وداعًا للحلفاء..قراءة في تقلبات المشهد السوري وانعكاساتها على مستقبل المنطقة

وداعًا للحلفاء..قراءة في تقلبات المشهد السوري وانعكاساتها على مستقبل المنطقةئ
بقلم/ إبراهيم الحبيشي
الثلاثاء 20 يناير 2026-
في زوايا المقاهي المتربة في مدينة القامشلي، حيث تتدلى صور الشهداء على الجدران المتهالكة، يجلس رجال شاخت ملامحهم قبل الأوان. بين كأس شاي مرير وسيجارة تنطفئ من تلقاء ذاتها، تتناثر كلمات ثقيلة كالرصاص. “قلناها من البداية.. الدماء التي تسيل هنا لا تحسب في ميزان القوى هناك”. ها هم اليوم يشهدون الفصل الأخير من ملحمة بدأت بوعود التحرير والدعم اللامحدود، وتنتهي بصفقات التخلي والتسليم. فما كان بالأمس حلفاء استراتيجيين في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، أصبحوا اليوم “أوراقًا محروقة” في التعبير القاسي للدبلوماسية الدولية، يُستغنى عنهم لمصلحة تفاهمات أكبر مع النظام ذاته الذي حاربوه.
الصورة الآن تبدو وكأنها عودة مقلوبة للتاريخ. فبعد سنوات من الدعم الأمريكي المباشر لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والتي شكلت درعاً بشرياً وأرضياً ضد نظام الاسد، ها هي المعادلة تنقلب رأساً على عقب. التقارير المتسربة تتحدث عن ترتيبات جديدة، لا تكتفي بإعادة المناطق التي تحكمها الإدارة الذاتية إلى سلطة دمشق فحسب، بل تمتد لتشمل تسليم الملفات الأكثر حساسية: آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة الإسلامية في سجون تنتشر من الحسكة إلى دير الزور.
هؤلاء المعتقلون ليسوا رقماً عابراً؛ هم ثمرة معارك ضارية خاضتها قسد بدعم أمريكي جوي واستخباراتي، ودفعت ثمناً لها بآلاف القتلى والجرحى. وكان الاعتقاد السائد أن هذا الملف الخطير يشكل ضمانة استمرارية للحضور الأمريكي، وورقة ضغط في أي مفاوضات. لكن يبدو أن القيمة الاستراتيجية لكل هذه التضحيات قد تبخرت في حسابات المصلحة العليا، حيث أصبح النظام السوري الحالي وحلفاؤه، بما في ذلك فصائل كانت توصف سابقاً بـ”الإرهابية”، هم اللاعبون المعتمدون في المرحلة القادمة.
المفارقة الأكثر قسوة تكمن في هذه “التبدلات” التي لا تراعي لا دماء الحلفاء ولا منطق الثوابت. فكيف نفسر تحول واشنطن من دعم قوات حاربت نظام الاسد لسنوات وكانت رأس الحربة الاميركية ضد داعش، إلى التوجه نحو التفاهم مع هؤلاء نفسهم الذين أصبحوا نظاما برعاية اميركية ايضا؟ وكيف تُفسر مساعي تسليم ملف داعش الأمني الشائك إلى جهات اتهمها العالم أجمع، في مرحلة ما، بأنها سهلت صعود التنظيم أو استفادت من وجوده؟
في الخيام البعيدة لمخيم الهول، حيث يُحتجز آلاف عوائل عناصر التنظيم، تبدو المخاوف أكثر واقعية. فالنظام الخالي الهش ، والذي يرزح تحت عقوبات خانقة، هل يملك الإمكانيات والإرادة لإدارة هذا الملف المتفجر؟ أم أن تسليمه قد يفتح الباب أمام عمليات هروب لمناطق اقليمية لتفجيرها أو تفاوض سرية تعيد إطلاق سراح عناصر خطيرة؟ أسئلة تطرحها العائلات التي فقدت أبناءها في معارك ضد التنظيم، وتخشى أن تذهب تضحياتهم أدراج الرياح.
لكن بعيداً عن المشاعر والمواقف الأخلاقية، تبدو الصورة الجيوسياسية واضحة للمحللين. فالدعم الأمريكي لقسد لم يكن قط قائماً على مشاعر الولاء أو الالتزام الأخلاقي بحقوق الشعوب، بل كان أداة مرحلية لتحقيق أهداف آنية: تحجيم تنظيم الدولة الإسلامية أولاً، ثم الضغط على الشرع وحكومته وحلفائه. والآن، مع انحسار التهديد الداعشي نسبياً، وتغير الأولويات الدولية نحو منافسات أكبر مع روسيا والصين، ومع رغبة في تقليل النفقات والتورط في الشرق الأوسط، أصبح “الحليف المحلي” عبئاً يمكن التخلي عنه مقابل ضمانات بسيطة من الخصوم السابقين.
هذا التحول لا يمس فقط بمستقبل الشعب الكردي ومشروعه السياسي في شمال سوريا، بل يرسل رسالة واضحة لكل الحلفاء المحليين للقوى الكبرى في كل منطقة: أنكم مجرد أدوات وقتية في لعبة المصالح، وأن دماءكم وتضحياتكم قابلة للنسيان بمجرد أن تتغير الحسابات. ربما كانت هذه أقسى الدروس التي تخرج بها الأكراد السوريون من هذه التجربة المريرة.
أما في دمشق وحلب، فيرى البعض في هذه التطورات نصراً سياسياً باهظ الثمن. فالعودة إلى المناطق الشرقية ستكون شكلية دون إمكانية حقيقية لإعادة إعمارها أو إدارتها بفعالية، بينما يضع ملف السجون عبئاً أمنياً هائلاً على كاهل دولة منهكة. ولكن ربما يكون الهدف الحقيقي هو إعلان انتصار رمزي، وإغلاق ملف الحرب رسمياً، بغض النظر عن الثمن الذي سيدفعه المدنيون في تلك المناطق مستقبلاً.
تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن سوريا، بعد أكثر من عقد على حربها المدمرة، لا تزال رقعة شطرنج تُحرك عليها القوى الكبرى قطعها دون اكتراث بمصير الشعب الذي يعيش عليها. والدرس الأقسى أن الأمل الذي راود الكثيرين في بناء واقع جديد من بين الركام، قد يتبدد هو الآخر مع رياح التغيير التي لا تحمل إلا المزيد من الغموض والخوف.
اقرأ أيضا: كيف حوّل ترامب فضائح إبستين التي ستنال منه… إلى عدوان على فنزويلا



