كتابات فكرية

في وداع المناضل الوحدوي الأستاذ علي سالم البيض..الأستاذ البغدادي يكتب عن الوحدة والتعددية والتدخل السلبي للجوار باليمن

في وداع المناضل الوحدوي الأستاذ علي سالم البيض..الأستاذ البغدادي يكتب عن الوحدة والتعددية والتدخل السلبي للجوار باليمن

يوميات البحث عن الحرية .. في وداع المناضل الوحدوي الأستاذ علي سالم البيض

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 19 يناير 2026-

التاريخ النضالي العام لليمن كما في اي بلد إنما هو حاصل جمع نضالات الاشخاص الطبيعيين والمعنويين، اي كل من له دور نضالي سواء فردا كان او مؤسسة حزب او تجمع او اتحاد أو تحالف او حركة او منظمات مجتمع مدني او اي شكل من اشكال العمل الجماعي والفردي.

وفي اعتقادي ان تاريخ اليمن حافل بنضالات وصراعات من اجل الحرية والعيش الكريم، وفي سبيل التحرر من كل اشكال الاستبداد والطغيان والاطماع الاستعمارية التي ما إن تتراجع موجة من موجاتها حتى تظهر اخرى عبر تاريخ اليمن القديم والمتوسط والحديث.

وما يجمع المستبدين والطغاة والمستعمرين هو التنافس على سلب حرية الشعوب ونهب ثرواتها بما يؤدي الى حرمانها من حقها في الحرية والعدالة والمساواة.

اما الاحرار فيجمعهم التنافس البرامجي الشريف من اجل البناء وتحقيق العدالة وهو تنافس سلمي وهذا ما يميزه عن الصراع المسلح او العنف بأشكال اخرى.

ومع انني لا اميل الى مقولة: (اذكروا محاسن موتاكم) فيما يتعلق بالشخصيات التي تشغل وظيفة عامة وبخاصة الدرجات العليا للدولة لما تمارسه من صلاحيات سيادية.

الا انني في لحظة واقعة الموت ارى ان من الواجب اعطاء من نودعه ولو بعض مما يستحقه من الاحترام والتبجيل، مع التركيز على جوهر نضالاته من اجل القضية العامة.

ويبقى الحق العام في تقييم مسار فعله وفعل غيره في ساحة العمل العام خاضع للنقد والتقييم كل في حدود ما اتاحه له موقعه وواقعه.

على ان يكون النقد من حق المؤرخين في الوقت الذي يرونه، وهم الذين يقدرون قيمة الشخصية التي يتحدثون عنها ودورها النضالي بلغة علمية تحمل القدر اللازم من الاحترام والموضوعية.

وهنا لابد ان يكون حديثي المقتضب عن الاستاذ علي سالم البيض بمناسبة رحيله الذي يعد خسارة على الوطن اليمني لابد ان يكون حديث من يعرف عما يعرف لا عما يتلقى عبر موجات التضليل الاعلامي التي تزداد آثارها اليوم تعقيدا بفعل تسابق المتلاعبين بالعقول على اقتحامها وتوجيهها في اتجاه مشاريع جد ضيقة!.

وتختلف مستويات ضحايا هذا الاقتحام باختلاف وعيهم، ومن المؤسف ان تدني مستوى الوعي يعين المستبدين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم واهدافهم المريضة الذين لم يتوقفوا عند السعي فقط لاستغلال تدني الوعي، وانما يبذلون كذلك كل الجهد والطاقة في زيادة التجهيل وانفاق ما يستولوا عليه من المال العام في هذا المجال!.

ومن نتائج ذلك أن تحولت وسائل الاعلام ومؤسسات التعليم الى سلاح فتاك بيد اصحاب النفوذ المادي والمعنوي ممن يسعوا الى السيطرة على عقول الناس وتحويلهم الى مجرد قطعان من خلال الانظمة الايدولوجية التي سيطرت على وسائل الاعلام وهيمنت على مختلف قنوات التواصل رغم ما حملته ثورة المعلومات وما اتاحته من وفرة وسرعة في الوصول اليها!

وهنا ليس بإمكان اي كاتب ان يستوعب في عجالة جوهر ما قام به الراحل المناضل علي سالم البيض في سبيل الاقدام على محاولة تحويل حلم اليمنيين بالوحدة الى واقع معاش مبني على التعددية الحزبية والسياسية وهو إطار جوهري من المؤسف ان نرى اليوم بين المثقفين والسياسيين الاعزاء من لا يدرك خطورة ما يطرحه البعض من رغبة استبدادية في التفريط بخيار التعددية، غير مدركين أن هذا الطرح تفريط في الوحدة لأنها قامت على مبدأ التعددية السياسية والحزبية.

لقد قوبلت اندفاعت الفقيد البيض الوطنية وحسن نيته بقدر غير متوقع من المكر والتذاكي ما أدى مع الاسف الى الانحدار بحلم الوحدة الى هاوية سحيقه نأمل ان يجد اليمنيين المخلصين الاحرار السبيل الى تلافي ما هو اخطر مما تعيشه اليمن اليوم بسببها.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن ممارسي العمل السياسي في الغالب يرون أن حسن النوايا وسوؤها لا مكان لهما في ميدان السياسة، وهي وجهة نظر تخالف من يرون وجوب عدم تجاهل المبادئ والقيم في كل عمل بما في ذلك السياسة، ولذلك هناك سياسيين ناجحين جدا وهم أصحاب مبادئ وقيم لا يتزحزحون عنها ولا يفرطون في حقوق اوطانهم في الحرية والسيادة.

لابد ان نعي جميعا اهمية التمسك بالصدق في طرح القضايا الوطنية وفي فهم قاعدة: السياسة فن الممكن بعيدا عن الابتذال والانتهازية المجردة من القيم.

ومن السياسة الحكيمة المسؤولة مواجهة من لهم ادوار سلبية فيها ليس بغرض الانتقام ولا الشماتة ولا العدائية وانما بغرض المكاشفة والوضوح وبدء صفحه جديدة ووضع الأمور في نصابها.

وقد اكدت اكثر من مرة أن فتح ملفات سوء استخدام السلطة وكل المسائل والانتهاكات للقوانين من المسائل التي يجب ان تترك للعدالة الانتقالية التي لا يمكن البدء في فتح ملفاتها الا بعد ان تستقر الاوضاع وتنتقل اليمن من الوضع الاستثنائي المتأزم الى الوضع الطبيعي وهو مالا يكون الا بعد انتخاب سلطة برلمانية وسياسية وتنفيذية جديدة، حيث يقوم البرلمان في ظلها بإصدار قانون للعدالة الانتقالية بالاستعانة بالتجارب البرلمانية والحقوقية العالمية والانسانية في هذا المجال .

ان المهمومين بالسلطة والصالحين فيها من أصحاب المشاريع الصغيرة الضيقة منها المذهبية والمناطقية والجهوية تبين انهم حتى الان اكثر من الحالمين بالوحدة التي لا يمكن الحفاظ عليها الا من خلال استيعاب اهمية التعددية في بنائها بناء سليما ومتينا؛ وهذا ما اكد الاستاذ البيض على ضرورة ان يكون بندا اساسيا في اتفاقية الوحدة التي سرعان ما جرى الالتفاف عليها قبل ان يجف حبر التوقيع عليها !.

ما يؤكد ان الغدر باليمن الموحد قد بدى واضحا من خلال الاستهتار بحلم الوحدة الحقيقية والبدء بمحاولة تحويلها من وحدة مؤسسة على التعددية تحققت سلما الى وحدة مرتبطة بالموت!.

ومن سعى الى تحويلها الى هذا المنحدر هو من خاض حرب 1994 تحت شعار: (الوحدة او الموت).

اعلم ان هذا سيكون مثار جدل لكنني ارى ان هذه المسالة الجدلية من حق كل الاطراف ان تدلي بما لديها وتعبر عن آرائها بواقعية واحترام، ولكني كما اشرت سابقا ارى بان يكون ذلك في فسحة من الزمن وهو ما سيكون على ايدي نقاد ومؤرخين مختصين، وهذه مساله حتميه لان التاريخ مهما حاول المحاولون تشويهه وتزويره لابد ان تظهر حقيقته، هذا على المستوى الفكري اما على مستوى العدالة فطبقا لمبادئ العدالة العامة والانتقالية.

لقد حظيت بلقاء الفقيد عدة مرات ضمن الامانة العامة لاتحاد الادباء والكتاب اليمني اليمنيين، تشرفت أن اكون ضمن أعضائها المكونة من قيادات تاريخية معروفة مثل الاستاذ يوسف الشحاري والاستاذ عمر الجاوي وغيرهم من قيادات الاتحاد عقب الوحدة مباشرة وقبل حرب الانفصال التي اسميت ظلما وعدوانا حرب تعميد الوحدة بالدم، واقول ظلما وعدوانا لان الوحدة الحقيقية لا تعمد بالدم فالدم يجر الى الدم والانتقام يجر الى الانتقام ما يحافظ على الوحدة هو المحبة والحوار الجاد والصادق البعيد عن الكيد والقائم على الاحترام والوعي بالمصالح المشتركة التي تحققها الوحدة .

لقد كان لي اراء نقدية حول الوحدة الاندماجية ومخاطرها وسياتي الوقت الذي أعيد طرحها بشكل ربما اوسع ان كان في العمر بقية، وقد سبق ان كتبت عن بعض تفاصيل هذه اللقاءات.

ولان البيض هو صاحب قرار الوحدة الاندماجية فقد أحس بالخدعة والخيانة وكان يشكو من تفاصيلها منذ ما بعد الوحدة مباشرة، وقد عاش ما تبقى من حياته يعاني من اثار الصدمة وتفاصيل ذلك سياتي حينه ممن لديه المزيد من المعلومات.

ولذلك فاني هنا سأكتفي بهذه الاشارة وبتقديم العزاء كل العزاء للوطن اليمني الذي لا شك أنه يأمل في انقاذ حلم الوحدة على يد من يؤمنون بضرورة مواصلة الجهود الايجابية التي بذلها الفقيد الوحدوي اليمني الحر الذي امن بها ايمانا صادقا وعميقا، وكانت معاناته منذ التوقيع على اتفاقية تحقيقها في 1990 وحتى 1994 معاناة من اراد المحافظة عليها بكل جهد وكان محل اللوم من بعض رفاقه الذين لم يكونوا مع الوحدة الاندماجية.

ان اصحاب العقول التي يتم التلاعب بها وتغييبها تريد تحويل حلم الوحدة الى كابوس او في أحسن الأحوال الى مجد شخصي لأشخاص هم ما يكونوا عن الإيمان الحقيقي.

ومن هؤلاء من يتطاولون على أصحاب العمل والمواقف النضالية لأي مناضل وعلى الثورة والجمهورية والديمقراطية التي لا تكون الا باحترام التعددية الحزبية والسياسية، والحق في تأسيس الاحزاب والمنظمات والجمعيات لان بديل كل هذه المبادئ والاسس الديمقراطية انما هو الديكتاتورية التي اثق كل الثقة بان الشعب اليمني لن يقبل بالعودة اليها

ومن المستحيل البحث عن دعم لحماية الثورة والجمهورية والوحدة لدى من لا يؤمن بكل هذه المبادئ ولم يبدر منه حتى الآن ما يؤكد احترامه لإرادة الشعب اليمني بدون مواربة او تكتيكات لا تسعى الا الى تحويل اليمن الى ساحة لصراع المصالح غير المشروعة للقوى الاقليمية والدولية التي تتلاعب بالقضية اليمنية منذ تشكيل ما يسمى بتحالف دعم الشرعية قبل حوالي 11 عاما.

كل يمني شريف مع الشرعية الحقيقية، وليس الشرعية التي يمتطيها طرف اقليمي او دولي ويوجهها لتحقيق مصالحه، ونحن لا ننكر عليه السعي لتحقيق مصالحه ولكن المصالح المشروعة، وليس المصالح التي تغيب من خلالها مصلحة اليمن، فالعلاقات الطبيعية بين الدول تقوم على المصالح المشروعة المشتركة، وليس على الارتهان لدول اخرى او ان تتحول دولة الى حديقة خلفية لدولة اخرى وأنتم والقارئ يفهم ماذا اقصد وماذا تكرره وسائل الاعلام للدول المجاورة التي لا تحترم حق الجوار وتتعالى عليه!

هذه ابجدية العلاقات الدولية فهل بدأت الدول المجاورة في مراجعة علاقتها باليمن حتى نثق في حرصها على المصالح المتوازنة؟!.

منذ تحقيق وحدة 1990 وحرب 1994 واليمن تسير نحو عالم الضياع للدولة وللشرعية، والجوار وكل المتدخلين ينهشونها من كل اتجاه.

منذ متى ونحن نفتش في مرايا الخداع

عن وطن مشرق

لدى المتفننين في تمزيقه

إنهم يلتهمونه

 ونحن نرى انيابهم الحادة

ونمضي في الطريق المرسوم

وهم من يرسمونه

 ينهشون الوطن الجمهوري

ونرى الزعماء المتخمون

مشغولون بالبحث لدى صاحب الجلالة والسموم

 عن معين يعيد لنا الجمهورية

أعجز عن وصف هؤلاء

فهل من أحد يستطيع؟!

الامل لن يتوقف رغم موبقاتهم

مهما طال الطريق وقلَّ الزاد.

اقرأ أيضا: الدكتور أمين الجبر يتساءل .. ما الهوية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى