الفيل أم أصحاب الفيل؟ … عندما يطغى الجدل على مقاصد القرآن

الفيل أم أصحاب الفيل؟ … عندما يطغى الجدل على مقاصد القرآن
- حسن الدولة
الأحد 28 يونيو 2026-
أثار أحد الإخوة في “منبر التنوير” نقاشًا حول قصة الفيل، ووصفها بأنها “خرافة” لا أصل لها ولم يكن هذا الوصف أمرًا هيّنًا، لأنه لا يتعلق برواية تاريخية مجردة، بل بقصة وردت في سورة كاملة من القرآن الكريم، هي سورة الفيل. وعلى إثر ذلك، تصدى الأخ عبداللطيف جعدان للرد على هذا الطرح، فقدم مطارحات ثرية استند فيها إلى معطيات تاريخية وأثرية وسوسيولوجية تؤكد أن الحادثة ليست مستحيلة الوقوع من الناحية التاريخية.
وعرض – الأخ عبداللطيف – جملة من الشواهد المهمة، منها ما أورده بعض المؤرخين البيزنطيين عن استخدام ملوك اليمن للأفيال في مواكبهم الرسمية، بما يدل على أن وجود الفيل في اليمن في تلك الحقبة لم يكن أمرًا غريبًا كما يزعم بعض المشككين. كما استند إلى معطيات جغرافية عن طبيعة اليمن قديمًا، وما كانت تتمتع به بعض مناطقه من غطاء نباتي ومصادر للمياه، بما يجعل استقدام الأفيال ورعايتها أمرًا ممكنًا.
ولم يقف عند الأدلة التاريخية فحسب، بل استند إلى حجة عقلية بالغة القوة، وهي أن سورة الفيل نزلت على قوم كانوا أقرب الناس زمنًا إلى تلك الواقعة، بل إن كثيرًا من كبار قريش كانوا قد عاصروها أو تلقوها مباشرة ممن شهدها. ولو كانت القصة مختلقة أو مخالفة لما يعرفه الناس آنذاك، لوجد المشركون فيها فرصة ذهبية للطعن في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما فعلوا في قضايا أخرى، إلا أن التاريخ لم ينقل عن أحد منهم أنه أنكر أصل الحادثة.
وهذه الحجج العلمية تستحق التقدير، لأنها جاءت ردًا على من يحاول تحويل قصة قرآنية إلى مجرد أسطورة، وهو مسلك لا يستقيم مع احترام النص القرآني.
غير أنني، أثناء إدارة الحوار، رأيت أن النقاش بدأ ينتقل تدريجيًا من أصل القضية إلى تفاصيلها، ومن جوهر السورة إلى الهوامش المحيطة بها، فوجدت من الواجب التذكير بأن القرآن لم يجعل محور السورة هو الفيل، وإنما جعل محورها أصحاب الفيل، وما حل بهم من عقاب إلهي، والعبرة التي أراد الله أن تستقر في نفوس الناس.
فالقرآن لم يخبرنا باسم الفيل، ولا بعدد الأفيال، ولا بكيفية سيرها، ولا بطريقة تجهيز الجيش، وإنما قال سبحانه:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
فسمّى القوم “أصحاب الفيل”، ولم يجعل الفيل بطل القصة، وإنما جعله علامة على الحملة التي أرادت الاعتداء على بيت الله الحرام.
ثم جاءت السورة التالية مباشرة، سورة قريش، لتكشف الحكمة من تلك الحادثة، فقال تعالى:
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ; إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)
ولذلك ذهب عدد من العلماء إلى أن السورتين متصلتان في المعنى، بل نقل عن بعض السلف أنهما بمنزلة سورة واحدة، لأن حماية البيت كانت تمهيدًا لحفظ مكانة قريش وتأمين تجارتها، تمهيدًا لبعثة خاتم الأنبياء.
ومن هنا فإن جوهر الإيمان لا يتعلق باسم الفيل، ولا بعدده، ولا بطبيعة الطريق التي سلكها، وإنما يتعلق بالإيمان بأن الله سبحانه حمى بيته، وأهلك المعتدين، وأظهر قدرته لعباده.
ولذلك قلت في ذلك الحوار إن قصة أصحاب الفيل ليست موضع نزاع بين المؤمنين بكتاب الله، وإنما يقع الخلاف حول بعض التفاصيل التي نقلتها كتب الأخبار والتفسير والسير، وهي تفاصيل لم يجعلها القرآن من أصول العقيدة، ولا من شروط الإيمان.
وقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل قوله المشهور: “ثلاث لا أصل لهن: “التفاسير” و “السير” و”المغازي، والملاحم”، وقد بيّن العلماء أن مراده كثرة الروايات الضعيفة والإسرائيليات التي دخلت هذه العلوم، لا نفي أصولها، ولا إلغاء قيمة البحث التاريخي الرصين.
ومن هنا فإن الروايات التاريخية تُقبل وتُناقش وتُمحص، لكنها لا تُرفع إلى منزلة النص القطعي، ولا يُجعل الإيمان بها معيارًا للإيمان بالله ورسوله.
ومن المسائل التي أثارت اهتمامي في هذا الحوار ما أورده الإمام الأستاذ محمد عبده في تفسيره لسورة الفيل، إذ حاول أن يقرأ الآيات في ضوء السنن الكونية دون أن يمس أصل المعجزة.
فقد رأى أن لفظ “أبابيل” يدل على جماعات متتابعة، وأن تشبيه الجيش بـ”العصف المأكول” يصور ما أصاب أجسادهم من تهتك حتى صاروا كأوراق الزرع التي أكلتها الديدان.
ثم أورد ما تناقلته الروايات من أن جيش أبرهة أصيب بمرض شديد يشبه الجدري أو الحصبة، وأن ذلك كان أول ظهور لهذا الوباء في جزيرة العرب، حتى أخذت لحوم الجنود تتساقط، وتفرق الجيش، وعاد أبرهة مصابًا حتى هلك في صنعاء.
ولم يقف الإمام محمد عبده عند هذا الحد، بل فتح بابًا للاجتهاد حين قال إنه لا مانع من أن يكون الطير الذي أرسله الله من المخلوقات الصغيرة التي تحمل مسببات الأمراض، وأن تكون الحجارة سببًا في انتقال ذلك الوباء، لأن قدرة الله لا تتوقف على الوسائل الخارقة التي يتخيلها الناس، بل قد يجعل سبحانه أضعف مخلوقاته جندًا من جنوده، يهلك بها أعظم الجيوش.
وهذا الفهم لا ينفي المعجزة، بل ينقلها من دائرة الخيال إلى دائرة السنن التي يجريها الله متى شاء وكيف شاء، فالله سبحانه هو خالق الأسباب ومسببها، وهو القاهر فوق عباده، وليس في الكون قوة تخرج عن سلطانه.
ولعل عصرنا يقدم مثالًا يقرب هذا المعنى إلى الأذهان؛ فقد بلغ الإنسان اليوم من التقدم العلمي ما مكنه من صناعة أسلحة قادرة على تدمير مدن ودول، بل يتحدث عن أسلحة تكفي لإهلاك الأرض مرات عديدة، ومع ذلك وقف العالم كله عاجزًا أمام فيروس مجهري لا يُرى بالعين المجردة، فعطّل المطارات، وأغلق الحدود، وأصاب الملايين، وأربك أقوى الاقتصادات.
إنها رسالة متجددة بأن الله سبحانه قد يجعل أضعف جنوده سببًا في قهر أقوى الطغاة، وأن العبرة ليست بحجم الوسيلة، وإنما بإرادة الله التي تنفذ في خلقه.
ومن هنا كان مقصدي من الدعوة إلى إنهاء الجدل حول الفيل، لا التقليل من قيمة البحث التاريخي، ولا الاعتراض على جهود الأستاذ عبداللطيف جعدان في الرد على المشككين، بل على العكس، فإنني أقدر ما بذله من جهد علمي في الدفاع عن أصل القصة، وأرى أن مثل هذا الجهد يسهم في تفنيد دعاوى من يصف النص القرآني بالخرافة.
لكنني في الوقت نفسه أرى أن من الحكمة ألا يتحول الدفاع عن القرآن إلى دفاع عن كل رواية تاريخية، وألا يتحول الاختلاف في بعض التفاصيل إلى نزاع يطغى على المقصد الأعظم للسورة.
فالله سبحانه لن يسألنا يوم القيامة: هل عرفتم اسم الفيل؟ وهل كان واحدًا أم أكثر؟ وهل وصل إلى مكة أم توقف قبلها؟ وإنما سيسألنا عن إيماننا وعملنا، وعن استجابتنا لرسالاته، كما قال تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
ولهذا فإن الواجب علينا أن نقف عند ما أثبته القرآن، وأن نحترم مساحة الاجتهاد فيما سكت عنه، وأن نجعل من الحوار وسيلة لإظهار الحق، لا سببًا لإطالة الجدل فيما لا يترتب عليه عمل.
إن قصة أصحاب الفيل ستظل شاهدًا خالدًا على أن الله يدافع عن دينه وبيته، وأن جنوده لا يعلمها إلا هو، وأن القوة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان من عتاد، وإنما فيما يقدره الله سبحانه من أسباب، ظاهرة كانت أم خفية.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في أذهاننا، فهي أعظم من كل جدل حول الفيل، وأبقى من كل خلاف حول تفاصيل الواقعة.
اقرأ أيضا:قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي “عليه السلام ” في كربلاء


