في معنى علمنة الدولة

في معنى علمنة الدولة
بقلم : د رياض الصفواني
الجمعة 23 يناير 2026-
ليس من الصواب أن تُعادل العلمانية بالدين كنظرية سياسية أو ثقافية، إذ بينهما هوة عميقة لا يُمكن التغاضي عنها، ليس فقط لاختلاف موضوعهما، بل لعدم إمكانية المزج بينهما أو إضفاء التبريرات النظرية التي تلغي التمييز الجوهري بينهما، إذ يعد ذلك شططًا وتجنيًا على الحقائق السياسيّة والثقافية.
فالواقع يؤكد أن الجماعات الدينية المتطرفة، عبر التاريخ، لم تكن إلا مشاريع وظيفية ثأرية، لا مصالحة لها إلا مع ذاتها؛ وعندما تغيب الخصومة مع الآخر — سواء كان دينيًا، مذهبيًا، أو فكريًا — تنفجر في صراعات داخلية تشظية.
هذا الحضور المهيمن لثقافة الصدامية ونفي الآخر، يجعل من المستحيل تحقيق الانسجام مع نماذج الحكم العلمانية أو مع ثقافات تتباين جوهريًا عن الفكر الديني أو الإيديولوجي السائد.
ونحن إذا استلهمنا من “صحيفة المدينة” التي وضعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، نجدها قد أسست مجتمعًا موحدًا على أساس المواطنة، متجاوزًا الخطوط الحادة التي تحكم أغلب النظريات السياسية المعاصرة، مما يجعل من التنظير التبريري لتنظيم الدولة عبر دعاوى المؤامرة خطأ فادحًا.
ويأتي الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي ليؤكد بعمق أن جوهر المشكلة ليس في الظاهرة الاستعمارية نفسها، بل في القابليات المجتمعية لاستيعاب مفاهيم الحكم الحديثة، ومنها مفهوم العلمانية. فالعلمانية ليست مجرد أيديولوجيا بديلة للدين، ولا آلية حكم جامدة، بل هي محتوى قابل للتبنّي وفقًا لبيئة المجتمع وثقافته، حيث إن انتشار الثقافات اليوم بات ظاهرة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود والأيديولوجيات.
علينا أن نفهم أن من يطالب بتجربة العلمانية كإطار حكم، لا يقصد فصل الدين عن الدولة تقليديًا على غرار النموذج الغربي الكنسي، بل يسعى إلى بناء دولة مدنية حديثة، تعلي من شأن العدالة وتكافؤ المواطنة، وهو ما فشلت فيه أنظمة الاحتكار الديني للصراع على السلطة، التي تستمد شرعيتها من ادعاءات التفويض الإلهي الزائفة.
في خضم صراع مستمر بين جماعات دينية ثقافتها ثأرية وانغلاقها أيديولوجي، تبرز الحاجة الملحّة لدولة مدنية تحكمها قيم العدل والمواطنة الحقة، دولة تتجاوز النزاعات الطائفية والمذهبية، وتفرض قواعد توافُقٍ مدنيّ تعلو فوق النزعات الصدامية.
اقرأ أيضا: العلمانية: فهم المشترك والتحديات في السياق اليمني




