الحركة التعاونية: قراءة في تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي من خلال كتاب “إطلالة على حياتي” للمؤرخ سيد مصطفى سالم (2 – 2)

الحركة التعاونية: قراءة في تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي من خلال كتاب “إطلالة على حياتي” للمؤرخ سيد مصطفى سالم (2 – 2)
- د. رياض الصفواني
الاحد 16 أغسطس 2026-
خامساً: شهادات وأرقام حجم الإنجاز في تجربة التعاونيات
١. البعد السياسي للتجربة: من المبادرة الجماهيرية إلى مؤسسات الدولة:
عكست شهادات المقربين من الحمدي حجم الأثر، فقد أورد الكتاب مقالة لـ”إسماعيل الكبسي” وكيل وزارة الثقافة والإعلام، نقتطف منها النص الآتي: “التعاون في اليمن توجه جماهيري دعت إليه الحاجة، فحينما وجد الشعب نفسه بعيداً عن هموم الدولة ومشاغلها وأحس بأنه في حاجة للعلم والمواصلات والعلاج لجأ إلى التعاون كمقدمات ضرورية إلى الحياة، ليوفر هذه المطالب. ولكن كان هناك أشخاص يحسون بهذه المبادرة الجماهيرية، فنشأ على إثر ذلك الاتحاد العام لهيئات التعاون. وكان من حسن حظ التعاون أن ترأس التعاون المقدم إبراهيم الحمدي، وكان من حسن حظ الحمدي أن ترأس هذا الاتحاد. “ص٢٠٦ – ٢٠٧.
ويشير إلى أن الدولة تنازلت عن نصف الزكاة للتعاونيات وأن عدد الهيئات قفز من ٢٥ إلى أكثر من ١٠٠.
وذكر الكبسي أن هذا القرار هو ثمرة من ثمار الاتحاد، وأن الهيئة الإدارية للاتحاد قد عملت على جلب المساعدات الخارجية. مشيراً إلى أن أهم عمل للهيئة هو الإعداد لمؤتمرين تعاونيين، هما المؤتمر الثاني في صنعاء والمؤتمر الثالث في تعز. وأن الهيئة الإدارية للاتحاد أعدت قانون التعاونيات التي انتشرت على طول اليمن وعرضها.
وهو ما تحدث عنه الحمدي، فقد ذكر أن التعاونيات توسعت وانتشرت في المدينة والريف، وتجاوز عددها أكثر من مئة بعد ان كانت حوالي خمسة وعشرين، استأثرت صنعاء بنصيب أكبر، لكونها عاصمة البلاد. ص٢٠٩.
لقد ظل موضوع تشكيل الهيئات التعاونية في البلاد خلال العام ١٩٧٦م شغل الحمدي الشاغل برغم كثرة مشاغله، وكان يعتبر التعاونيات الجزء المكمل للوزارات ومؤسسات الدولة، ولأجل هذا الغرض زار مناطق بعض الأطراف التي لم يزرها أحد من المسؤولين مثل اللحية ووادي مور والخوخة، ووجه بتقديم مبلغ نصف مليون ريال لإنشاء مشروع مياه، وحث الأهالي في تلك المناطق على تشكيل هيئات تعاون لرفع مستوى معيشتهم. ص٢٠٤.
٢. فلسفة الحمدي: فصل التعاون عن السياسة وربطه بالوحدة الوطنية:
أورد الكتاب نص خطاب طويل للرئيس الحمدي ألقاه في المؤتمر الثالث لهيئات التعاون الذي عُقد في مدينة تعز، ومما جاء فيه: “إخواني أنتم اليوم في مؤتمركم الثالث تمثلون كل أبناء اليمن دون تمييز، تمثلون كل مناطق الجمهورية دون تفريق، وأحب في بداية كلمتي أن أقول إن هذا التجمع الرائع الذي يسوده الحب والتعاون بكل ما في هذه الكلمة، أن هذه ثمرة من ثمار سبتمبر، ولولا الثورة لما وقفنا اليوم في هذا المكان وبهذه الروح لنبحث كل أمورنا، وإن سبتمبر لولا أولئك الأبطال الذين رووا جبال وسهول بلادنا بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة من أبناء اليمن وأبناء مصر العربية، لولا ذلك الدم ولولا تلك الأرواح لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، ولذا وأنتم تمثلون كل مناطق اليمن، أطلب منكم جميعاً أن تقفوا دقيقة واحدة حداداً على أرواحهم الطاهرة، وأن تتلوا فاتحة الكتاب على أرواحهم، كما أطلب من كل الإخوة المواطنين في كل أنحاء الجمهورية حين يسمعون هذا أن يقفوا دقيقة على أرواحهم وتلاوة الفاتحة في كل المناطق اليمنية. أيها الإخوة، إن هذه التجربة الفريدة التي خضناها ونخوضها في سبيل بناء وتطوير بلادنا، ليست في الواقع إلا ترجمة لما يختلج في ضمير شعبنا العريق من نوازع الخير ومن الترسبات الحضارية، وكرد فعل تجاه عوامل فُرضت علينا بعد أن قامت ثورته الظافرة في السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م…”ص٢١٣.
وقال: “إن الشعب اليمني اليوم هو الذي يبادر في بناء المدارس وشق الطرق وإقامة المستوصفات ومشاريع المياه للشرب ويضع الدولة بمبادرته أمام الأمر الواقع، ويضطرها إلى ذلك، ويضطرها إلى دعم ومساعدة كل مبادرة على الرغم من قلة مواردها، وهذا في نظرنا ميزة خاصة بنا ولا نتساوى بها مع أحد غيرنا… “ص٢١٤
وقال أيضاً: “نحن اليوم في هذا المؤتمر نملك كامل حريتنا في انتخاب الهيئة الإدارية العليا للاتحاد العام لهيئات التعاون الأهلي للتطوير…وأحب أن أقول أيها الإخوة إن هذا المؤتمر ليس مجرد لقاء بعضكم كممثلين لهيئات التعاون تتدارسون قضاياها وتقيِّمون نجاحاتها وتنتخبون الهيئة الإدارية للاتحاد العام، بل إلى جانب ذلك معنى عميقاً وكبيراً، إنه يرمز أولاً إلى قوة وحدتنا الوطنية في هذا الشعب وإصرار هذه الوحدة الوطنية القوية أن تمضي في طريق بناء البلاد وتحريرها من كل الرواسب والشوائب أياً كانت واستعادة مكانة اليمن بين الأمم المتحضرة. “ص٢١٦.
وأكد على وجوب إبعاد العمل التعاوني عن الأمزجة والأغراض والمصالح الشخصية، وعدم إقحام السياسة والأغراض الشخصية والانتهازية فيه، وبأنه “لن يقبل بأي شيء من هذا يندس داخل العمل التعاوني الشعبي.”ص٢١٧.
وفي ختام كلمته، قدم الحمدي استقالة الهيئة للاتحاد العام للتطوير، وذلك لانتخاب هيئة جديدة، تتكون من مئة وسبعة عشر هيئة تمثل معظم مناطق الجمهورية، وأثنى على الدور الذي اضطلع به المواطنون من رجل وامرأة وطفل في التعاونيات، قائلاً: “نعتبر ان كل امرأة وكل رجل وكل طفل في كل قرية قد ساهم في نقل حجر لبناء مدرسة أو ساهم بأخذ مغرس في شق طريق أو ساهم بأبسط مبلغ مالي قد بذل جهداً في إنشاء فكرة التعاونيات، إذ لا فضل لأحد أبداً، الفضل لكل من عمل في التعاون… “ص٢١٨.
وقد أعيد انتخاب الحمدي رئيساً للاتحاد العام بـ ١٣٨ صوتاً من إجمالي ١٤١ صوتاً.
٣. المنجز الكمي: قراءة في أرقام د.حمود العودي وعلي محمد عبده:
وفي هذا الصدد، أورد الكتاب مقالة طويلة لعلي محمد عبده، أحد النقابيين العماليين وصفها بالقيمة، حملت عنوان “الظاهرة التعاونية في اليمن” أصَّل فيها الكاتب لتجربة التعاونيات في اليمن منذ قديم الزمان، وتتبع أشكالها ومظاهرها، فذكر أنها بدأت منذ بناء سد مأرب ثم انهياره وتفرق اليمنيين إما إلى خارج البلاد أو إلى اعتلاء قمم الجبال، والبحث عن موارد رزق أخرى عن طريق الزراعة أو التجارة بحكم موقع اليمن الفريد، وقال إن التعاون أخذ أشكالاً مختلفة من زراعة الجنتين إلى زراعة المدرجات الجبلية، والتي اشترك فيها أهل القرى جميعاً من رجال ونساء في نقل الأحجار والطين والماء من أسفل الوديان وفي إعداد النساء للطعام، ثم اخذ التعاون يتطور بأشكاله وتقاليده من مرحلة إلى أخرى. ومع تطور الأزمان تحول العمل التعاوني من بناء المدرجات إلى شق الطرق وبناء المدارس وإنشاء محطات الكهرباء وغير ذلك من متطلبات الحياة العصرية بما فيها اختيار طريق الديمقراطية في اختيار أفراد هيئات التعاون إلى اختيار أعضاء الاتحاد لهيئات التعاون الأهلي للتطوير.
كذلك وردت مقالة للدكتور حمود العودي نشرها في مجلة “الغد” في عددها الصادر في يونيو ١٩٧٧م – وكان يرأس تحريرها – بعنوان “تجربة العمل التعاوني في اليمن: منجزاتها وطموحاتها”، تحدث فيها عن تجربة العمل التعاوني التي غطت جميع مناطق الجمهورية، من خلال ما يزيد على ١٤٠ هيئة للتطوير في مختلف المناطق، وقال إن هذا الرقم لم يكن يتجاوز ٢٣ هيئة عند تأسيس الاتحاد العام لهيئات التعاون في ٢٤ مارس ١٩٧٣م، وأن تلك الهيئات ضمت في عضويتها المفتوحة كل أبناء الريف تقريباً. وذكر أن تلك الهيئات استطاعت أن تنجز خلال مدة لا تتجاوز ٣ سنوات شق ما يزيد على ٧٠٠ خط طريق فرعي للسيارات إلى مختلف المناطق يتجاوز مجموع طولها ٦٠٠٠ كم، كما استطاعت إنجاز بناء وتشغيل أكثر من ٦٨٠ مدرسة ابتدائية، وأكثر من ٨٥٢ مشروع مياه ما بين حفر آبار وترميم وبناء سدود ونقل منابع مياه سطحية لمد القرى بمياه الشرب النقية، ومن بين ٢٣ مشروع مياه في المدن الرئيسية لثماني محافظات، قام التعاون بتنفيذ ثماني عشرة منها بمفرده، وشارك الدولة بثلاثة منها وانفردت الدولة باثنتين منها، هما مشروع مدينة تعز ومدينة الحديدة، حيث نفذ هذان المشروعان قبل بداية التجربة التعاونية وتشكيل هيئة المدينتين. وأضاف أن خطة العمل التعاوني تهدف في الأساس إلى مساعدة الدولة في إيجاد تحول جذري وفعال قي سبيل تنمية اقتصادية واجتماعية تستهدف جماهير الشعب في مختلف مناطق الريف. ص٢٢٠ – ٢٢٢.
وذكر الكتاب أن الحمدي في إحدى خطاباته أكد على أن من أهم ما حققته حركة ١٣ يونيو التصحيحية هو الخروج بهيئات التعاون الأهلي للتطوير من دوائرها المتعددة الضيقة إلى دائرة واحدة واسعة، وذلك بانضواء تلك الهيئات التعاونية تحت لواء واحد، هو لواء الاتجاد العام، وربط مشاريعها القائمة على المبادرات الشعبية في مختلف المجالات بخطة الدولة الإنمائية، بدون تفريق بين الريف والمدينة في مختلف الخدمات، وذكر أن شعار الحمدي الذي رفعه هو: الدولة في خدمة الشعب لا الشعب في خدمة الدولة.ص٢٢٩.
خاتمة عامة:
تكشف قراءة كتاب “إطلالة على حياتي” أن الحركة التعاونية في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي لم تكن مشروع خدمات فحسب. بل كانت مشروع بناء دولة.
فقد نجحت في زمن قصير وإمكانيات محدودة، في أن تحول المواطن من متلقٍ للخدمة إلى شريك في صنعها. وأن تربط الريف بالمركز، وأن توحد جهود ١١٧ هيئة تحت لواء واحد.
والأهم من ذلك كله، أن التجربة قدمت نموذجاً في الحكم: نموذجاً يقوم على إشراك الناس، وعلى فصل العمل العام عن المصالح الشخصية. ولم تنتهِ التجربة باغتيال رئيسها الحمدي بل استمرت إلى نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وكان والدي رحمه الله شاهداً عليها، فقد كان عضواً في الجمعية العمومية للمجلس المحلي للتطوير التعاوني بناحية السياني في محافظة إب، وأسهم في بعض المشروعات الخدمية، منها متابعة وتنفيذ شق طريق عُزلة “الدامِغ” في الناحية، وإيصال مشروع مياه الشرب النقية إلى أهالي قرى العزلة، كما عمل ضمن لجان التعداد السكاني التي نظمها اتحاد التعاونيات. وبقيت التجربة شاهدة على أن “التصحيح” الحقيقي هو الذي “يتزين بالأعمال وليس بالأقوال”ص١١٧. وأن أقصر طريق إلى قلب الناس هو أن تجعل الدولة في خدمة الشعب.





