اخبار محليةكتابات فكرية

عاشوراء ملحمة الخلود في مواجهة ثقافة الخنوع

عاشوراء ملحمة الخلود في مواجهة ثقافة الخنوع

بقلم إبراهيم الحبيشي

الخميس 25 يونيو 2026-

في تاريخ الأمم والشعوب محطات فاصلة تتجاوز حدود الزمان والمكان فتتحول من أحداث عابرة إلى منارات تهدي الأجيال وتوجه مسيرة الوعي الإنساني ومن بين تلك المحطات الخالدة تقف عاشوراء شامخة كأعظم ملحمة للحق في مواجهة الباطل وللعزة في مواجهة الذل وللحرية في مواجهة الاستبداد فلم تكن كربلاء معركة عسكرية محدودة انتهت بانتهاء يومها بل كانت ثورة أخلاقية وفكرية رسمت للأمة طريقا واضحا في مواجهة الظلم والطغيان وحفظت للإسلام روحه الأصيلة وقيمه الخالدة

ولفهم حقيقة عاشوراء لا بد من النظر إلى جوهر الرسالة التي حملها الإمام الحسين عليه السلام فنهضته المباركة لم تكن سعيا إلى سلطة ولا نزاعا على حكم ولا مجرد اعتراض على واقع سياسي قائم وإنما كانت حركة إصلاحية كبرى هدفها المحافظة على دين الإسلام وصيانة رسالته من التحريف والانحراف فقد أدرك الإمام الحسين عليه السلام أن الأمة تواجه مرحلة خطيرة تهدد القيم والمبادئ التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن السكوت على ذلك سيؤدي إلى طمس معالم الدين وتحويل الإسلام إلى مجرد شعارات تستخدم لخدمة المصالح والأهواء.

وفي تلك المرحلة سعت السلطة الأموية إلى فرض واقع يقوم على إخضاع الأمة لإرادة الحاكم وإلغاء دورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جرى توظيف الدين لخدمة السياسة ونشر الروايات والأقوال التي تدعو إلى التسليم المطلق للحاكم وتثبط روح المسؤولية والاعتراض على الانحراف وهكذا نشأت ثقافة تسعى إلى تكريس الخضوع والسكوت على الباطل ومنح الشرعية للظلم مهما بلغت آثاره على الأمة

ومن هنا كان موقف الإمام الحسين عليه السلام برفض البيعة ليزيد بن معاوية ليس بوصفها موقفا شخصيا من حاكم بعينه وإنما لأنها كانت تعني إضفاء الشرعية على واقع يهدد استقامة الدين ويشوه رسالة الإسلام لقد رأى الإمام الحسين عليه السلام أن مسؤوليته الشرعية تفرض عليه الوقوف في وجه هذا المسار حفاظا على دين جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصونا للأمة من الانزلاق نحو الضلال والانحراف

لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يدرك طبيعة الطريق الذي يسلكه ويعرف حجم التحديات التي تنتظره كما كان يعلم أن موازين القوة المادية لا تقف إلى جانبه وأن رحلته ستنتهي بالشهادة لكنه كان يرى أن بقاء الدين واستقامة الأمة أعظم من كل اعتبار وأن التضحية في سبيل الله أهون من السكوت على ما يهدد رسالة الإسلام وكأن لسان حاله يقول

إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني

ولهذا مضى بثبات نحو كربلاء مقدما نفسه وأهل بيته وأصحابه قربانا لله تعالى من أجل أن تبقى رسالة الإسلام حية نقية وأن تظل قيم الحق والعدل والكرامة راسخة في وجدان الأمة عبر الأجيال.

وعندما حل يوم عاشوراء تجلت أعظم صور الصمود والإيمان وقف الحسين عليه السلام ومعه أهل بيته وأصحابه في مواجهة جيش جرار لا يملكون من أسباب القوة المادية ما يملكه خصومهم لكنهم امتلكوا ما هو أعظم من ذلك كله امتلكوا وضوح القضية وعدالة الموقف وصدق الانتماء لله وفي تلك الساعات العصيبة لم يكن الحسين يدافع عن نفسه بقدر ما كان يدافع عن دين جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن القيم الإسلامية الأصيلة التي أراد البعض طمسها وتحريفها.

وقد ظن أعداؤه أن السيوف قادرة على إنهاء رسالته وأن قتل الحسين سيطوي صفحته إلى الأبد لكن ما حدث كان العكس تماما فالسيوف انتصرت في ساحة المعركة أما الحسين فقد انتصر في ساحة التاريخ والوعي والضمير انتهت دولة الذين قتلوه وتهاوت قصورهم وعروشهم بينما بقيت كربلاء حية في وجدان الأمة وبقي الحسين رمزا خالدا للتضحية والفداء والحرية والكرامة.

ومن هنا يمكن فهم السر في خلود عاشوراء عبر القرون فهي لم تكن انتصارا عسكريا مؤقتا بل انتصارا للمبدأ على القوة وللحق على الباطل وللدم على السيف لقد أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يحفظ للأمة دينها الأصيل وأن يعيدها إلى نهج الإسلام المحمدي القائم على العدل والحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ثمار هذه النهضة المباركة ترسيخ ثقافة رفض الظلم وعدم منح الشرعية للطغاة لأن الحفاظ على الدين الحق لا ينفصل عن مواجهة الانحراف والاستبداد والفساد.

ولم تتوقف آثار نهضة الإمام الحسين عليه السلام عند حدود كربلاء أو عند زمن معين بل امتدت عبر التاريخ لتصنع أجيالا حملت المبادئ نفسها وسارت على النهج ذاته في مواجهة الظلم والاستكبار والدفاع عن الدين والكرامة فقد استلهم الأحرار في مختلف البلدان من عاشوراء قيم التضحية والثبات والصمود وجعلوا من موقف الإمام الحسين عليه السلام نموذجا عمليا في رفض الخضوع للهيمنة والطغيان.

وفي عصرنا الحاضر تتجلى معاني هذه المدرسة بوضوح في مواقف قوى المقاومة في اليمن ولبنان وفلسطين والعراق وكذلك في مواقف الجمهورية الإسلامية في إيران التي رفعت شعار نصرة المستضعفين ورفض التبعية والهيمنة الخارجية فقد وجدت هذه الشعوب وقوى المقاومة في كربلاء منبعا للقيم التي تعزز الصمود والتضحية والاستعداد لبذل الغالي والنفيس دفاعا عن الدين والأرض والكرامة.

ومن يتأمل مسيرة هذه الشعوب يدرك أن الرابط الجامع بينها هو الإيمان بأن الحق لا يقاس بموازين القوة المادية وحدها وأن مواجهة الظلم مسؤولية لا يجوز التخلي عنها مهما بلغت التضحيات وهي المعاني ذاتها التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء عندما وقف في وجه الانحراف دفاعا عن دين الله وحفاظا على رسالة جده محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا السبب لم تبق عاشوراء حبيسة الماضي بل تحولت إلى مدرسة متجددة تستلهم منها الشعوب الحرة معاني الصمود والثبات والتضحية فكل موقف يتمسك بالحق وكل أمة تدافع عن كرامتها واستقلالها وكل شعب يرفض الخضوع للظلم والاستكبار يجد في كربلاء نموذجا حيا يمده بالإرادة والعزم والثبات.

إن عاشوراء ليست مناسبة لاستذكار مأساة تاريخية فحسب بل هي دعوة متجددة للتمسك بالحق ومواجهة الباطل وتذكير دائم بأن الأمم التي تتخلى عن مسؤوليتها في حماية دينها وقيمها ومقاومة الظلم تفقد كرامتها وحريتها كما أنها تؤكد أن التضحية في سبيل المبادئ لا تذهب هدرا وأن الدماء الطاهرة قادرة على صناعة التحولات الكبرى في حياة الشعوب.

وهكذا وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا ما زال الإمام الحسين عليه السلام حاضرا في ضمير الأمة وما زالت كربلاء تنبض بالحياة في وجدان الأحرار وما زالت عاشوراء تعلن في كل عام رسالتها الخالدة أن الحق لا يقاس بعدد أنصاره وأن الظلم مهما امتلك من قوة إلى زوال وأن الدين الذي حفظ بالتضحيات العظيمة سيبقى منارة للهداية ما بقي الحق والباطل يتصارعان في هذه الحياة.

سلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين يوم وقفوا في وجه الطغيان ويوم بذلوا أرواحهم دفاعا عن دين الله ويوم خطوا بدمائهم طريق العزة والكرامة للأمة ويوم بقيت رسالتهم نورا يهدي الأحرار في كل زمان ومكان.

اقرأ أيضا:إطلاق كتاب “الجمهورية الإسلامية.. معادلة الرعب الجديدة” للمؤلفين عارف العامري وإبراهيم الحبيشي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى