كتابات فكرية

إعادة ترتيب العلاقة مع الغرب: فصل السياسي عن الشعبي

 إعادة ترتيب العلاقة مع الغرب: فصل السياسي عن الشعبي

   د. رياض الصفواني

الاحد 22 مارس 2026-

تطالعنا بين الحين والآخر خطابات تدعو إلى قطيعة شاملة مع العالم الغربي صراحةً أو ضمناً، على خلفية الموقف الغربي الرسمي المتخندق مع الكيان الصهيوني. ومن واقع التجربة التاريخية القريبة ندرك أن الغرب السياسي هو من يستهدف الأمة في عقولها وثقافتها ومقدساتها وثرواتها. ومع ذلك، علينا أن نفرق دائماً بين المجتمعات الغربية والنظم السياسية، بين البعد الإنساني والمشروعات الاستعمارية.

من أبرز الشواهد على ذلك التفريق: خروج مئات الآلاف من الشعوب في عواصم ومدن أمريكية وأوروبية في مسيرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني منذ اندلاع عملية طوفان الأقصى في أكتوبر ٢٠٢٣م، منددة بالمجازر التي يقترفها الكيان الصهيوني في غزة، وداعية إلى وقفها ومحاكمة قادتها، ومطالبة أنظمتها بمراجعة العلاقات السياسية وتعليق التعاون الأمني مع الكيان الصهيوني، والدعوة إلى فرض عقوبات على المستوطنين، وفتح المعابر لإدخال المساعدات.

كما انتقد العديد من المفكرين والكتاب الغرب سياسات حكوماتهم المنحازة للكيان الصهيوني. مثل المفكر والمؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” الذي رأى في القضية الفلسطينية قضية إنسانية عادلة، ووصِف ما فعلته حكومة بلاده بأنه: “عبارة عن جريمة منظمة بإحلالها اليهود وإعطائهم وعداً بوطن قومي لهم على حساب آخرين أنبتتهم تلكم الأرض”، وأكد غير مرة: “أن بريطانيا تحمل أكبر قسط من المسؤولية في النزاع بين العرب واليهود، وإني أعتقد في ما يتعلق بالمشكلة القائمة بين الفلسطينيين العرب والصهيونيين أن الفلسطينيين على صواب وأن الصهيونية على خطأ”. وكذلك المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” الذي أدان في مناسبات مختلفة ما اقترفته آلة الحرب الصهيونية بضوء أخضر أمريكي من مجازر في فلسطين. مع وجود ملايين المسلمين يعيشون في الغرب ويتفاعلون إيجابياً مع القضية الفلسطينية، وقضايا مجتمعاتهم، دون أن تشهد حوادث عنف وصدامات مع الشعوب الغربية بالمعنى الجماعي لا الفردي. وهو الأمر الذي لم يشهده تاريخ العلاقات العربية الغربية منذ الحقبة الاستعمارية، ويشكِّل خروجاً عن الصورة النمطية التي رسمها المستشرقون الملتحقون بالمؤسسة الاستعمارية عن العرب وعملوا على تكريسها في الوعي الجمعي الغربي لأكثر من قرنين من الزمن.

هذا الموقف التضامني الغربي غير الرسمي يفرض علينا أن نعيد ترتيب العلاقة بيننا وبين الغرب الشعبوي، بمعزل عن الغرب الرسمي السياسي، وأن نفصل بين الموقفين.

 ربما يواجه البعض من المثقفين والكتاب العرب تحديات حينما يحاول كسر القالَب الذي صاغ ثقافته ووعيه لعقود، أو عندما يقرر الخروج عن الخط المرسوم له، بتعميم الصورة السلبية على الغرب ككل، دونما تمييز أو تفريق بين الغرب السياسي الاستعماري والغرب الشعبي الإنساني. لكن مقتضيات الإنصاف والعدالة والموضوعية تحتم علينا أن نزِن الأمور بميزان العقل والضمير، وأن نفرق بين السياسي والشعبي.

 ومن نافلة القول، إن النموذج الغربي، وتحديداً المركزي الأمريكي بصيغته العولمية، يمثل هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية، تفرض نمطاً استعمارياً امبريالياً واحداً على العالم.

ومع ذلك فإن هذا النموذج الأحادي يواجه تحديات متزايدة من قبل القوى العالمية الصاعدة (الصين أنموذجاً)، مما يشير إلى أن التاريخ يسير نحو تحولات جذرية، تضع حداً للتغوُّل العولمي الأمريكي، وتُبلوِر صيغ جديدة للعلاقات الدولية، تقوم على التعاون والتفاهم والاحترام المتبادل، وإتاحة الفرصة للشعوب في تقرير مصيرها.

خلاصة القول، ينبغي أن نتحلى بالواقعية وأن نفرق بين الصورتين: الغرب السياسي، وهو الخصم اللدود الذي كشفت وقائع الصراع العربي الصهيوني منذ ما يزيد عن سبعة عقود عن مُزايداته بالديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، واتضح أنها قيم ومبادئ غير قابلة للتطبيق خارج بيئاتها، وبين الغرب الشعبي ذي المنزع الإنساني.

لابد في هذا الصدد أن نبني علاقاتنا مع الآخر على أساس العقل والانصاف، وأن نعمل على تعزيز الحوار والتفاهم بين ثقافات الشعوب الحية المؤازِرة للحقوق الإنسانية في مختلف أصقاع الأرض.

اقرأ أيضا: السفير صبري: اليمن يدير “هدوءاً مرعباً” بانتظار ساعة الصفر لكسر الغطرسة الأمريكية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى