كتابات فكرية

تعلموا حب الإسلام من جبران خليل جبران

 تعلموا حب الإسلام من جبران خليل جبران

  • حسن الدولة

الجمعة 31 يوليو 2026-

يسرني أن أقوم بنشر هذا المقال للأديب العربي الكبير جبران خليل جبران، وأتمنى أن يُدرج ضمن النصوص الأدبية المقررة في مراحل التعليم الأساسي والجامعي؛ لما يحمله من قيمة أدبية وفكرية وتاريخية، ولما يكشفه من رؤية إنسانية تتجاوز حدود الانتماءات الدينية الضيقة إلى رحابة الانتماء الحضاري والوطني.

فجبران، وهو الأديب اللبناني المسيحي وصاحب كتاب (النبي) الذي أصبح أحد أكثر الكتب العربية انتشارا في العالم، لم ينظر إلى الإسلام بوصفه دينًا يخص المسلمين وحدهم، بل نظر إليه بوصفه ركيزة من ركائز الحضارة العربية والشرقية، وإرثًا حضاريًا شارك في صناعة هوية هذه الأمة.

لذلك أعلن في هذا المقال، بكل وضوح وشجاعة: (أنا مسيحي… ولكنني أهوى النبي العربي، وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله.)

هذه الكلمات لا تصدر عن مجاملة عابرة، وإنما عن قناعة راسخة بأن الحضارة الإسلامية كانت من أعظم المنجزات الإنسانية التي أسهمت في بناء الشرق، وأن الاعتزاز بها لا يتعارض مع اختلاف العقيدة، بل هو جزء من الوفاء للتاريخ المشترك الذي صنعه العرب والمسلمون والمسيحيون معا.

وفي الوقت نفسه، يميز جبران بوضوح بين الإسلام بوصفه رسالة أخلاقية وروحية، وبين الدولة العثمانية بوصفها كيانا سياسيا. فهو يرفض الخلط بين الدين والإمبراطورية، ويرى أن ضعف الدولة العثمانية واستبدادها لا ينبغي أن يُنسب إلى الإسلام نفسه، ولذلك يكتب عبارته اللافتة: (أنا أكره الدولة العثمانية، لأني أحب الإسلام.) فهو يدعو إلى أن تستعيد رسالة الإسلام قيمها في الحرية والعدل والنهضة، لا أن تبقى رهينة سلطة سياسية تتحدث باسمه.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا المقال أن جبران يخاطب المسلمين من موقع المحبة لا الخصومة، ومن موقع الشريك في الحضارة لا المتفرج عليها، محذرًا من أن ضعف الداخل هو الطريق الذي يفتح أبواب الشرق أمام الهيمنة الأجنبية. لذلك جاءت كلماته أقرب إلى نداء إصلاحي صادق منها إلى خطاب سياسي عابر.

لقد كان جبران رسولا للأدب العربي في المهجر، وصوتا حمل إلى الغرب صورة مشرقة عن الشرق، قائمة على المحبة والتسامح والحوار بين الحضارات. وقد تناقلت كتب كثيرة مقولة تُنسب إلى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، يصف فيها جبران بأنه: (قذيفة انطلقت إلى أمريكا والغرب من الشرق، لكنها لم تحمل معها سوى أغصان الزيتون وورود الحب.) انها عبارة تعبر ببلاغة عن الأثر الذي تركه جبران في الثقافة الغربية بوصفه رسولًا للمحبة والسلام.

إن إعادة قراءة هذا النص اليوم ليست استحضارا لصفحة من الماضي فحسب، بل هي استدعاء لصوت عربي إنساني آمن بأن نهضة الأمم لا تقوم إلا بالحرية، وأن الأديان تبني الحضارات عندما تبقى وفية لقيمها السامية، وأن الانتماء إلى الحضارة العربية يتسع لجميع أبنائها على اختلاف أديانهم. ومن هذا المنطلق، أضع بين يدي القارئ هذا المقال، ليقرأ جبران كما كتب، لا كما أراد المختلفون معه أن يصوروه، وليدرك أن محبة الإسلام وحضارته كانت جزءًا أصيلًا من رؤيته للشرق ومستقبله.

واليكم نص مقال الفيلسوف الملهم جبران:

نصيحته للمسلمين:

بقلم / جبران خليل جبران

أنا لبناني ولي فخر بذلك، ولست بعثماني، ولي فخر بذلك أيضاً.. لي وطن أعتز بمحاسنه، ولي أمة أتباهى بمآتيها، وليس لي دولة أنتمي إليها وأحتمي بها.

أنا مسيحي ولي فخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي، وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله، أنا شرقي ولي فخر بذلك، ومهما أقصتني الأيام، عن بلادي أظل شرقي الأخلاق سوري الأميال، لبناني العواطف.

أنا شرقي، وللشرق مدينة قديمة العهد، ذات هيبة سحرية ونكهة طيبة عطرية، ومهما أعجب برقي الغربيين ومعارفهم، يبقى الشرق موطناً لأحلامي ومسرحاً لأمانيّ وآمالي. في تلك البلاد الممتدة من قلب الهند إلى جزائر العرب، المنبسطة من الخليج العربي إلى جبال القوقاس، تلك البلاد أنبتت الملوك والأنبياء والأبطال والشعراء، في تلك البلاد المقدسة تتراكض روحي شرقاً وغرباً، وتتسارع قبلة وشمالاً، مرددة أغاني المجد القديم، محدقة إلى الأفق لترى طلائع المجد الجديد. بينكم أيها الناس من يلفظ اسمي مشفوعاً بقوله: «هو فتى جحود يكره الدولة العثمانية ويرجو اضمحلالها». إي والله لقد صدقوا، فأنا أكره الدولة العثمانية، لأني أحب العثمانيين، أنا أكره الدولة العثمانية، لأني أحترق غيرة على الأمم الهاجعة في ظل العلم العثماني. أنا أكره الدولة العثمانية، لأني أحب الإسلام، وعظمه الإسلام، ولي رجاء برجوع مجد الإسلام.

 أنا لا أحب العلة، ولكنني أحب الجسد المعتل، أنا أكره الشلل، ولكنني أحب الأعضاء المصابة به، أنا أجل القرآن، ولكنني أزدري من يتخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين، كما أنني أمتهن الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للتحكم برقاب المسيحيين. وأي منكم أيها الناس لا يكره الأيدي التي تهدم، حبا للسواعد التي تبني؟

 أي بشري يرى العزم نائماً ولا يطلب إيقاظه؟ أي فتى يرى العظمة متراجعة إلى الوراء، ولا يخشى انحجابها؟ خذوها يا مسلمون، كلمة من مسيحي أسكن «يسوع» في شطر من حشاشته، و«محمداً» في الشطر الآخر. إن لم يتغلب الإسلام على الدولة العثمانية، فسوف تتغلب امم الافرنج على الإسلام. إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء.

اقرأ أيضا:القيم.. وعقلنة القوة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى