كتابات فكرية

من الحقيقة المطلقة إلى إقطاعيات بشرية

من الحقيقة المطلقة إلى إقطاعيات بشرية

امين الجبر

الاحد 1 فبراير 2026-

لقد صير التاريخ الإسلامي، تحت وطأة التدافع السياسي والنزاع المحموم على الثراء والسلطة، الدين الواحد نسخا شتى، ومذاهب متباينة، بل وفرقا متناحرة. كل فئة منها تتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتدعي لنفسها الأصالة في الانتماء، بل وتحتكر حق التمثيل والتفسير. لقد أُثقل كاهل العقيدة بأغلال من الاصطفائية العرقية، والوصاية القرابية، والادعاءات الوظيفية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وما كانت إلا أدوات لتثبيت نفوذ أو تبرير تسلط.

هذا التشرذم لم يورثني كمسلم موحد إلا تشتتا في الفكر، وتمزقا في الولاء، ووقوفا على حافة الحيرة الوجودية. فبين فرقة غلّت يد الغيب لصالح قدسية العقل المطلقة فجعلتني عقلانيا جافا غارقا في الجدال، وتيار تحجّر عند ظاهر النص فصادر التأويل وحول إيماني إلى عاطفة منغلقة؛ وبين تصوف آثر الانسحاب من الحياة تحت ستار الزهد، فأغرقني في تراتيل الدراويش حتى غدوت غيبيَّ الظن، أسير الخرافة.

حتى المذاهب التي تعصبت للسلالة أو القومية، لم أر فيها إلا مشاريع أسرية عشائرية ضيقة تتدثر بعباءة الإيمان بعيدة عن عالمية الإسلام. وصولا إلى الجماعات المعاصرة التي رفعت رايات السياسة بأجندات مشبوهة، تمارس التكفير كمنهج ضد بعضها البعض، وتتوسل الإكراه كطريق لفرض رؤآها، رغم ادعائها الزائف بالذود عن حياض الدين.

أمام هذا الركام من الأيديولوجيات والمصالح، كيف لمؤمن يرجو وجه الله وحده أن يجد طريقه؟ كيف يخلص العبادة للواحد الديان بعيدا عن ضجيج الفرق، وصخب الأحزاب، وتشاحن المذاهب التي حولت الرسالة الكونية إلى إقطاعيات بشرية؟.

اقرأ أيضا: المستبد العادل: مفهوم سياسي متناقض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى