محمد عزّان بين مؤيديه وخصومه .. (قراءة في الإمامة والمذهب والدولة المدنية)

محمد عزّان بين مؤيديه وخصومه .. (قراءة في الإمامة والمذهب والدولة المدنية)
- حسن الدولة
السبت3 أكتوبر 2026-
أثار الحوار الذي أجراه الإعلامي عبدالله المديفر مع الأستاذ محمد عزّان، على قناة “روتانا خليجية”، نقاشًا واسعًا تجاوز حدود السجال المذهبي إلى قضايا أكثر عمقًا تتصل بتاريخ الزيدية، ونظرية الإمامة، وعلاقة الدين بالسياسة، ومستقبل الدولة في اليمن. وقد كشفت ردود الفعل المتباينة على المقابلة عن اختلاف واضح في قراءة تجربة عزّان ومواقفه الفكرية والسياسية؛ فبين ناقد يرى في أطروحاته انتقائية في قراءة التاريخ الزيدي، ومؤيد يجد فيها مراجعة فكرية تستحق التقدير، وخصم يذهب إلى إصدار أحكام قاسية على الرجل والمذهب الذي ينتمي إليه، تتعدد زوايا النظر، وتبرز الحاجة إلى قراءة تتجاوز الأحكام المسبقة والخصومات الشخصية.
ولعل أهمية هذا الجدل لا تكمن في المواقف المتباينة من شخص الأستاذ محمد عزّان وحده، وإنما في القضايا الفكرية والسياسية التي أعاد طرحها على طاولة النقاش، وفي مقدمتها العلاقة بين المذهب والهوية، وبين المرجعية الدينية والولاية السياسية، وبين شروط الإمامة الموروثة ومبدأ المواطنة المتساوية. وهي قضايا لا تخص الزيدية وحدها، بل تمتد إلى مختلف التصورات التي ربطت شرعية الحكم بالنسب أو بالانتماء الديني والمذهبي، وتضعنا أمام سؤال جوهري: هل نريد دولة تحكمها شروط تاريخية متوارثة، أم دولة حديثة يستمد فيها الحكم شرعيته من إرادة المواطنين؟
وقد لفت انتباهي، في خضم هذا النقاش، ما كتبه الدكتور عبدالله بن عبدالله الشماحي، المقيم في بريطانيا وأستاذ التاريخ بجامعة صنعاء سابقًا، في سلسلة منشوراته النقدية الموجهة إلى محمد عزّان، والتي انتهى فيها إلى أن المشكلة معه ومع أمثاله تكمن في تحويل المذهب إلى هوية، بما يعيد المجتمع إلى مرحلة ما قبل الدولة، ويقوّض مبدأ المواطنة المتساوية.
ولعل المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن هذا النقد، الذي أراه وجيهًا في جوهره من حيث التحذير من تحويل المذهب إلى هوية سياسية واجتماعية، يفتح الباب أمام سؤال لا يقل أهمية: هل ينطبق هذا المعيار على المذهب الزيدي وحده، أم ينبغي أن يمتد إلى كل المذاهب والاتجاهات التي ربطت شرعية الحكم بشروط القرشية، استنادًا إلى الحديث الذي يُستدل به: “الإمامة في قريش ما بقي منهم اثنان”؟ وهل يمكن أن نتجاهل أثر هذا التصور في الفكر السياسي الإسلامي، وما ترتب عليه من ربط الخلافة بنسب معين، حتى غدا لقب «الخليفة» أو «الإمام» في مراحل من التاريخ مرتبطًا بشرعية ذات أساس ديني وسياسي؟
إنني أكنّ للدكتور عبدالله الشماحي تقديرًا خاصًا، ليس لأنه تربطني به علاقة مصاهرة فحسب، بل لمكانته الأكاديمية أيضًا، ولانتمائه إلى أسرة علمية زيدية عريقة؛ فهو حفيد أحد كبار علماء الزيدية، وابن أحد علماء الزيدية المعاصرين، العلامة المجتهد القاضي عبدالله بن عبدالوهاب الشماحي، رحمهما الله. فوالد الدكتور عبدالله عالم زيدي حر، عُرف بنضاله ومجاهدته ودفاعه عن المذهب في مجلس النواب إبان مناقشات تقنين أحكام الشريعة الإسلامية. وقد وصف والده المذهب الزيدي في كتابه الشهير «اليمن الإنسان والحضارة» بأنه لو تخلّى عن شرط البطنين، لكان المذهب الوحيد الذي يمثل جوهر الإسلام. وهو طرح أجدني متفقًا معه في مضمونه، لما ينطوي عليه من تمييز بين جوهر الدين، القائم على العدل والمساواة، وبين الشروط السياسية التي أُلحقت به عبر التاريخ.
ومن هذا المنطلق، كنت أتمنى أن يذهب الدكتور الشماحي في نقده للعلامة الزيدي الأستاذ محمد عزّان إلى مناقشة جوهر أطروحته في المقابلة، بدلًا من التركيز على ما يراه من انتقائية في قراءة التاريخ الزيدي، أو على مسألة تحويل المذهب إلى هوية. فالأستاذ محمد عزّان أعلن بوضوح تمسكه بالزيدية، لكنه ميّز بين الانتماء المذهبي وبين الاعتقاد بوجوب حصر الإمامة في ذرية الحسن والحسين، معتبرًا أن شرط البطنين شرط سياسي وليس حكمًا دينيًا ملزمًا. وهنا تحديدًا تكمن أهمية أطروحته، لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا عن مدى مشروعية تحويل اجتهادات سياسية تاريخية إلى أحكام دينية تمنح فئة بعينها حقًا حصريًا في الحكم.
وإذا كان الدكتور الشماحي يرى أن تحويل المذهب إلى هوية سياسية يعيد المجتمع إلى ما قبل الدولة، فهل يختلف الأمر حين يُربط حق الخلافة بشرط القرشية؟ أليس حصر حق الحكم في قريش، وفق تصورات في المذاهب الفقهية السنية، صورة أخرى من صور ربط السلطة بالنسب؟ وما الفرق من حيث المبدأ بين اشتراط أن يكون الحاكم من قريش، واشتراط أن يكون من ذرية الحسن أو الحسين، إذا كان كلا الشرطين يؤدي إلى استبعاد مواطنين من حق تولي الحكم بسبب نسبهم، بصرف النظر عن كفاءتهم وقدرتهم على إدارة شؤون الدولة؟
لا أطرح هذا السؤال من باب المساواة بين المذاهب في تفاصيلها العقدية أو الفقهية، فلكل مذهب أصوله ومدوناته وتاريخه، وإنما من باب إخضاع التصورات السياسية جميعها لمعيار واحد، هو معيار المواطنة المتساوية وحق الشعب في اختيار حكامه. فليس من الإنصاف أن نرفض شرط البطنين باعتباره تمييزًا سلاليًا، ثم نقبل شرط القرشية باعتباره حكمًا شرعيًا لا يجوز تجاوزه، من دون أن نناقش أثر الشرطين في بناء الدولة الحديثة.
وإذا عدنا إلى التاريخ الإسلامي، وجدنا أن مسألة الخلافة لم تكن خالية من الاجتهاد السياسي والتنافس على السلطة. فقد تمت بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، في سياق سياسي واجتماعي معروف، وأطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على بيعة السقيفة وصف «الفلتة»، مع إشارته إلى أن الله وقى المسلمين شرها. ولا يعني ذلك الانتقاص من مكانة أبي بكر رضي الله عنه أو التشكيك في شرعية بيعته ضمن سياقها التاريخي، وإنما يعني أن تولي الحكم ارتبط بآليات البيعة والتوافق السياسي، لا بمجرد انتقال منصب ديني يورثه صاحبه لمن يخلفه.
كما أن القول بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قدّم أبا بكر للصلاة بالناس لا يحسم وحده مسألة الخلافة السياسية، إذ إن الإمامة في الصلاة شيء، وتولي إدارة شؤون الدولة والأمة شيء آخر، وبينهما مساحة واسعة من الاجتهاد التاريخي والسياسي. ومن هنا، فإن وصف أبي بكر رضي الله عنه بأنه خليفة رسول الله لا يعني أن الرسالة نفسها تُستخلف أو أن الخلافة السياسية امتداد للنبوة، وإنما هو تعبير عن توليه شؤون الأمة بعد وفاة الرسول.
أما الحديث الذي يُستدل به على اشتراط القرشية في الإمامة، فقد كان له أثر بالغ في تشكيل جانب من الفكر السياسي السني، مثلما كان لشرط البطنين أثره في جانب من الفكر السياسي الزيدي. لكن وجود نصوص استُدل بها تاريخيًا لتأييد شروط النسب لا يعفينا من بحث دلالاتها وسياقاتها، ولا من التمييز بين ما يتصل بالعقيدة والعبادة، وما نشأ في سياق تنظيم السلطة وإدارة شؤون المجتمع.
ومن هنا، يمكن النظر إلى شرط البطنين، في أحد أوجه تطوره التاريخي، بوصفه استجابة سياسية داخل سياق الصراع على الخلافة والشرعية، في مقابل شرط القرشية الذي استند إليه اتجاه آخر في الفكر السياسي الإسلامي. ولا يعني هذا التفسير أن جميع العلماء الزيدية أو السنة اتفقوا على هذه القراءة، بل إن تاريخ المذاهب نفسه يكشف عن اختلافات واسعة في فهم شروط الإمامة وحدودها، وفي العلاقة بين النص والاجتهاد والممارسة السياسية.
وما يعنيني هنا ليس الانتصار لمذهب على حساب آخر، ولا الدخول في معركة لإثبات أن هذا المذهب أقرب إلى الإسلام من ذاك، وإنما تحرير الدين من توظيفه في الصراع على السلطة. فالدين، في جوهره، رسالة أخلاقية وإنسانية تدعو إلى العدل والرحمة والكرامة، ولا ينبغي أن يتحول إلى غطاء يمنح امتيازًا سياسيًا دائمًا لفئة أو أسرة أو جماعة. إن تسييس الدين يسيء إلى الدين، مثلما أن تديين السياسة يفسد السياسة، حين تُمنح قرارات الحكام ومشروعاتهم حصانة دينية تعلو على النقد والمساءلة.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه العلامة محمد عزّان في المقابلة بشأن الفرق بين المرجعية العلمية والولاية السياسية. فاحترام علماء أهل البيت، والاستفادة من علمهم وتراثهم، لا يستلزمان منحهم حقًا حصريًا في الحكم، كما أن الاعتراف بمكانة العلماء من سائر المذاهب لا يجعلهم أصحاب سلطة سياسية فوق المجتمع. فالعلم الديني مجال للاجتهاد والحوار والإقناع، أما الحكم فهو مسؤولية عامة، مصدرها إرادة المواطنين، وتُمارس في إطار الدستور والقانون والمؤسسات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
ومن المهم كذلك ألا نخلط بين نقد التصور السياسي للإمامة وبين الإساءة إلى المذهب الزيدي أو إلى أتباعه. فالزيدية، بما تحمله من تراث علمي وفقهي وكلامي، أوسع من أن تختزل في نظرية واحدة للحكم، كما أن أبناء المذهب ليسوا كتلة سياسية أو فكرية متجانسة. وقد أظهرت تجربة الأستاذ محمد عزّان نفسها أن الانتماء إلى المذهب لا يمنع صاحبه من مراجعة بعض موروثه السياسي، أو الاعتراض على توظيفه في مشروعات معاصرة. وهذه المراجعة، في تقديري، حق فكري مشروع، ينبغي أن يُناقش بالحجة لا أن يُواجه بالتشكيك في النيات أو بالاتهام بالخروج عن الهوية المذهبية.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما كشفته المقابلة عن الخلاف الفكري الذي نشأ بين الأستاذ محمد عزّان والشهيد الأستاذ حسين بدر الدين الحوثي بشأن طبيعة مشروع الشباب المؤمن، وحدود المرجعية الدينية، وموقع أهل البيت في تفسير الدين وتولي السلطة. فبحسب رواية الأستاذ محمد عزّان، كان الخلاف يتجاوز التباين في بعض المسائل الفقهية إلى اختلاف أعمق حول العلاقة بين الدين والسياسة، وحول ما إذا كان النسب يمنح صاحبه حقًا سياسيًا متميزًا. وهذه شهادة تستحق الدراسة والمناقشة، لا باعتبارها حكمًا نهائيًا على تاريخ حركة أنصار الله أو جميع مكوناتها، بل باعتبارها رواية أحد المشاركين في مرحلة تأسيسية من تاريخها.
ولعل أخطر ما ينبغي أن نتوقف عنده هو أن تحويل الولاية الدينية إلى شرعية سياسية فوق الدستور وإرادة المواطنين يفتح الباب أمام احتكار السلطة، ويضعف مبدأ تداولها، ويجعل الاختلاف السياسي أقرب إلى مخالفة دينية منه إلى حق مدني مشروع. وهذا هو جوهر الإشكال الذي ينبغي أن تتجه إليه المناقشة: ليس من يملك المذهب أو من يمثل تراثه وحده، بل من يملك حق الحكم، وما مصدر هذه السلطة، وكيف يمكن إخضاعها للمساءلة والمحاسبة.
وأتمنى، في هذا المقام، أن يعلن الدكتور عبدالله الشماحي، ومعه سائر المؤمنين بشرط القرشية في الخلافة، موقفًا واضحًا من إمكانية تجاوز هذا الشرط في بناء الدولة المعاصرة، مثلما يدعو الأستاذ محمد عزّان إلى تجاوز شرط البطنين في الإمامة. فالدعوة إلى الدولة المدنية تقتضي اتساقًا فكريًا، لا أن نرفض امتياز النسب في مذهب، ونحتفظ به في مذهب آخر. وإذا كان النسب لا ينبغي أن يكون معيارًا للسلطة في اليمن، فلا ينبغي أن يصبح معيارًا لها في أي تصور سياسي يراد تقديمه بوصفه صالحًا للدولة الحديثة.
وقد حددت مسودة الدستور التي انبثقت من تصورات مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل اتجاهًا دستوريًا يقوم على المواطنة المتساوية، والحقوق والحريات، والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية. وهذا هو المسار الذي أراه جديرًا بأن يكون موضع اتفاق وطني، بصرف النظر عن الاختلافات المذهبية والفكرية. فالدستور ليس كتابًا لتقرير انتصار مذهب على آخر، وإنما عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين، ويحدد سلطات الدولة، ويضمن الحقوق، ويمنع احتكار الحكم تحت أي مبرر مهما كان مصدره.
إن اليمن لا يحتاج إلى إعادة إنتاج صراعات التاريخ، ولا إلى استدعاء شروط الإمامة والخلافة لتحديد من يحق له أن يحكمه في الحاضر. ما يحتاجه هو الانتقال من شرعية النسب إلى شرعية المواطنة، ومن سلطة الأشخاص والجماعات إلى سلطة المؤسسات، ومن تقديس الاجتهادات السياسية القديمة إلى الاحتكام لإرادة الشعب وصناديق الاقتراع.
ولسنا هنا بصدد تقديم رواية واحدة عن محمد عزّان، سواء كانت رواية مؤيديه أو خصومه. فالإنصاف لا يعني الاتفاق الكامل مع الشخص أو تبنّي أفكاره ومواقفه، كما أن الاختلاف معه لا يبرر إنكار ما له من إسهامات أو تجارب أو مواقف تستحق القراءة. وهذه قاعدة نحن أحوج ما نكون إليها في واقعنا اليمني، حيث كثيرًا ما تتحول الخلافات السياسية والفكرية إلى خصومات شخصية، فيُختزل الإنسان في موقف واحد، وتطمس بقية جوانب تجربته.
من هنا، لا يمكن أن تكتمل الصورة دون التوقف عند ما كتبه الأستاذ عبدالله السحيم والأستاذ فهد سلطان عن محمد عزّان، بوصفهما من الأصوات التي تعاملت مع ما طرحه في مقابلته بدرجة من التأييد أو الإنصاف. وليس المقصود تقديم شهادتيهما باعتبارهما حكمًا نهائيًا على عزّان، وإنما وضعهما أمام القارئ إلى جانب النقد الذي تقدم، حتى تتسع الصورة ولا يبقى الرجل أسير رواية واحدة.
يكتب عبدالله السحيم عن محمد عزّان بلغة مختلفة عن تلك التي اعتدناها في سجالات الخصوم، فيتوقف عند تجربته الفكرية والسياسية، ويشير إلى جوانب من التحول الذي طرأ على خطابه ومواقفه، وإلى قدرته على مراجعة بعض الأفكار والمواقف السابقة. وهذه النقطة تحديدًا جديرة بالتأمل؛ لأن مراجعة الإنسان لأفكاره ليست بالضرورة دليلًا على التناقض، بل قد تكون دليلًا على قدرته على التعلم من التجربة وإعادة النظر فيما كان يعتقده من قبل.
والإنسان الذي لا يراجع أفكاره، ولا يعترف بإمكان الخطأ، هو الذي يحوّل الفكر إلى عقيدة مغلقة، ويجعل من مواقفه السابقة سجنًا دائمًا له. أما أن يعيد الإنسان النظر في بعض قناعاته، أو أن ينتقل من موقف إلى آخر نتيجة لما يراه من وقائع وتجارب، فذلك أمر طبيعي في حياة المفكر والسياسي، بل إن تاريخ الفكر الإنساني كله قائم على المراجعة والنقد والتصحيح.
ومن هنا تبدو شهادة عبدالله السحيم مهمة؛ لأنها لا تتعامل مع محمد عزّان باعتباره صورة ثابتة لا تتغير، وإنما تقرأ تجربته في سياقها، وتترك للقارئ أن يزن الأفكار والمواقف وفق الوقائع والشواهد.
أما فهد سلطان، فقد ذهب في كتابته إلى مساحة أخرى من الإنصاف، متوقفًا عند شخصية محمد عزّان وما تمثله من حضور في المشهد اليمني، وما أثارته تجربته من نقاشات واسعة. واللافت في شهادته أنه لم يتعامل مع الرجل بمنطق الأبيض والأسود؛ فلا هو قدّمه بوصفه معصومًا من الخطأ، ولا اختزله في الصورة السلبية التي يحاول بعض خصومه تكريسها.
وهذا النوع من الكتابة هو ما نحتاج إليه اليوم، كتابة تفرّق بين الإنسان ومواقفه، وبين الفكرة وصاحبها، وبين النقد الموضوعي والتشهير، وبين الاختلاف الفكري والخصومة الشخصية.
لقد أصبح من السهل جدًا في زمن وسائل التواصل الاجتماعي أن يطلق الإنسان حكمًا قاطعًا على شخصية عامة، اعتمادًا على مقطع أو تصريح أو موقف واحد، ثم يبني عليه تاريخًا كاملًا للرجل. لكن القراءة الجادة لا تقوم على هذه الطريقة؛ وإنما تقتضي العودة إلى مجمل التجربة، ومقارنة المواقف عبر الزمن، والتمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير، وبين ما هو موثق وما هو مجرد انطباع أو رواية خصم.
ولذلك فإن شهادتي عبدالله السحيم وفهد سلطان لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارهما تزكية مطلقة لمحمد عزّان، كما لا ينبغي أن تُستخدم لإلغاء ما يمكن أن يوجّه إليه من نقد. إنما أهميتهما أنهما تقدمان وجهًا آخر من الصورة، وتذكراننا بأن الشخصية العامة لا يمكن اختزالها في رواية واحدة، وأن الحكم على تجربة فكرية أو سياسية يحتاج إلى قراءة واسعة ومتأنية.
إنني لا أكتب دفاعًا عن محمد عزّان بقدر ما أكتب دفاعًا عن حق القارئ في معرفة الصورة كاملة. فحين يكون هناك مؤيدون للرجل وخصوم له، يصبح من واجب الباحث والكاتب أن يستمع إلى الطرفين، وأن يضع الشهادات والوقائع أمام القارئ، ثم يترك له مساحة الحكم والتقييم.
والقضية في النهاية ليست محمد عزّان وحده، وإنما قضية أوسع تتصل بثقافة الاختلاف في اليمن. هل نستطيع أن نختلف دون أن نتهم بعضنا بعضًا بالخيانة أو العمالة أو الارترازق أو الانحراف؟ وهل نستطيع أن نعترف بإيجابية موقف لخصمنا دون أن نشعر أننا خسرنا المعركة؟ وهل نستطيع أن ننتقد فكرة دون أن نحول النقد إلى إساءة لصاحبها أو لجماعته أو مذهبه؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تشغلنا، لأن اليمن لن يخرج من أزماته بمجرد أن ينتصر طرف على طرف، وإنما عندما نتعلم كيف نعيش مختلفين، وكيف نحول اختلافاتنا الفكرية والسياسية إلى حوار ومنافسة سلمية وبرامج سياسية، ثم نترك للشعب وحده حق الاختيار عبر المؤسسات وصناديق الاقتراع.
ومن هنا تأتي أهمية الإنصاف؛ فالإنصاف ليس مجاملة لأحد، وإنما هو شرط من شروط الحقيقة. ومن لا يستطيع أن ينصف خصمه عندما تكون له فضيلة، لن يستطيع أن يكون منصفًا عندما يأتي الحديث عن أخطائه.
وفي الجانب الآخر من السجال، ثمة صوت آخر اختار لنفسه اسمًا مستعارًا وكنّى نفسه بـ “أبو محمد الحميري”، وكتب مقالًا موسومًا بـ«محمد عزّان: من عرّاب الجحيم إلى قديس التسامح المزيّف». ولا يمكن أن نمر على هذا المقال دون توقف، لا للدفاع عن محمد عزّان، وإنما لمناقشة ما ورد فيه من أحكام وتصورات، من زاوية فكرية وتاريخية، بعيدًا عن التجريح أو التعميم، وبما يحفظ حق الكاتب في الاختلاف وحق القارئ في معرفة وجهات النظر المختلفة.
أول ما يستوقفني في المقال هو الانتقال من نقد الأستاذ محمد عزّان شخصيًا إلى إصدار أحكام واسعة على الزيدية نفسها، وكأنها مدرسة فكرية واحدة مغلقة، لا تعرف إلا تصورًا واحدًا للإمامة والسياسة. وهذا اختزال يحتاج إلى مراجعة؛ فالزيدية، مثل غيرها من المدارس الإسلامية، مرت بمراحل متعددة، وتعددت داخلها الاجتهادات والمدارس والاتجاهات.
ولست هنا بصدد الدفاع عن محمد عزّان من خلال الدفاع عن الزيدية، ولا أرى أن كل ما قاله أو كتبه ينبغي أن يكون صحيحًا لمجرد انتمائه إلى الزيدية، بل إنه من أساطير علمائها، وإنما أقول إن نقد الرجل ينبغي أن يكون قائمًا على أفكاره ومواقفه هو، لا على صورة نمطية تُسقط عليه وعلى مذهبه جملة من الأحكام التي تحتاج هي نفسها إلى مراجعة.
فالشيخ محمد أبو زهرة، في كتابه المعروف عن الإمام زيد بن علي عليه السلام، قدم قراءة لشخصية الإمام زيد وفكره وثورته، بعيدًا عن الاختزال المذهبي. وكذلك تناول البروفيسور أحمد محمود صبحي في كتابه الموسوم بـ«الزيدية» نشأة هذا الفكر وتطوره ومدارسه وأصوله، بما يؤكد أن الزيدية ليست مذهبًا جامدًا ذا صيغة واحدة، وإنما مدرسة فكرية واسعة مرت بمراحل متعددة وتعددت داخلها الاتجاهات والاجتهادات، حيث تناول أئمة الزيدية وآراءهم الكلامية. ومن الظلم أن نحمل الأبناء جريمة أعمال الآباء.
ومن الظلم الفكري أيضًا أن يُنظر إلى الزيدية من خلال بعض الممارسات السياسية المعاصرة، ثم يعاد تفسير تاريخها كله على ضوء تلك الممارسات. كما أنه من الخطأ أن يُحمّل مذهب فكري كامل مسؤولية كل ما فعله أفراد أو جماعات أو سلطات رفعت شعاراته أو انتسبت إليه.
والأهم من ذلك أن المدرسة الزيدية في أصولها الكلامية عرفت حضورًا قويًا للعقل، وليس من الدقة تصويرها باعتبارها مدرسة تقوم على التسليم الأعمى أو إلغاء التفكير. ولعل من أبرز ما يكشف ذلك ما قاله القاسم بن إبراهيم المعروف بـ”نجم آل محمد” في ترتيب حجج الله على عباده، حيث يأتي العقل في مقدمة الأدلة؛ لأن الإنسان به يعرف الكتاب والرسول، ثم يأتي الرسول والكتاب باعتبارهما من مصادر الهداية والتشريع.
وهذه المسألة ليست تفصيلًا هامشيًا، وإنما تكشف عن طبيعة المنهج الذي نشأ داخل المدرسة الزيدية، منهج العقل مقدم على النقل، حيث لم يكن العقل خصمًا للنقل، وإنما أداة لفهمه وتمييز الحجة من غيرها. ومن هنا نفهم لماذا ازدهرت داخل التراث الزيدي مباحث الكلام والعقل والاجتهاد، في حين عقمت بقية المذاهب عن إنجاب أئمة مجتهدين، ولماذا ظهر في الزيدية علماء دخلوا في حوار واسع مع مختلف المدارس الإسلامية.
ومن المفيد هنا أن نذكر أسماء علماء كبار مثل المجتهدون المطلقون : الإمام يحيى بن حمزة. والإمام احمد بن يحيى المرتضى، والامام محمد بن ابراهيم الوزير ، والامام محمد بن اسماعيل الامير، والحسن بن احمد الجلال ، وصالح المقبلي والإمام الفيلسوف محمد بن صالح السماوي المعروف ب “ابن حريوه” ، والعلامة القاضي محمد بن علي الشوكاني، وغيرهم، ممن لا يمكن اختزال تراثهم في الصورة النمطية التي يحاول البعض تقديمها عن الزيدية. وقد كان هؤلاء العلماء أصحاب اجتهادات ومراجعات ونقد، وبعضهم تجاوز في اجتهاده حدود المذهب الزيدي، وأثر في الحياة العلمية اليمنية والإسلامية بصورة أوسع.
ولذلك فإن الحديث عن الزيدية يحتاج إلى معرفة بتاريخها وأصولها وتطورها ومدارسها، لا إلى أحكام انطباعية تُبنى على الخصومة السياسية الراهنة.
ويبدو لي أن جزءًا من المشكلة في المقال الذي نناقشه ناتج عن اختلاف في المنهج المعرفي نفسه. فالكاتب، كما يبدو من خلفيته الفكرية، ينطلق من مدرسة الحديث، بينما للزيدية في جانبها الكلامي والأصولي منهج يقوم بدرجة أكبر على الاستدلال العقلي والحجاج والنظر. والاختلاف بين المدرستين قديم، ولا ينبغي أن يتحول إلى اتهام متبادل بالجهل أو الانحراف أو التنابذ أو التكفير والتنجيس والتفسيق.
فالمدرسة التي تقدم الحديث والنقل في بناء المعرفة الدينية لها أدواتها وأصولها، والمدرسة التي تمنح العقل مساحة واسعة في الاستدلال لها أدواتها وأصولها أيضًا. والنقد العلمي الحقيقي لا يبدأ بإدانة الآخر لأنه يستخدم منهجًا مختلفًا، وإنما يبدأ بفهم هذا المنهج أولًا، ثم مناقشة مقدماته ونتائجه.
ومن هنا فإن وصف الأستاذ محمد عزّان بأنه “عرّاب الجحيم” ثم الانتقال إلى وصف التسامح الذي ينادي به بأنه “مزيّف” يحتاج إلى أكثر من العنوان والعبارات الإنشائية؛ يحتاج إلى أدلة محددة، ونصوص موثقة، ومواقف واضحة، وسياق تاريخي وسياسي يثبت هذه الأحكام. أما إطلاق الأوصاف الكبيرة دون إقامة الحجة عليها، فلا يحسم النقاش، وإنما يزيده احتقانًا.
ومن حق الكاتب أن يغيّر موقفه من الأستاذ محمد عزّان، ومن حقه أن يراه متناقضًا أو أن ينتقد تحولاته الفكرية والسياسية، لكن من حق القارئ أيضًا أن يسأل: ما الدليل؟ وما النص؟ وما الواقعة؟ وهل نحن أمام نقد لفكرة محددة، أم أمام حكم شامل على شخصية وتاريخ ومدرسة فكرية كاملة؟
إن التسامح، في ذاته، ليس تهمة. وقد يكون الإنسان قد ارتكب أخطاء في الماضي ثم أدركها وراجع مواقفه، وهذه المراجعة لا تصبح نفاقًا لمجرد أنها جاءت بعد خصومة أو تجربة سياسية. بل إن القدرة على مراجعة الذات من أهم مظاهر النضج الفكري، وإن كان من حق الآخرين أن يختبروا صدق هذه المراجعة من خلال المواقف والأفعال.
وهنا ينبغي أن نفرق بين التسامح بوصفه قيمة أخلاقية وسياسية، وبين استخدام التسامح كشعار لتبرير موقف سياسي معين. فإذا كان الأستاذ محمد عزّان يدعو إلى التسامح والحوار وقبول الآخر، فالمعيار هو مدى اتساق ذلك مع مواقفه العملية، لا مجرد رفض الفكرة لأنها صدرت عنه. وإذا كانت هناك مواقف تناقض هذا الخطاب، فالأجدى عرضها ومناقشتها بدل إطلاق الأوصاف.
والأمر نفسه ينطبق على خصومه؛ فلا يجوز أن تتحول أخطاء الأستاذ محمد عزّان – إن ثبتت – إلى مبرر لتجريم مدرسة فكرية بأكملها، كما لا يجوز أن تتحول نقاط القوة في تجربته إلى حصانة تمنع نقده.
إنني أرى أن أخطر ما في مثل هذه السجالات هو انتقالها من نقد الأشخاص والأفكار إلى تصنيف الناس بحسب أصولهم العرقية ومذاهبهم الدينية ومناطقهم. وحين يحدث ذلك، نفقد القدرة على بناء دولة المواطنة المتساوية، لأن الدولة لا تسأل المواطن عن نسبه ومذهبه قبل أن تعترف بحقه، وإنما تنظر إليه بوصفه مواطنًا كامل الحقوق والواجبات.
لقد عانى اليمن طويلًا من توظيف الدين والمذهب والسلالة والمناطقية في الصراع على السلطة، ولن نخرج من هذه الدائرة إذا ظل كل فريق يقرأ الآخر من خلال هويته لا من خلال أفكاره ومواقفه. المطلوب أن ننتقل من سؤال “من أنت؟» إلى سؤال «ماذا تقول؟ وماذا تفعل؟ وما مشروعك؟”.
ولهذا فإنني، وأنا أختلف مع كثير من الأفكار والمواقف التي تُنسب إلى الأستاذ محمد عزّان أو التي عبّر عنها في مراحل مختلفة، لا أجد أن من الإنصاف أن يُختزل الرجل في صورة واحدة، ولا أن يختزل تاريخ الزيدية في صورة واحدة، ولا أن يختزل الخلاف الفكري بين المدارس الإسلامية في ثنائية «هداية وضلال» أو «حق وباطل» دون نقاش علمي للأدلة.
لقد آن الأوان أن نخرج من ثقافة التخوين والتكفير والتصنيف، إلى ثقافة السؤال والحجة والوثيقة. فالكاتب الجاد لا يحتاج إلى أن يهدم خصمه بالشتائم؛ تكفيه الوثيقة. ولا يحتاج إلى أن يرفع صوته؛ تكفيه الحجة. ولا يحتاج إلى أن يضع خصمه في صورة شيطان أو قديس؛ يكفي أن يضع أفكاره أمام القارئ، ثم يترك للقارئ حق الحكم عليها.
وفي ختام هذه القراءة، أؤكد أن غايتي لم تكن الدفاع عن العلامة الأستاذ محمد عزّان دفاعًا مطلقًا، ولا مهاجمة خصومه، وإنما الدفاع عن مبدأ أوسع من الأشخاص جميعًا: حق الإنسان في أن يُقرأ بعدل، وأن تُناقش أفكاره بأدوات النقد الموضوعي، وأن يُحاكم إلى أقواله وأفعاله الموثقة، لا إلى نسبه أو مذهبه أو الصورة التي يرسمها خصومه عنه.
وإذا كنا نريد فعلًا أن نبني في اليمن دولة مدنية حديثة، يسودها القانون والمواطنة المتساوية، ويحتكم كل أطراف العمل السياسي إلى صندوق الانتخابات، فعلينا أن نتعلم أولًا كيف نختلف دون أن نتعصب، وكيف ننقد دون أن نهين، وكيف نختلف مع المذهب دون أن نحتقر أتباعه، وكيف نختلف مع الشخص دون أن نحول الاختلاف معه إلى عداء دائم.
فاليمن لا يحتاج إلى قديسين جدد، ولا إلى شياطين جدد؛ يحتاج إلى مواطنين أحرار، وعقول مفتوحة، وحوار صادق، ودولة يكون فيها القانون فوق الأشخاص والجماعات والمذاهب، ويكون فيها صندوق الاقتراع هو الفيصل في اختيار الحكام، لا السيف، ولا النسب، ولا ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
اقرأ أيضا:



