سبتة ومليلة: بين طوفان التحرير الذي هز عرش الاستعمار والرسائل الأمريكية الإسرائيلية لإسقاط حكومة سانشيز

سبتة ومليلة: بين طوفان التحرير الذي هز عرش الاستعمار والرسائل الأمريكية الإسرائيلية لإسقاط حكومة سانشيز
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
السبت 1 أغسطس 2026-
عاش العالم لحظات فارقة من هول الصدمة أمام مشهد تدفق أبناء الشعب العربي المغربي نحو الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار الإسباني ليقتطع بالقوة القاهرة جزءاً عزيزاً من الأرض العربية المغربية: “سبتة ومليلية”. هاتان المدينتان تختصران عمق الصراع الاستعماري الأوروبي وعلو كعبه في جسد الوطن العربي منذ القرن الخامس عشر الميلادي وحتى اليوم.
بدأت حكاية المدينتين بينما كانت أقدام العرب لا تزال راسخة في الأندلس، ذلك الوجود الذي لم يتقبله الأوروبيون يوماً إلا على مضض، كخنجر مسموم في خاصرة أوروبا التي شرعت تعد العدة لطرد الوجود العربي. وكانت خطة الطرد قائمة على إحاطة ما تبقى من الوجود العربي بمناطق نفوذ ومستعمرات إسبانية وبرتغالية في شمال إفريقيا، في خطوات استباقية لدحر العرب من الأندلس إلى غير رجعة.
قاد هذا التحول في بدايته إمارتان مسيحيتان داخل الأندلس هما “قشتالة وأراغون” اللتان انبثقت منهما دولتا إسبانيا والبرتغال، وحملتا على عاتقهما لواء حماية المذهب الكاثوليكي والتبشير به ومواجهة المسلمين.
وبدأت أولى خطوات الاقتلاع باحتلال البرتغاليين لمدينة “سبتة” عام 1415م، أي قبل سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس، مملكة غرناطة، بنحو 77 عاماً. وبعد ضعف البرتغال وهزيمتها الساحقة عام 1578م في معركة وادي المخازن التي سحق فيها الجيش المغربي بقيادة السلطان “عبد الملك السعدي” الجيش البرتغالي بقيادة الملك “سيباستيان” وقُتل فيها الملك نفسه، دخلت البرتغال في أزمة عرش انتهت باتحادها مع إسبانيا عام 1580م تحت حكم الملك الإسباني فيليب الثاني، فانتقلت سبتة إلى حكم التاج الإسباني وظلت كذلك حتى بعد استعادة البرتغال استقلالها عام 1640م، بل إن لشبونة نفسها اعترفت بذلك رسمياً عام 1668م. أما “مليلية” فسقطت تحت الاحتلال الإسباني عام 1497م، أي بعد خمس سنوات فقط من سقوط غرناطة عام 1492م، آخر معاقل العرب في الأندلس الذي دام زهاء ثمانية قرون.
ظلت “سبتة ومليلية” قاعدتين استعماريتين إسبانيتين متقدمتين في خاصرة المغرب حتى اللحظة، وكل ذلك مشفوع بخوف متجذر في الوعي الإسباني من تكرار عبور العرب نحو الضفة الشمالية، فعمدت مدريد إلى زرع جيوب متقدمة داخل الجسد المغربي كخط دفاع أول، وهو ما لم يخفه قادتها، إذ طالب رئيس الوزراء الأسبق “خوسيه لويس ثاباتيرو” بنصب صواريخ دفاعية على طول الساحل الإسباني المقابل للمغرب لمنع ما أسماه عودة الغزو العربي، وأبقت إسبانيا على احتلال المدينتين تحت ذريعة حماية البر الإسباني.
والسؤال الجوهري هنا: ما الدافع الحقيقي وراء هذا الاجتياح الشعبي لأبناء المغرب لكسر الحواجز التي وضعها المستعمر أمام أصحاب الأرض بحجة أنها أرض إسبانية داخل الجسد المغربي؟ ومن المستفيد من هذا التحرك الجماهيري الضخم؟
قبل الخوض في الواقعة وتحديد المستفيد منها لا بد من التحرر من عقدة المؤامرة، حتى وإن كان هناك تواطؤ أو ضوء أخضر هنا وهناك لتسجيل نقاط سياسية. فالمبدأ الثابت أن المدينتين أرض عربية محتلة منذ ما يقارب خمسة قرون، واستعادتهما حق مشروع للشعب المغربي في كل وقت وحين، ولا يملك أحد مصادرة هذا الحق الأصيل. لكن الجديد في ظرفية اليوم أن العملية برمتها محاطة بخيوط خفية مرتبطة بمشاريع سياسية كبرى.
ولا يمكن فهمها دون التوقف عند موقف حكومة “بيدرو سانشيز” شبه التصادمي مع واشنطن، ورفضها الصريح للسياسة الأمريكية تجاه أوروبا، وانفتاحها على التعاون مع الصين نكاية بأمريكا، فضلاً عن رفضها للحرب الأمريكية على إيران ورفضها القاطع استخدام القواعد الإسبانية فيها، حتى بلغ الأمر بإعلان الرئيس الأمريكي أن إسبانيا لم تعد حليفاً للولايات المتحدة.
يضاف إلى ذلك تبني مدريد موقفاً إنسانياً متقدماً يدين حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وعدم تردد سانشيز في وصف “بنيامين نتنياهو” بمجرم حرب وإلغاء صفقات السلاح مع تل أبيب، وهو ما أثار حفيظة إسرائيل حتى هدد رئيس وزراء الكيان بأن إسبانيا ستدفع الثمن.
إن اختزال زحف نحو ستين ألف مغربي نحو سبتة باعتباره مجرد هجرة غير شرعية نحو أوروبا هو تحليل سطحي لا يلامس جوهر الحدث المدفوع بعوامل جيوسياسية عميقة مرتبطة بالمشهد العالمي الراهن. الأمر لا يخلو من فاعل يحرك الأحداث من خلف الستار بمنطق “الضرب تحت الحزام” لإيصال رسالة صارخة لصانع القرار في مدريد بأن التمرد على واشنطن والخروج من تحت عباءتها له ثمن باهظ. واللافت أن أكثر المحتفين بهذا الزحف المغربي هم الإسرائيليون أنفسهم، ليس حباً في حق المغرب، بل نكاية بموقف حكومة سانشيز الأخلاقي من فلسطين، وهو موقف شجاع محسوب لها.
ورغم ذلك، فإن المتوقع في مقبل الأيام هو استجابة إسبانية سريعة ومرتبكة لهذه الضغوط لا يمكن التنبؤ بمسارها، لكن ما يمكن التنبؤ به هو سقوط حكومة “بيدرو سانشيز” وانفراط عقد الائتلاف الحاكم وحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة ستفرز حكومة جديدة عنوانها الأبرز: إعادة العلاقات الإسبانية الأمريكية والإسبانية الإسرائيلية إلى سابق عهدها بعد التوتر الكبير في عهد الحكومة الحالية.
ولن ينتهي المسار عند هذا الحد، فالمرجح أن واشنطن إن لم تكتفِ بقرصة الأذن هذه، فإنها ماضية في إعادة صياغة خريطة السيطرة على الممرات المائية العالمية، عبر منح مضيق جبل طارق أو إعادته لأصحابه الشرعيين وحرمان إسبانيا منه، وهي خطوة ستفجر غضب مدريد والاتحاد الأوروبي معاً.
وقد يكون اجتياح الجماهير المغربية لسبتة هو المسمار الأخير في نعش الاتحاد الأوروبي نفسه، خاصة بعد تباين مواقف دوله بين التنديد والدعوة الصريحة لتعليق عضوية إسبانيا في اتفاقية “شنغن” للفضاء الأوروبي المفتوح أمام حاملي إقامات دوله الأعضاء.
والخلاصة: أن اقتحام الشعب العربي المغربي لمدينة سبتة المحتلة لم يكن مجرد حدث حدودي عابر، بل شكل صدمة وذهولاً وإرباكاً للحكومة الإسبانية وللقادة الأوروبيين الذين تاهت مواقفهم بين إدانة الهجرة وتهديد بتعليق اتفاق الفضاء الأوروبي المفتوح.
- د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار

