إبراهيم بن على الوزيراخبار محلية

الذكرى الثانية عشرة لرحيل المفكر الإسلامي .. إبراهيم بن علي الوزير (صوت الحرية الذي لم يخفت)

 الذكرى الثانية عشرة لرحيل المفكر الإسلامي .. إبراهيم بن علي الوزير (صوت الحرية الذي لم يخفت)

  • حسن حمود الدولة

الاحد 22 فبراير 2026-

تمر الذكرى الثانية عشرة لرحيل المفكر الإسلامي والمناضل اليمني الكبير إبراهيم بن علي الوزير، فتعود إلى الأذهان سيرة رجل لم يكن مجرد شخصية سياسية عابرة، بل تجربة فكرية ونضالية متكاملة، جمعت بين عمق الاجتهاد وجرأة الموقف ونقاء القصد. لقد كان واحداً من أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فلم يبدلوا ولم يساوموا، وظلوا ثابتين على درب الحرية حتى آخر العمر.

وُلد في بيت علم وثورة، لكن شبابه المبكر اقترن بمأساة كبرى عقب فشل ثورة 1948 الدستورية، حين أُعدم والده وعدد من أفراد أسرته، وهُدمت بيوت العائلة، وصودرت ممتلكاتها، وأُودع هو وإخوته سجن حجة وهم في ريعان العمر. غير أن السجن لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية تشكّل وعيه العميق؛ ففي تلك الجدران الباردة نما مشروعه الفكري، واشتد عوده العلمي، وتحولت المحنة إلى لحظة تأسيس.

لم يكن إبراهيم الوزير أسير الماضي ولا منبهرًا بالحداثة على حساب هويته، بل سعى إلى صياغة رؤية تجمع بين أصالة النص وروح العصر. كان يرى أن أزمة الأمة لم تكن في الإسلام ذاته، بل في انحراف الممارسة السياسية عن مقاصده الكبرى، حين تحولت الشورى إلى حكم فردي، وغاب العدل لتحل محله أنماط متجددة من الاستبداد. ومن هنا جاءت دعوته الدائمة إلى تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وإعادته إلى كرامة الاستخلاف، حيث لا سلطان لأحد على أحد إلا بالقانون والرضا العام.

في كتابه المبكر «بين يدي المأساة» لم يتوقف عند ما أصاب أسرته من ظلم، بل وجّه نقده إلى اختلالات الواقع السياسي برمته، محذرًا من أن تستبدل الأمة استبدادًا بآخر. كان شجاعًا في نقده، واضحًا في عبارته، مؤمنًا بأن الثورة التي لا تُحصّن نفسها بالمؤسسات والوعي قد تعيد إنتاج ما ثارت عليه. لذلك ظل يدعو إلى نظام يقوم على الشورى المؤسسية، والفصل بين السلطات، وضمان الحريات، والتعددية السياسية باعتبارها ضرورة لحماية المجتمع من الفساد.

انسجم فكره مع ممارسته؛ فلم يكن منظرًا من برجٍ عاجي، بل أسهم في تأسيس حركات سياسية وتنظيمات سعت إلى تجسيد رؤيته على أرض الواقع، وفي مقدمتها اتحاد القوى الشعبية اليمنية. كما شارك في ما عُرف بالقوة الثالثة التي رفضت الاصطفاف الثنائي بين الملكية والجمهورية حين رأت أن كليهما قد يبتعد عن أهداف الحرية والعدل. وكان موقفه ثابتًا في رفض أي سلطة لا تستند إلى اختيارٍ شعبيٍّ حر، معتبرًا أن الشرعية لا تُمنح من فوق بل تُستمد من الأمة.

تعرض خلال مسيرته لمحاولات اغتيال متعددة، لكنه ظل متمسكًا بخطاب أخلاقي يرفض الانتقام، مؤكدًا أن معركة الإصلاح الحقيقية تبدأ من الوعي لا من فوهة البندقية. وكان يرى أن التغيير الذي يدوم هو ذاك الذي يتسلل إلى العقول في صمت، فيبدل المفاهيم قبل أن يبدل الأنظمة.

ترك أكثر من ثلاثين مؤلفًا تناولت قضايا الفكر الإسلامي، ونظرية الحكم، وإشكالية الطائفية، وتجديد الفقه السياسي، ومن أبرزها «بدلاً من التيه»، و«هموم وآمال الأمة الإسلامية»، و«الطائفية آخر ورقة العالين في الأرض»، و«قراءة في الفكر الزيدي». في هذه الأعمال بدا فقيهًا متبحرًا ومفكرًا سياسيًا في آن، يجتهد في إعادة قراءة التراث بروح نقدية، ويؤكد أن العدل أصل الدين، وأن مقاومة الظلم ليست خيارًا ترفيًا بل واجبًا أخلاقيًا منضبطًا بضوابط الشرع ومقاصده.

ارتبط بعلاقات فكرية مع عدد من رموز الفكر الإسلامي في القرن العشرين، من بينهم سيد قطب ومالك بن نبي ومحمد الغزالي، كما جمعته حوارات معمقة مع المؤرخ المصري حسين مؤنس أثمرت كتابًا فكريًا يعكس سعة أفقه وانفتاحه على الحوار. ولم يكن انفتاحه الفكري ذوبانًا في الآخر، بل تفاعلًا واعيًا يميز بين الثابت والمتغير.

شهادات معاصريه تكاد تتفق على أنه كان بعيدًا عن التعصب، قريبًا من جوهر القيم الإسلامية في الحرية والعدل والكرامة. وقد رأى فيه كثيرون نموذج المفكر الذي يعيش هموم أمته، ويقاوم الاستبداد في كل صوره، ويرفض تقديس الأشخاص أو تحويل السياسة إلى وراثة مغلقة.

رحل في أواخر يونيو 2014 بعد معاناة مع المرض، لكنه ظل حتى أيامه الأخيرة مؤمنًا بأن المستقبل للأفكار الحية لا للأشخاص. ترك راية فكرية وسياسية حملها من بعده تلامذته وإخوته، وفي مقدمتهم المفكر زيد بن علي الوزير، ليستمر الخط الإصلاحي الذي آمن بالدولة العادلة القائمة على الشورى والحرية.

إن استحضار إبراهيم الوزير اليوم ليس استعادةً لسيرة ماضية فحسب، بل هو تذكير بحاجة الواقع إلى مشروعٍ فكري يوازن بين الإيمان والحرية، وبين الهوية والانفتاح، وبين النص والاجتهاد. لقد كان يؤمن بأن الإسلام قادر على أن يكون أساسًا لدولة مدنية عادلة، وأن الشورى ليست شعارًا تاريخيًا بل نظامًا مؤسسيًا قابلًا للتطبيق متى توفرت الإرادة الصادقة.

وهكذا يبقى إبراهيم بن علي الوزير رمزًا لفكرةٍ لم تمت، وحلمٍ لم ينطفئ، وصوتٍ ظل يردد أن الحرية والعدل ليسا ترفًا سياسيًا، بل شرط قيام الأمة ونهضتها. رحم الله المفكر المناضل، وجعل إرثه منارة للأجيال الباحثة عن طريقٍ يليق بكرامة الإنسان.

اقرأ أيضا: المفكر الإسلامي الكبير إبراهيم بن علي الوزير… مشروع حضاري خالد يتجدد في الذكرى الثانية عشرة لرحيله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى