الدراما.. ذاكرة الانقسام وصوت ما لا يُقال

الدراما.. ذاكرة الانقسام وصوت ما لا يُقال
- أمين الجبر
الخميس 19 فبراير 2026-
في المشهد اليمني، لا تبدو الدراما مجرد منتج ترفيهي موسمي، بقدر ما تغدو نصا سياسيا موازيا، يشتغل على تفكيك ما تعمد الخطابات الرسمية إلى إخفائه أو تجميله. ذلك أن الفن، حين تضيق السياسة بأزماتها البنيوية، يتحول إلى وسيط رمزي لقول ما لا يقال، وإلى مساحة إسقاط نفسي وجمعي تتبدى فيها تشققات الهوية الوطنية بأوضح صورها.
المتأمل في الخارطة الدرامية الرمضانية يلحظ أنها لم تعد منشغلة بسرد الحكاية الاجتماعية في بعدها الإنساني الجامع، بقدر انزياحها نحو إعادة إنتاج الانقسام، واستحضار التصدعات التاريخية، وتغذية المخيال الجمعي بصور صراعية مشحونة. وكأن الوعي المنتج لهذه الأعمال لم يغادر بعد أسر اللحظة الاحترابية، بل أعاد تدويرها فنيا، بعد أن استحال الحسم العسكري أو السياسي.
إن استدعاء الشخصيات التاريخية، والحقب الإمامية، والصراعات المناطقية، لا يأتي في سياق قراءة معرفية نقدية للتاريخ، وإنما في إطار توظيف تعبوي انتقائي، يبتسر الوقائع من سياقاتها، ويسقطها اعتسافا على الحاضر، لخدمة سرديات أيديولوجية راهنة. وهنا يتحول التاريخ من مادة للفهم إلى أداة للفرز، ومن ذاكرة للعبرة إلى مخزون للثأر الرمزي.
وما يزيد المشهد تعقيدا أن هذا التوظيف الدرامي لا يصدر عن فراغ ثقافي، بل عن بنية سياسية مأزومة، ما تزال تتحرك داخل عقل ثأري تقليدي، لم ينجح بعد في الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ولا من سردية العصبية إلى أفق المشروع الوطني الجامع. ومن ثم تغدو الدراما امتدادا ناعما للصراع الخشن، وجبهة سردية موازية، تعيد تثبيت الانقسام في الوجدان الشعبي، حتى وهي تدعي مساءلته.
إن أخطر ما تكشفه هذه الأعمال ليس مضمونها الظاهر، بل ما تضمره من قصور في الوعي السياسي المنتج لها. فهي، من حيث لا تعي، تفضح ضيق الأفق الذي تتحرك فيه النخب المتحكمة بالمشهد، وعجزها عن تخيل وطن يتسع لما هو أبعد من هوياتها الجزئية. ولذلك نراها تستحضر الماضي بكل علله، لا لتجاوزه، بل لإعادة إحيائه، وكأنها لا تمتلك خيالا سياسيا قادرا على إنتاج مستقبل مختلف.
وفي خضم هذا الانسداد، يطفو إلى السطح سؤال الخلاص الفردي، أو الحاجة إلى المخلص الرمز والقائد الضرورة، بوصفه تعبيرا عن ذروة اليأس الجمعي لا عن نضج الحلول. غير أن استدعاء الفرد المنقذ، في تجارب التاريخ، لم يكن سوى انعكاس لهشاشة البنى المؤسسية، وغالبا ما أفضى إلى إعادة إنتاج الأزمة في صورة أكثر صلابة، إذ يتوارى المشروع الوطني خلف سطوة الشخص، وتذبل السياسة لحساب الكاريزما.
وعليه، فإن ما يكشفه الواقع وتناقضاته ليس حاجتنا إلى بطل مفرد، بل إلى وعي جمعي جديد، يعيد بناء السردية الوطنية على أسس تتجاوز العصبوية والثأر، وتنتقل بالسياسة من إدارة الصراع إلى صناعة الشراكة، وبالثقافة من استحضار الانقسام إلى تخيّل التعافي.
فحين فقط تتحرر الدراما من وظيفتها التعبوية، وتستعيد بعدها الإنساني الجامع، يمكن لها أن تسهم في ترميم ما تصدّع، لا في تعميق ما انكسر. وحينها وحده، قد تبدأ السياسة أيضا في قول ما ظلت طويلا تخفيه.
اقرأ أيضا:إخوان الصفاء: موسوعة التنوير والعقل في زمن الأفول العباسي


