وجعلت من القواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية التابعة لدول العدوان أهدافاً مشروعة ومباشرة للرد، مما أجبر المعتدين على إدراك أن زمن قتل اليمنيين دون حساب قد انتهى.

إن الصمود اليمني الأسطوري الذي تلا مجزرة نقم يثبت أن دماء الشهداء لم تذهب سدى بل أثمرت عزة وحرية واستقلالاً سياسياً وعسكرياً لا تشوبه شائبة. لقد تحول جبل نقم من مسرح لجريمة إبادة سعودية أمريكية إلى رمز للصمود والشموخ اليمني الذي لم ينحنِ أمام العواصف، معلناً للعالم أجمع أن اليمن مقبرة للغزاة وموئل للأحرار الرافضين لكل أشكال الوصاية والتبعية الاستعمارية ومستعدين دائماً لخوض غمار السيادة والاستقلال.

حتمية المحاسبة التاريخية والجنائية للقتلة

بعد مرور أحد عشر عاماً على محرقة جبل نقم، تظل هذه الجريمة الكبرى شاهداً حياً على إخفاق المنظومة الدولية وسقوطها الأخلاقي المدوي أمام النفوذ السياسي الأمريكي وأموال النفط السعودي التي اشترت صمت الهيئات الأممية وتواطؤها. إن إفلات قادة التحالف والمسؤولين عن اتخاذ قرار القصف من الملاحقة القضائية يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية، غير أن هذا الصمت لن يمحو الجريمة من صفحات التاريخ، ولن يسقط الحق القانوني والتاريخي لليمن في ملاحقة القتلة.

ختاماً، إن دماء شهداء نقم المظلومين ستظل لعنة تلاحق القتلة ونبراساً يضيء طريق الحرية والكرامة لأجيال اليمن المتعاقبة التي تأبى الخنوع للوصاية الخارجية. إن إحياء هذه الذكرى في الحادي عشر من مايو يجدد العهد لكل شهيد بأن تضحياتهم لن تضيع سدى، وأن بناء يمن قوي وحر ومستقل هو الرد الحاسم على وحشية العدوان، ليبقى جبل نقم شاهداً أبدياً على تلاحم هذا الشعب ومقاومته الأبية ضد الغزاة.

اقرأ أيضا:المجازر في ذاكرة الشعوب حية لا تموت .. انفجار عطان نموذجا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى