قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير (الحلقة الرابعة)

قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير (الحلقة الرابعة)
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الخميس 18 يونيو 2026-
قادت مجموعة من العوامل السياسية إبراهيم بن علي الوزير عقب سقوط الثورة الدستورية التي كان شاهداً عليها، وخلقت حالة من التذمر لديه نتيجة مستوى القمع الذي مارسه الإمام أحمد، بحق آل الوزير، وبقية قيادات الثورة الدستورية التي قمعت بشكل كبير وقاسي، ترجمه إبراهيم بن علي الوزير، إلى حركة مقاومة رافضة لتعسف وظلم النظام السياسي، وتوج ذلك الرفض بتشكيل خلايا مقاومة جمع فيها كل من تبقى من أفراد أسرته من المناصرين للثورة الدستورية، ثم تطور الأمر إلى فتح باب الاستقطاب السري لكل من يعارض النظام، وجمع هذا الجهد كما اشرنا سابقاً في تنظيم سري عرف باسم “عصبة الحق والعدالة” التي شكلت نقطة تحول في التحركات المعارضة لحكم الإمام أحمد، الذي مارس البطش والتنكيل مع المعارضة السياسية لحكمه، واستبداده بالسلطة بمفرده، ومنع أي انفتاح للمجتمع على الافكار الثورية التي اطلقتها الثورة الدستورية، وجعل الشعب يعيش حالة من العزلة المغلقة مع محيطه الداخلي والخارجي.
حاول إبراهيم بن علي الوزير ومن قبله نخبة كبيرة من أسرته، تنوير الشعب اليمني بأفكار سياسية تنويرية لم يكونوا يعرفوها من قبل، وكان ذلك بمثابة فخ سياسي وقعوا فيه ودفعوا ثمنه الكثير من الدماء، ولم يتراجعوا في سبيله رغم الجراح التي اثخنت فيهم، وفي أسرهم، إلا أنهم بحق قادوا باقتدار واصرار وعزيمة، أول برنامج سياسي أكثر تطوراً وانفتاحاً شهدته اليمن في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، ودخلوا من أجله في تصادم عنيف مع الجمود والعزلة والتخلف التي يقودها النظام السياسي بقيادة الإمام أحمد الذي حاول تثبيت حكمه بالقمع، والقضاء على أي خطوة سياسية تهدف إلى إصلاح الاوضاع والانفتاح على العالم. ورغم حالة القمع العنيفة التي هدف من وراءها النظام لترهيب إبراهيم بن علي الوزير وأسرته، إلا أنها لم تأتي بأي نتيجة تذكر، كما رواها “الشيخ سنان أبوشوارب” في ” الجزء الأول من مذكراته “ص ٦٨” بل أن عملية القمع السياسي الذي مورس بحقهم زادهم اصرار وعزيمة قوية، في الاستمرار في مقارعة الظلم، ومحاولة رفعه على كاهل الشعب، فزج بإبراهيم في السجن، وقبلها سيق العديد من ابناء الأسرة لساحات الإعدام، وانتهاء بسوء المعاملة داخل السجون، وبلغت ذروتها حرمان النزلاء من الطعام والاكتفاء بمنحهم وجبة واحدة، ورغم حجم الكلفة التي دفعها إبراهيم بن علي الوزير، وجميع أفراد أسرته في نضالهم الثوري لرفع الظلم والاستبداد، عن كاهل الشعب، ورغم فداحة تلك الكلفة التي تم سدادها بالدماء، من خيرة رجال “آل الوزير” إلا أنها كانت كافية في رفع منسوب الوعي الشعبي الذي أخذ ينظر لحجم المأساة التي دفعتها تلك الأسرة، باحترام رغم حالة التشويه المتعمدة من النظام لوصف جهودها بأقذع الألفاظ والاتهامات لمنع ابناء الشعب من الالتفاف نحوها.
لم يجني النظام السياسي الجديد في صنعاء بقيادة الإمام أحمد ثمن الانتصار الساحق الذي قاده إلى تولي الحكم واستعادة السلطة، وحكم الفرد، بعد أن سبح في أنهار من الدماء سفكها لتلبية شهوته الغرائزية للانتقام ممن حاولوا إصلاح النظام السياسي من داخله، وفشلوا بفضل تعنت رأس الهرم، ولم يكن أمامهم إلا حمل لواء الثورة واجتثاث ما فشلوا في إصلاحه من قبل، بهدف اعادة بعث الحياة في الشعب وجعله يعيش في القرن العشرين، بدلاً من حياة العصور الوسطى، ورغم استعادة الإمام أحمد للحكم بالقوة، إلا أنها مثلت البداية للسير نحو الانحدار السحيق، وكانت دماء آل الوزير الضوء الذي أنار نهاية النفق المظلم في حياة اليمنيين، وبدأ الشعب ينظر لحجم التضحيات التي قدمها رجال الثورة الدستورية، لاسيما أن الاعدامات التي نفذها النظام، كان لها واقع الصدمة في نفوس الناس، الذين أدركوا مدى فداحة الخطب، وحجم الشدة والبطش التي يعيشوها، في ظل حكم الإمام أحمد الذي حاول الظهور منتشياً بالانتصارات والقمع لحركة المعارضة التي خلدت للهدوء على أمل العودة بشكل أكثر قوة وعنفوان.
خروج الثائر إبراهيم الوزير من السجن:
عمل السجناء في قاهرة حجة، على اخراج الشاب إبراهيم بن علي الوزير من السجن، كما روى ذلك أخيه “زيد بن علي الوزير” الذي أشار إلى أن إبراهيم قدم التماس للإمام أحمد للخروج من السجن من أجل العلاج، فوافق الإمام أحمد على طلبه بشرط إدخال أحد أخوته بدلاً عنه، فتم رهن أخيه “محمد بن علي الوزير” وخرج إبراهيم من سجن حجة، لكنه تعرض للسجن في صنعاء، بعد وصوله إليها، ووضع في سجن القصر، وظل أخيه محمد مسجوناً في حجة، وخلال بقائه في سجن القصر عمل إبراهيم على تعليم الرهائن من ابناء المشائخ الموجودين في قصر صنعاء، كرهائن نظير ولاء أباءهم للإمام أحمد، فالتفوا حوله، وأثر فيهم، بشكل كبير ودفع بهم لتأييد حركة المعارضة السياسية التي يقودها ضد النظام، ورغم السجن التعسفي لإبراهيم في صنعاء، إلا أن الأمر لم يطيل به، فنجح من الهرب من سجن صنعاء في شهر ديسمبر عام ١٩٥٣م، إلى عدن ومعه أخوته العباس، ومحمد، وكانت خطتهم تقتضي الوصول إلى عدن، وترتيب وضعهم، ثم العودة إلى الجبال وتشكيل حركة مسلحة ضد النظام تشبه حرب العصابات، في تلك الاثناء مارس الإمام أحمد ضغوطات سياسية كبيرة، على البريطانيين في عدن بهدف تسليم الثائر إبراهيم وأخوته إليه بعد لجوئهم إلى عدن، ورغم تلك الجهود فشلت محاولات الإمام استعادتهم لرفض بريطانيا تسليمهم للإمام أحمد، ومن أجل تجنب الضغط عملت بريطانيا على طرد إبراهيم وأخوته من الإقامة في عدن وترحيلهم إلى مصر، ومنحهم تصاريح خروج، لأنهم لا يمتلكون أي وثائق سفر، وبعثتهم على ظهر سفينة يوم ٩ يناير ١٩٥٤م، ووصلوا ميناء بورتسودان، ولم يعودوا إلى السفينة خشية أن تنقلهم السفينة إلى ميناء جدة فيتم القبض عليهم واعادتهم إلى صنعاء.
تبلور الدور السياسي المعارض لإبراهيم الوزير بعد الخروج من السجن:
نجح الشاب الثائر إبراهيم بن علي الوزير واخوته بالوصول إلى السودان حيث تم استقبالهم فيها هو وأخوته، وحظوا بحفاوة كبيرة، كما وصل إلى السودان الثائر محمد محمود الزبيري، مهنئا لإبراهيم وأخوته بالخروج من اليمن، لكنه تفاجأ بحفاوة الاستقبال الذي حضوا به في السودان، لتبدا مرحلة جديدة من التحرك السياسي، الذي قاده إبراهيم بن علي الوزير ومعه أخوته، وكانت أول تلك الخطوات التعاون مع “الاتحاد اليمني” وهو تنظيم سياسي معارض لحكم الإمام أحمد. على الرغم من ابدا إبراهيم الاعتراض على انعدام مبدأ الشورى داخل الاتحاد في اتخاذ القرار، وسيطرة القيادة على ذلك.
أدرك إبراهيم بن علي الوزير، أن دماء أسرته التي دفعوها ثمن جهودهم الثورية، في سبيل إصلاح الأوضاع واخراج الشعب من بوتقة التخلف والعزلة السياسية، تأتي ثمارها، وأن الدماء التي سفكت لم تذهب سدى، بل كانت حلقة من المشاعل المتوهجة التي أخذت مع الوقت تكتسب ألقها، وتحاصر سطوة الحكم وبطشه، وكانت اول تلك الحلقات انقلاب عام ١٩٥٥م، الذي هز كيان النظام السياسي، وقاد إلى خلق شرخ عميق داخل الأسرة الحاكمة، التي أدركت متأخرة أن جهود آل الوزير، الثورية لم تكن إلا البوابة الأولى التي فتحت الطريق للشعب للسير نحو التغيير السياسي المنشود بعد أن وصل الجميع وادركوا مدى البئس الذي يعيشه اليمنيين، من جهة، ومدى صوابية التوجهات الثورية الدستورية التي قادها “آل الوزير” للخروج باليمن مبكراً من حالة الجمود السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي يعيشها المجتمع والسير به نحو أفاق جديدة عنوانه البناء والتحديث والتطور.
- بكيل الكليبي-رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا: قراءة في سيرة علم إبراهيم بن علي الوزير أنموذجاً (الحلقة الثالثة)


