التطرّف بشري… وليس من الدين الحق

التطرّف بشري… وليس من الدين الحق
- حسن الدولة
الاربعاء 6 مايو 2026-
أخطر ما في التطرّف الديني أنه لا يقدّم نفسه كخيارٍ بين خيارات، بل كحقيقة مطلقة لا تقبل المناقشة. لا يقول لأتباعه “هذا رأيي”، بل يصرخ فيهم “هذا حكم الله”. وما إن تُغلق هذه العبارة باب النقاش، حتى يتحول كل اعتراض إلى كفر، وكل اختلاف إلى خيانة، وكل إنسان خارج هذه الدائرة إلى هدفٍ مشروع — معنويًا أولًا، وغالبًا ماديًا لاحقًا.
هذه النزعة إلى احتكار الحقيقة ليست جديدة، وقد حذّر منها الفيلسوف كارل بوبر حين ربط بين “الحقيقة المطلقة” والمجتمعات المغلقة، مؤكدًا أن ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية هو الطريق الأقصر إلى القمع. فحين يُمنع الخطأ، يُمنع معه التصحيح.
المشكلة ليست في النصوص الدينية نفسها، بل في العقول التي تعيد إنتاجها وفق حاجاتها ورغباتها وصراعاتها. فعبر قرون طويلة، تراكمت تفسيرات وتأويلات صُنعت في سياقات سياسية محتدمة، ثم جرى لاحقًا تجميدها وتقديسها، وكأنها جزء من الوحي نفسه. وبهذا يتحول التاريخ إلى دين، ويصير البشر أوصياء على الإله.
وقد لفت عالم الاجتماع ماكس فيبر إلى أن الدين، حين يدخل في صلب السلطة والصراع الاجتماعي، يتحول من تجربة روحية إلى “أداة تنظيم وهيمنة”، حيث يُستخدم لإضفاء الشرعية على الواقع القائم، لا لتحرير الإنسان منه.
في عصرنا هذا، لم يختفِ هذا الإرث، بل أُعيد تصديره وتغليفه بأشكال أكثر تطورًا. أموال طائلة، مؤسسات تعليمية وإعلامية، وخطابات دينية موجهة — كلها تآزرت لنشر فهم واحد ضيق، يُقصي ما عداه، ويعيد تشكيل وعي أجيال كاملة على فكرة أن الحقيقة لا تتعدد، وأن العنف قد يكون طريقًا مشروعًا لحمايتها. وهذه الظاهرة لم تكن حكرًا على مذهب دون آخر؛ فالتشدد، متى توفرت له البيئة المناسبة، يعيد إنتاج نفسه تحت أي لافتة كانت.
ويذهب المفكر محمد أركون إلى أن “العقل الديني حين يُغلق على نفسه، يتحول إلى جهازٍ لإعادة إنتاج المقدّس كما فُهم في الماضي، لا كما ينبغي أن يُفهم في الحاضر”، وهو ما يجعل أي محاولة للنقد تُواجَه باعتبارها تهديدًا لا مراجعة.
غير أن هذا النقد ليس غريبًا عن تراثنا. فقد نبّه أبو حامد الغزالي إلى خطورة الجمود على ظاهر النص دون فهم مقاصده، معتبرًا أن من يكتفي بالحرف ويغفل المعنى قد يضل وهو يظن أنه يهتدي. وفي مشروعه النقدي، كان واضحًا في أن العقل أداة ضرورية لفهم الدين، لا خصمًا له.
أما ابن رشد، فقد ذهب أبعد من ذلك حين أكد أن الحقيقة لا يمكن أن تتناقض مع نفسها، وأن التعارض الظاهري بين العقل والنقل إنما هو نتيجة سوء الفهم، لا خلل في الدين ذاته. بهذا المعنى، فإن إقصاء العقل ليس دفاعًا عن الدين، بل إساءة إليه.
ويأتي أبو إسحاق الشاطبي ليضع قاعدة عميقة حين ربط الأحكام بمقاصدها، مؤكدًا أن جوهر الشريعة هو حفظ النفس والعقل والدين والمال والكرامة. وبهذا، فإن أي فهمٍ يؤدي إلى هدم هذه المقاصد لا يمكن أن يُنسب إلى روح الدين، مهما تستر بالنصوص.
النتيجة أننا أمام خطاب لا يرى الإنسان قيمة في ذاته، بل مجرد وسيلة. إن وافق فهو “مؤمن صالح”، وإن خالف فهو “خطر يجب تحييده”. في هذه المعادلة البائسة، يصبح القتل فعلًا يمكن تبريره، بل تمجيده، لأنه — في وعي صاحبه — تنفيذ لإرادة عليا لا تُناقش.
الأكثر إزعاجًا أن مواجهة هذا الخطاب تبقى سطحية في كثير من الأحيان. مجرد الدعوة إلى “الاعتدال” دون تفكيك الجذور العميقة، أشبه بمحاولة إطفاء حريق هائل بكأس ماء. فالتطرف لا يعيش في النصوص فقط، بل في بيئات تغذيه: ظلم سياسي، انسداد في الأفق، تعليم يُلقن ولا يعلم التفكير، ومساحات عامة تُغلق أمام الحوار فتُترك للأصوات الأكثر حدة وتشددًا.
وهنا يلتقي هذا التحليل مع ما طرحه إميل دوركايم، الذي رأى أن الدين في جوهره ظاهرة اجتماعية تعكس بنية المجتمع نفسه؛ فإذا اختل التوازن الاجتماعي، انعكس ذلك في أشكال التدين، بما فيها أشكال التطرف.
والحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها: التطرف لا ينتصر لأنه قوي فكريًا، بل لأنه يجد فراغًا يملؤه. حين يغيب العدل، يصبح الغضب أرضًا خصبة. وحين يغيب العقل النقدي، يصبح أي خطاب يقيني جذابًا. وحين يُقمع النقاش، يتحول التطرف إلى اللغة الوحيدة المسموعة.
وقد عبّر الفيلسوف فريدريك نيتشه بطريقة صادمة حين قال إن “اليقينيات الراسخة ليست دليل قوة، بل أحيانًا دليل خوفٍ عميق من الشك”، وهو ما يفسر تعلق المتطرفين بأفكارهم بوصفها ملاذًا لا يُمس.
لا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة كـ”انحراف بسيط” أو “سوء فهم عابر”. نحن أمام بنية فكرية متكاملة، لها تاريخها ومؤسساتها ومصالحها الراسخة. تفكيكها يتطلب شجاعة تتجاوز المجاملة: شجاعة الاعتراف بأن بعض ما ورثناه يحتاج إلى مراجعة جذرية، وأن القداسة التي أحاطت ببعض التفسيرات لا تنبع من الدين، بل من الخوف من نقدها.
إن إنقاذ الدين من التطرف يبدأ بإنقاذ الإنسان من الخوف. وهنا يتقاطع هذا الطرح مع رؤية عبد الرحمن الكواكبي الذي ربط بين الاستبداد وتوظيف الدين، مؤكدًا أن “الاستبداد يتخذ الدين وسيلة لإخضاع الناس، ويُفسد به العقول قبل أن يُفسد الحياة”.
حين يشعر الفرد أنه قادر على التفكير دون تهديد، وعلى الاختلاف دون إقصاء، يصبح أقل قابلية للانجراف خلف أي خطاب يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
في النهاية، المعركة ليست بين إيمان وكفر، كما يروج المتطرفون، بل بين عقلٍ يقبل السؤال، وعقلٍ يخشاه. وبين هذين الخيارين يتحدد مصير الدين: هل سيبقى فضاءً للمعنى والرحمة، أم سيتحول إلى وقودٍ لصراع لا ينتهي.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. أحرار اليمن لا يقبلون الوصاية على وطنهم من أحد!





