كتابات فكرية

قراءة تحليلية في مفاوضات إنهاء الحرب بين صنعاء والرياض

قراءة تحليلية في مفاوضات إنهاء الحرب بين صنعاء والرياض

خارطة طريق أم فخ سياسي جديد؟

قراءة تحليلية في مفاوضات إنهاء الحرب بين صنعاء والرياض

بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف

الخميس 14 مايو 2026-

في واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، تتزايد التسريبات حول اقتراب التوصل إلى “خارطة طريق” بين السعودية وحكومة صنعاء، بعد جولات تفاوض غير معلنة جرت في عمّان بوساطة سلطنة عُمان ورعاية أممية.

المهم في هذه الجولة ليس فقط مضمون التفاهمات، بل التحول السياسي العميق في شكل التفاوض نفسه؛ إذ باتت الرياض تجلس على الطاولة باعتبارها طرفًا مباشرًا في الحرب، لا “وسيطًا” بين أطراف يمنية متصارعة، وهو تطور يعكس تحولًا جوهريًا في مقاربة الصراع اليمني إقليميًا ودوليًا.

السؤال المركزي اليوم لم يعد:

“هل ستنتهي الحرب؟”

بل:

هل نحن أمام تسوية تاريخية حقيقية، أم مجرد إعادة إنتاج للصراع بصيغة مختلفة؟

أولاً: التحول الاستراتيجي في الموقف السعودي

منذ سنوات، حاولت السعودية تقديم نفسها باعتبارها “داعمًا للشرعية” أو وسيطًا إقليميًا، إلا أن مسار المفاوضات الحالي يكشف اعترافًا سياسيًا ضمنيًا بأن الحرب كانت مواجهة مباشرة بين الرياض وصنعاء.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة مجموعة عوامل:

استنزاف اقتصادي وعسكري طويل

فشل الحسم العسكري

تصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب

تغير البيئة الإقليمية بعد التفاهم السعودي–الإيراني

تنامي القدرات العسكرية اليمنية، خصوصًا في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة

وفي ضوء ما ناقشناه سابقًا حول “استراتيجية الردع اليمنية”، يبدو أن صنعاء استطاعت نقل المعركة تدريجيًا من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض.

ثانيًا: قراءة في بنود خارطة الطريق

1. ملف الأسرى: “الكل مقابل الكل”

يمثل هذا البند مدخلًا إنسانيًا وسياسيًا مهمًا، خصوصًا إذا شمل جميع الجنسيات والقوات المشاركة في الحرب.

لكن التجارب السابقة—سواء في اليمن أو غزة—تؤكد أن ملف الأسرى لا يجب أن يتحول إلى “ورقة منفصلة” يمكن استنزافها سياسيًا دون تقدم شامل في بقية الملفات.

2. صرف المرتبات ومعالجة الانقسام النقدي

يعد هذا الملف من أخطر القضايا الاقتصادية، لأن الحرب لم تُنتج فقط انقسامًا سياسيًا، بل أيضًا:

ازدواجًا ماليًا ونقديًا

انهيارًا في سعر العملة بالمحافظات الجنوبية

تضخمًا اقتصاديًا واسعًا

ولذلك، فإن:

توحيد السياسة النقدية

سحب الكتلة النقدية غير المغطاة

إعادة إدارة موارد النفط والغاز

تمثل جميعها شروطًا أساسية لأي استقرار اقتصادي مستقبلي.

ثالثًا: السيادة اليمنية… جوهر التفاوض الحقيقي

البند الأكثر حساسية يتمثل في:

وقف التدخل الخارجي

استقلال القرار اليمني سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا

خروج القوات الأجنبية من اليمن

وهنا يتجاوز الاتفاق مجرد “وقف حرب”، ليتحول إلى إعادة تعريف للعلاقة بين اليمن ومحيطه الإقليمي.

في الأدبيات السياسية، يُعرف هذا النوع من التسويات بـ:

“اتفاقات استعادة السيادة” (Sovereignty Restoration Agreements)

لكن نجاحها يتوقف على:

الضمانات الدولية

آليات التنفيذ

التوازنات الإقليمية الجديدة

رابعًا: الملفات المترابطة… أخطر نقطة في التفاوض

واحدة من أهم النقاط التي يجب أن تأخذها صنعاء بالحسبان هي:

عدم تجزئة الملفات.

فالملفات:

الإنسانية

الاقتصادية

العسكرية

السياسية

مرتبطة ببعضها بصورة عضوية.

أي فصل بينها قد يؤدي إلى:

تنفيذ جزئي للاتفاق

إعادة إنتاج الأزمة

تحويل السلام إلى “هدنة مؤقتة” لا أكثر

ولهذا تبدو فكرة:

“الحزمة الواحدة”

أكثر واقعية من الاتفاقات المرحلية المفتوحة.

خامسًا: الدرس الأهم… غزة ولبنان

التجارب الإقليمية الحديثة أثبتت أن:

“تبادل الأسرى أو وقف النار لا يعني بالضرورة نهاية الصراع.”

ففي غزة ولبنان، تحولت بعض الاتفاقات إلى أدوات لإدارة الأزمة بدل حلها.

ومن هنا، فإن التخوف في صنعاء يتمثل في احتمال:

انتقال الرياض من “الحرب المباشرة” إلى “إدارة الصراع سياسيًا واقتصاديًا”

استخدام الملفات الإنسانية كورقة ضغط مستقبلية

إعادة تدوير قوى محلية مرتبطة بالخارج داخل السلطة الجديدة

سادسًا: الضمانات الدولية… حجر الأساس

تسعى صنعاء—بحسب التسريبات—إلى إحالة أي اتفاق إلى مجلس الأمن الدولي لضمان إلزاميته.

وهذا يعكس إدراكًا لثلاث حقائق:

أن الضمانات الشفهية لا تكفي

أن التوازنات الإقليمية قد تتغير

أن أي اتفاق بلا غطاء دولي يبقى هشًا وقابلًا للانهيار

لكن في المقابل، يبقى السؤال: هل ستقبل القوى الكبرى باتفاق يمنح صنعاء اعترافًا سياسيًا كاملاً؟

سابعًا: هل نحن أمام سلام حقيقي؟

المشهد الحالي يوحي بأن:

السعودية تريد الخروج من الحرب بأقل الخسائر

وصنعاء تريد تثبيت معادلة “النصر السياسي”

لكن الفارق بين:

“السلام الحقيقي”

و“إدارة التهدئة”

سيتحدد من خلال:

آليات التنفيذ

وحدة الملفات

الضمانات

شكل السلطة القادمة

مستقبل القوات الأجنبية

إدارة الموارد والثروات

الخلاصة: لحظة تاريخية لا تحتمل الأخطاء

ما يجري اليوم في عمّان ومسقط ليس مجرد تفاوض تقليدي، بل إعادة تشكيل لمعادلات القوة في اليمن والمنطقة.

صنعاء تدخل هذه المفاوضات من موقع مختلف عن سنوات الحرب الأولى؛ فهي تمتلك اليوم:

أوراق قوة عسكرية

نفوذًا سياسيًا

تأثيرًا إقليميًا متزايدًا

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو:

تحويل “الانتصار التفاوضي” إلى اتفاق ناقص يعيد إنتاج الحرب بصورة مؤجلة.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية لم تعد فقط في الجبهات، بل في:

صياغة البنود

ترتيب الأولويات

بناء الضمانات

وحماية السيادة اليمنية بعد الحرب

المصادر والمراجع

الأمم المتحدة – تقارير المبعوث الأممي إلى اليمن

مجلس الأمن الدولي – القرارات الخاصة باليمن

مجموعة الأزمات الدولية – تقارير النزاع اليمني

مركز كارنيغي للشرق الأوسط – دراسات التسوية السياسية في اليمن

الجزيرة – تغطيات المفاوضات اليمنية–السعودية

الميادين – تقارير مسار التهدئة الإقليمية

 اقرأ أيضا:مجازر العدوان لن تسقط بالتقادم .. مجزرة نقم نموذجا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى