يوميات البحث عن الحرية .. من ملامح الحلم اليمني بدولة مدنية ديمقراطية
يوميات البحث عن الحرية .. من ملامح الحلم اليمني بدولة مدنية ديمقراطية
- عبد العزيز البغدادي
الاثنين 17 أغسطس 2026-
في كتابه الموسوم: (اليمن.. ماضٍ يرفض أن يرحل ومستقبلُ يُعاق مجيؤه!؟)
المُهدى إلى قوى الحداثة وحملة مشروع الدولة المدنية الديمقراطية؛ وإلى مناضلي ثورة التغيير 26 سبتمبر 1962م، و14 أكتوبر 1963م وحماتها، وإلى ضحايا حكم الاستبداد والطغيان وإسقاطه، وإلى دعاة المشروع النهضوي اليمني والدولة اليمنية الديمقراطية وبُناتها…
وبالمناسبة، لا يمكن أن يُطلق على أي حدث في التاريخ السياسي الحالي بأنه ثورة أو حدث ثوري ما لم يكن جوهره الدعوة إلى ترسيخ مبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وتجريم كل عمل يدعو لأي شكل من أشكال العنصرية واحتكار السلطة من قبل أي أيديولوجية دينية كانت أم غير دينية.
وفي الكتاب المشار إليه وضع المرحوم أحمد الحربي يده على أهم مكونات الجرح الغائر في جسد حلم اليمنيين الأحرار ببناء دولة مدنية حقيقية، التي لابد أن يغيب فيها الخطاب الديني فعلا ويحضر السلوك المتمسك بالمنهج العلمي في معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ومختلف القضايا المتصلة بشؤون الحياة، مستعرضاً تجربته في المعهد القومي للإدارة العامة الذي تأسس فتياً بقيادة الشخصية الوطنية المعروفة الأستاذ المرحوم محمد أنعم غالب ونخبة من اليمنيين الحالمين بدولة مدنية ديمقراطية، وصفها بأنها : (مؤسسة وطنية للبحث والاستشارة والتطوير التنظيمي للإدارة والتدريب والتأهيل في مختلف العلوم الإنسانية، وجًذب إلى المعهد أبرز الكوادر العلمية المتخصصة، وأفضل الخبرات الوطنية ذات الطابع العلمي والإخلاص الوطني والكفاءة والقدرة القيادية والريادية في مختلف الوظائف التي تحتاجها الدولة) – آخر ص7 وبداية ص8 من كتاب الأستاذ الحربي المشار إليه.
والكتاب أشبه بسيرة ذاتية للمؤلف وللبدايات الأولى للحلم ببناء دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، باعتبار العلم هو المدخل لتحقيق هذا الحلم الذي سيستمر وسيتحقق بصبر ومثابرة أبناء اليمن الذين يسكنهم حب وطنهم، ليحركهم نحو مسيرة التغيير والثورة الحقيقية التي ستنقذ اليمن حتما من كل أشكال الظلم والاستبداد والديكتاتورية والتنافس على التسلط وتوريث الحكم وفق كل أشكال الدعاوى المنافية للعدالة الإنسانية.
ولكي نفتح المجال أمام الدولة المدنية المنشودة، لابد أن نفتح المجال في نفوسنا وعقولنا كأفراد وجماعات ومؤسسات عامة وخاصة لكي نتحلى بالروح الوطنية الديمقراطية في عملية البحث الجاد عن البدء في بناء وتشييد هذه الدولة.
وأبرز علامات هذا السلوك تبدأ في أسلوب النقاش والحوار الذي يلتزم فيه المحاور بالاستماع الجيد للرأي المخالف؛ لأن من لا يجيد الاستماع لمن يخالفه الرأي لا أعتقد أنه يستطيع التعبير عن رأيه تعبيرا مفيدا للمرسل والمستقبل: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
ومن المؤكد أن استخدام الايمان والايمان المغلظة للتأكيد على صحة دعوى من يعبر عن رأيه يعد من علامات ادعاء امتلاك الحقيقة. وغالبية من يستخدمون هذا الأسلوب ينحازون إلى إحدى وجهات نظر الجماعات المنقسمة في اليمن في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها، وعلى وجه الخصوص المتصارعين على السلطة الذين يستخدمهم المتدخلون في شؤون اليمن في سفك دماء بعضهم من قبل البعض الآخر، والمؤكد دماء الابرياء، وكم من الدماء سُفكت منذ 2015م بل ومنذ ما يسمى ثورة السباب او الربيع العربي وهناك من يقدم الباء على الراء من حينها وحتى اللحظة!.
وإذا كانت دعوى امتلاك الحقيقة غير مقبولة ولو بدون استخدام القوة، فإن هذه الدعوى المقرونة باستخدام القوة المسلحة في الوصول إلى السلطة أو التمسك بها تعد من أكثر الجرائم جسامة. ومن المؤكد كذلك أن ما يُبنى على ارتكاب الجريمة يستحيل أن يكون مشروعاً.
والأحداث منذ فبراير 2011 وحتى اليوم تؤكد أن جميع السلطات المتصارعة على السلطة مسؤولة -كلٌّ بقدر فعله وقوله- عن تعميق حالة الانقسام، وعن الاستقواء بالخارج الاقليمي أو الدولي وأبرزها: السعودية، إيران، والإمارات. هذه الأطراف جميعها ليس لديها أي مستوى من الشرعية لأن عملها جريمة، وهنا تكمن استحالة أن يترتب على الجريمة وجود شرعية!
أعرف أن هذا الرأي لا يعجب بالطبع أيّاً من أطراف الصراع بحق الشعب اليمني، ومع ذلك فأنا أتحدى أي طرف يستطيع إيجاد أي قدر ولو ضئيل من التأصيل الشرعي لما فعله ويفعله بحق اليمن واليمنيين، مهما كانت نسبة الاختلاف بين مستوى الإجرام ، ومن ذلك جريمة غسل الادمغة باستخدام الخرافات والاكاذيب.
ولعل صحيفة القبس الكويتية كانت محقة في تأكيدها على أن النظام السعودي متورط في دعم الأطراف المتصارعة واستمرار تمويلها في تغذية الانقسام بين اليمنيين المستفيد حتى الآن بشكل واضح من هذا الانقسام والتشرذم؛ فهو يتيح لها استمرار التدخل وقضم المزيد من الأراضي اليمنية المضافة لما استولت عليه عبر التاريخ منذ وجدت هذه المملكة الجارة!
وقد أُتيح لها من خلال اختطافها لما يسمى بالشرعية، بعد أن لعبت دوراً واضحاً في إحداث الفراغ السياسي لاستخدامه ذريعة للتدخل عبر سيناريو ما يسمى “تحالف دعم الشرعية”، لتثبت الأيام منذ قيام هذا التحالف أنه لم يكن في الحقيقة سوى تحالف لدعم الانقسام اليمني-اليمني. وخلال اختطافها لما يسمى بالشرعية، سعت وتسعى المملكة الموقرة إلى الضغط على رموز هذه الشرعية المزعومة للتوقيع على اتفاقات مجحفة بحقوق اليمنيين تمس بسيادة اليمن، في محاولة يائسة لتحويلها إلى ما تسميها “حديقة خلفية” وليس وطناً حراً مستقلاً، لتعبر بذلك عن جشع لا يخدم العلاقات المحترمة التي يفترض قيامها بين البلدين الجارين.
واليوم ولد ما يسمى “بتحالف حماية الملاحة في البحر الأحمر”، الذي يهدف إلى استمرار التدخل السعودي باستخدام هذا الغطاء الدولي في خدمة أجندة لا تراعي أي مصلحة لليمن!
ومع كل ذلك، فإني لست مع الذين يُحَمٍلون السعودية كل المسؤولية عما وصلت إليه اليمن من ارتهان للنظام السعودي، بل أختلف مع هؤلاء جملة وتفصيلاً مهما كان دور السعودية في الحيلولة دون التفاهم اليمني-اليمني في سبيل الوصول إلى حل لقضيتهم اليمنية ، فمسؤولي المملكة يسعون لتحقيق مصالح غير مشروعة لتوسيع مملكتهم والمحسوبون مسؤولين يمنيين يفرطون في سيادة وطنهم وحقوقه ومصالحه المشروعة!.
وفي ذات الوقت، أدين التصريحات الصادرة من العديد من الصحفيين السعوديين التي تقول بأن “الملف اليمني ملف سعودي”! ولم تُواجَه هذه التصريحات بأي ردود أفعال -ولو بالأقوال- من كل الأطراف المسؤولة عن الانقسام اليمني وعما وصلت إليه اليمن!
إن اليمنيين وحدهم هم من يجب عليهم التأكيد بالأفعال قبل الأقوال بأن القضية اليمنية ملف يمني، ويجب أن تبقى كذلك كعلامة على أن أحرار اليمن لا يمكن أن يفرطوا في كرامة وطنهم التي هي منبع كرامتهم وعزتهم. وهذا السلوك الحر هو الذي يجب أن تُبنى عليه علاقة الإخاء والجوار القائمة على الاحترام المتبادل، والتي تترسخ بناءً عليها دعائم الاستقرار الدائم والسلام والتنمية المستدامة!
كم حلمنا بشروق
يقهر المستحيل
يداوي الجراح
يبحث عن وطن شامخ
يغتلي في دمي
يقاوم كل الأفاعي
ولا يستكين.
اقرأ أيضا:قادري أحمد حيدر يواصل نقد مذكرات اللواء علي محمد صلاح (٤ – ٥)





