كتابات فكرية

اليمن.. الاسم الذي قاوم التشظي (1-2)

اليمن.. الاسم الذي قاوم التشظي (1-2)

  • امين الجبر

الخميس 21 مايو 2026-

لم تكن مفردة «اليمن» عبر التاريخ مجرد تسمية جغرافية عابرة، أو توصيفا مكانيا طارئا ارتبط بمرحلة سياسية محددة، بل مثلت، منذ أقدم العصور، دلالة حضارية وجغرافية راسخة استقرت في الوعي التاريخي والإنساني بوصفها اسما لحيز جغرافي معلوم يقع جنوب الجزيرة العربية. فقد وردت هذه المفردة في النصوص القديمة، كما حضرت بكثافة في المدونات الإسلامية الوسيطة، لتشير — في مجمل استعمالاتها — إلى المجال الجغرافي الممتد جنوب الكعبة، أو إلى القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، بحدوده الطبيعية المعروفة.

وعلى الرغم مما شهدته المنطقة من تحولات سياسية وتعاقب للسلطات والدول، ظل مدلول «اليمن» ثابتا في جوهره، لم يتغير إلا بالقدر الذي فرضته التحولات الجيوسياسية الحديثة. فالجغرافيون العرب، في مختلف العصور، أطلقوا اسم «اليمن» على القسم الجنوبي من الجزيرة العربية، بما في ذلك عمان وأقاليم الجنوب كافة، قبل أن تتقلص التسمية — في العصر الحديث — داخل كيانات سياسية متعددة لم تستوعب كامل الخارطة التاريخية لليمن الطبيعي، لكنها ظلت، صراحة أو ضمنا، تستبطن الهوية اليمنية في تسمياتها ومضامينها السياسية.

فقد تعاقبت على هذه الجغرافيا كيانات متعددة، من الدولة الطاهرية، ودويلات الأئمة، والمخلاف السليماني، والمحميات، وإقليم حضرموت، والسلطنات، والمملكة المتوكلية اليمانية، والجنوب العربي، والجمهورية العربية اليمنية، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وصولا إلى الجمهورية اليمنية. غير أن تعدد الأسماء لم يلغ وحدة الحيز الجغرافي الذي جمعها جميعا تحت مسمى تاريخي جامع هو «اليمن»، ذلك الاسم الذي ظل يقاوم التشظي السياسي، ويحافظ على حضوره بوصفه حقيقة جغرافية وثقافية متجذرة في التاريخ.

وتتحدد هذه الجغرافيا، تاريخيا، من الشرق بالربع الخالي وعمان، ومن الغرب بالبحر الأحمر، ومن الشمال بنجد والحجاز، ومن الجنوب بخليج عدن والمحيط الهندي، فيما آلت بعض أجزائها الشمالية، كعسير ونجران وجيزان، إلى السيطرة السعودية عقب حرب عام 1934م بين الإمام يحيى والملك عبدالعزيز آل سعود.

اليمن في الوعي الطاهري

تشير المصادر التاريخية إلى أن الطاهريين، قبيل مجيء العثمانيين، كانوا يسيطرون على معظم الخارطة السياسية لليمن الطبيعي، إلى جانب النفوذ المملوكي في بعض السواحل والموانئ. وقد تعاملت الدولة الطاهرية مع اليمن بوصفه وحدة جغرافية وإدارية متكاملة، حتى وإن اتخذت السلطة أسماء سياسية من قبيل «الدولة الطاهرية»، أو «سلطان اليمن»، أو «ملك آل طاهر». فالحوليات التاريخية المعاصرة لتلك المرحلة حفلت بمصطلحات من مثل «اليمن الأعلى»، و«اليمن الأسفل»، و«القطر اليماني»، بما يؤكد رسوخ المفردة في الخطاب السياسي والثقافي آنذاك.

وتكشف النصوص التاريخية المتعلقة بعهد السلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري عن إدراك واضح لوحدة المجال اليمني، إذ تصف امتداد سلطته من التهائم وزبيد وعدن ولحج وأبين وصولا إلى رداع وجبن، في مقابل مراكز نفوذ أخرى في صنعاء وكوكبان وصعدة. غير أن هذا التعدد في مراكز القوى لم يكن يلغي حضور «اليمن» باعتباره الإطار الجامع لتلك الكيانات جميعا.

ولعل أكثر النصوص دلالة على ذلك ما أورده أحد المؤرخين المعاصرين لتلك المرحلة في وصف السلطان عامر بقوله: «وهو أعظم أعيان اليمن سلطانا، وأرفعهم بنيانا، وأوسعهم بلادا وأكثرهم أجنادا»، وهي شهادة لا تعكس اتساع نفوذ الرجل فحسب، بل تؤكد — في الوقت ذاته — حضور اليمن كوحدة سياسية وجغرافية معترف بها في الوعي التاريخي.

كما يبرز هذا المعنى بصورة أكثر وضوحا في النص الذي يقرر أن «سلطنة ممالك اليمن، أعلاها وأسفلها، وجبالها وتهائمها، انتهت في رأس القرن العاشر إلى السلطان عامر بن عبدالوهاب بن داوود بن طاهر»، وهو وصف يكاد يرسم حدود اليمن الطبيعية كما استقرت في المخيال السياسي والجغرافي لتلك المرحلة.

اليمن في الخطاب العثماني

ومع مجيء العثمانيين إلى اليمن في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، دخلت البلاد مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، غير أن ذلك لم يؤد إلى تغييب مفردة «اليمن»، بل على العكس من ذلك، عزز حضورها الإداري والسياسي. فقد تعامل العثمانيون مع اليمن باعتباره وحدة جغرافية متكاملة أطلقوا عليها اسم «ولاية اليمن»، وقسموها، وفق نظامهم الإداري، إلى صناجق وأقضية ومخاليف ونواح.

وقد بدأت أولى الحملات العثمانية إلى اليمن عام 1538م بقيادة سليمان باشا، حيث انطلقت من عدن نحو بقية المناطق اليمنية شمالا وشرقا، في سياق يعكس إدراك الدولة العثمانية لوحدة المجال اليمني. كما عين العثمانيون أويس باشا واليا على اليمن، ثم أتبعت الولاية بسلسلة من الترتيبات الإدارية التي تعاملت مع البلاد كوحدة واحدة.

وتكشف الكتابات العثمانية ذاتها عن هذا الإدراك بوضوح، وفي مقدمتها كتاب «البرق اليماني في الفتح العثماني» لقطب الدين النهروالي، الذي وصف اليمن بأنه «قطر عظيم وإقليم واسع من أحسن الأقاليم». كما تتكرر في الكتاب مفردات من قبيل «ممالك اليمن» و«قطر اليمن»، في دلالة صريحة على رسوخ الاسم في الخطاب العثماني الرسمي والثقافي.

ولم يقتصر حضور المفردة على المدونات التاريخية، بل امتد إلى الاتفاقيات والمعاهدات والصحافة الرسمية. فقد حملت الولاية اسم «ولاية اليمن»، وصدرت في صنعاء صحيفة رسمية باسم «يمن» عام 1872م، تلتها صحيفة «صنعاء» عام 1878م، كما صدرت «سلنامة ولاية اليمن» باعتبارها الدورية الرسمية للولاية.

حتى الاتفاقيات السياسية التي عقدتها الدولة العثمانية مع البريطانيين أو مع الأئمة الزيديين كانت تنطلق من الاعتراف الضمني بوحدة اليمن الجغرافية، رغم النزاع على السلطة والنفوذ. فالعثمانيون، خلال مفاوضاتهم مع الإمام يحيى، ظلوا يتعاملون مع اليمن كوحدة سياسية واحدة، في مقابل اعترافهم له بالإمامة الدينية ضمن ترتيبات الحكم المحلي.

كما أن الاتفاقية العثمانية البريطانية الخاصة بترسيم الحدود عام 1914م شكلت أول إشارة سياسية إلى شطري اليمن المنفصلين، وهو ما يكشف أن فكرة الانقسام كانت نتاجا سياسيا حديثا، لا حقيقة تاريخية مستقرة في الوعي الجغرافي للبلاد.

اليمن في وعي الأئمة

وعلى الرغم من الطابع المذهبي الذي اتسمت به الدولة الإمامية، والشعار السياسي الذي رفعه الأئمة تاريخيا «من شهارة إلى سمارة»، فإنهم لم يستطيعوا تجاوز حقيقة اليمن كوحدة جغرافية وتاريخية راسخة. فقد ظلت مفردة «اليمن» حاضرة في خطابهم السياسي، وفي مراسلاتهم وتحالفاتهم وصراعاتهم المختلفة.

وكان كل طامح إلى السلطة يسعى إلى إضفاء الصفة اليمنية على مشروعه السياسي، إدراكا منه لرسوخ الهوية اليمنية في الوعي الجمعي. لذلك استثمر الإمام شرف الدين حالة التذمر من الوجود العثماني في إذكاء الحس اليمني، كما تحرك المطهر بن شرف الدين جنوبا حتى عدن تحت راية تستبطن فكرة «اليمن» بوصفه كيانا واحدا.

وتشير بعض النصوص التاريخية إلى أن الدولة القاسمية في عهد المتوكل على الله إسماعيل قد بسطت نفوذها على «جميع أجزاء اليمن من حدود عمان إلى حدود نجد»، بل إن بعض المؤرخين وصفوا تلك المرحلة بأنها شهدت «تحقق الوحدة اليمنية»، وهو تعبير يكشف عن رسوخ مفهوم الوحدة الجغرافية حتى في ظل الانقسامات السياسية والمذهبية.

كما أن الصراعات الداخلية، والثورات المحلية، وحركات التمرد التي شهدتها البلاد، كانت تؤكد — بصورة غير مباشرة — حضور اليمن باعتباره الإطار الجامع. فقد وصفت بعض المصادر ثورة الفقيه سعيد العنسي بأنها ثورة «اليمن الأسفل»، في إشارة واضحة إلى الجنوب اليمني الممتد من سمارة حتى ضواحي عدن.

ولم تغب مفردة اليمن عن خطاب الإمام يحيى نفسه، سواء في مفاوضاته مع العثمانيين أو في خلافاته مع البريطانيين والسعوديين. فقد تمسك بيمنية الجنوب، ورفض الاعتراف بالتقسيم السياسي الذي فرضه الاستعمار البريطاني، كما تمسك بيمنية عسير والمخلاف السليماني، وهو ما يكشف أن مفهوم اليمن لديه ظل مرتبطا بالجغرافيا التاريخية للبلاد، مهما اختلفت طبيعة مشروعه السياسي.

يتبع..

اقرأ أيضا:قراءة لمقال “من التشطير إلى اللادولة” للقاضي عبدالعزيز البغدادي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى