إبراهيم بن على الوزيرالكل

عوائق في طريق الدستور عقب الثورة الدستورية

ورقة مقدمة إلى ندوة: (في الطريق إلى فهم موضوعي للثورة الدستورية)

التي أقيمت على هامش الاحتفال بالذكرى الـ69 لثورة 1948م – 1367هـ

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله ومن وألى منهجه، واتبع سبيله، من آله وأصحابه وتابعيه.

السلام عليكم من وراء البحار، والفيافي والقفار، سلاماً يخترق عواصف الدمار، وخانق الحصار، ليصافح أكف نخبة أخيار، تعمل بجهد لصالح الديار.

أرحب بكم أجمل ترحيب بكل ما تعنيه كلمات الترحيب من معاني، لحضوركم هذه الاحتفالية بمناسبة ذكرى مرور 71 عاماً للهجرة و69 عاماً للميلاد، على “الثورة الدستورية”، التي هبّت في 6 ربيع الأول 1367هـ – 17 فبراير 1948م، وانتهت في جمادى الأول هـ/13 مارس، ونحن الآن في 3 جمادى الآخرة 1438هـ/ 2 مارس 2017م. أي قبيل ذكرى غيابها الحزين بأحد عشر يوماً ميلادياً. فنحن ما زلنا في قلب الحدث.

أغتنم هذه الفرصة فأرحب بوجه خاص بالأستاذ المناضل الصلب “محمد عبدالله الفسيل” باعتباره أولاً ذا رؤية دستورية.. وثانياً لأنه آخر ممثل لرجال “الثورة الدستورية”، وإذ تكرمونه اليوم فإنما تكرمون مثلاً حياً لثورة ومضامين طرحت نفسها لأول مرة في تاريخ “اليمن”، فأهلاً بك أستاذ “محمد” وسهلاً ممثلاً لأولئك الرواد ولتلك الأيام الخوالي المترفة بالآمال والأحلام.

موضوع حديثي لهذه الاحتفالية هو عن العوائق التي حالت دون متابعة خطى “الدستور المدني” – الذي مثل آنذاك في “الميثاق المقدس” – عقب “الثورة  الدستورية” ومن ثم حالت دون وصوله ليكون حاكماً لمفاصل الأمة والدولة معاً.. وليضبط خطاهما معاً بحسب قانون متطور، ومما لا شك فيه أن ظهور “ميثاق” مُتقدم في تلك الظروف حدثاً كبيراً بحاجة للوقوف عنده بتأنٍ ودون انفعال، وأنا هنا ما جئت لأزينه، وإنما لأصفه ولأحاول مخلصاً أن أخراجه كما هو عليه، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، لا أريد أن أصبغ عليه ثناءً، ولا أريد أن أعريه من أي ثناء، وإنما أسعى سعياً مخلصاً – كمؤرخ – إلى أن اظهره على حقيقته، عبر فحص مخلص وتنقية هادفة لقضية تاريخية بحتة لا تشتمل على توظيف سياسي أو حزبي أو مذهبي، وإنما كدراسة “حدث تاريخي” له ما له، وعليه ما عليه، أريد باختصار – وأتمنى من غيري أن يريد – إعادة بنائه بحجارته هو، لا بأحجار من صنع أهوائنا وميولنا، ولا أريد أن استغل الحديث عنها لمأرب سياسي، أو حزبي، أو مذهبي، كما جرى استغلاله من قبل آخرين لفترة طويلة، سياسياً وحزبياً ومذهبياً لمأرب معينة شوهت في النتيجة ملامحه، بل جوهره.

وأنا على يقين – نتيجة بحث وتنقيب – أن هذا الحدث لم ينصفه ابناؤه، ولا خصومه معاً.. لأسباب كثيرة ليس مجال ذكرها الآن، ولكن يحسن الإشارة باختصار إلى سببين سهلا بدورهما للسببين الرئيسيين المباشرين في نشوء العوائق المانعة، أول هذين السببين التمهيديين جاء من قبل بعض أبنائها أنفسهم من أجل التهيئة للقبول بزعامة جديدة لم تكن مقبولة آنذاك في ظل ثقافة معينة محتكرة الحق السياسي لأسرة معينة.. والسبب الثاني أنصب من قبل خصومها الملكيين من أجل المحافظة على قديم الجذور.

هذان السببان عتما على رؤية مناخ “الثورة الدستورية” بكثافة مفرطة، حتى حجبا رؤيها الحقيقية. ومن ثم عدم الاستفادة من مضامين “الميثاق المقدس” والابتعاد عنه، إلى درجة لم يعد تراها الأغلبية من المثقفين إلا من خلال قراءات حزبية متصارعة، أو تحليلات إستالينية متخبطة، ترددت بكل كثافة في معظم ما كتب عن “الثورة الدستورية” لا تخرج عنها، مرددة مروياتها وآرائها، حتى لكأنك عندما تقرأ كتاباً عنها تجده نسخة مكررة لكتاب سابق، بدون زيادة، بل بنقصان، كأنها حواش من نفس المواد تُفسّر على طريقة الأقدمين – عندما جفت الحضارة الإسلامية – كتاباً قديماً بمعناه هو، ولكن بحروف أخرى.

وصاحب ذلك التعتيم استقدام مصطلحات سياسية هبطت بضراوة على الأبحاث فأخلت بها، وصرفتها عن مضمونها إلى أشكالها، ومن عمقها إلى سطحها، وكان من نتائج ذلك أن زاد التعتيم. إن تصنيف ثوارها، بين رجعي، وتقدمي، ووطني، ومتورد أجنبي، قد ألحقت ضرراً بالمضامين نفسها، وصرفتها عن “المضمون” إلى “الشخصنة”، فصنفت “قادة الثورة الدستورية” رجعيين متخلفين، ومتقدمين متنورين، ضمن شعارات لا تتطابق مع حقيقتها، وظروف زمانها، ومن المؤسف ان هذه التوصيفات استمرت سلاحاًبيد كل من يُختلف معه، وما لبث ان جُرح بها من كان يعتبر نفسه تقدمياً، والآخر رجعياً، ثم إن هذه التوصيفات تملكها كل فريق، ولبسها الآخر نفس الأزياء، وهذا بدوره جرّ الناس بعيداً عن دراسة المضمون “الميثاق” و”الدستور” إلى جوقة من الشتائم لما تنتهي. وكلما دخلت أمة نقدت أختها.

وأنا هنا – أيها الحضور الكريم – لست من هذه المدرسة ولا من تلك، ولا أنظر إلى أحد من رجال “الثورة الدستورية” ولا غيرها أنه رجعي، أو تقدمي، أو وطني، وإنما أنظر إلى تلك الحالة كرؤى مختلفة ووجهات نظر عدة، كلها تتطلب الإصلاح، أو تتطلب التغيير، على قاعدة أن للمجتهد أجران وللمخطئ أجر واحد، وفي تبيين الصواب والخطأ حق معلوم بدون احتكار، وأنا من أكون حتى أصنف الناس، وأحكم عليهم بمجرد مخالفتي لهم، فمن كان يرى في “ولي العهد” آنذاك بطلاً وطنياً لم يكن يصدر عن تفكير رجعي أو أنه غير وطني وإنما ساقته إليه ظنونه بصحة ما يعتقد، لأنه أصلاً يريد الإصلاح، وظن أن الإصلاح سيأتي عن طريق هذا الرجل، وعندما توصل هذا الفريق بعد تجربته مع “ولي العهد” متأخراً، قبل أربع سنوات من قيام “الثورة الدستورية” وصل إلى اليقين الثوري – حد تعبير الشهيد “الزبيري”؛ فحامل هذه الرؤية لم يكن رجعياً لهذا السبب لأنه لما تبين له أن من أمل فيه عدواً له طار من الأيكة الملكية إلى المنافي.

تنطبق هذه الرؤية نفسها على من وصل إلى قناعة نهائية بوجوب تغيير النظام، فلم يكن الهدف استبدال إمام بإمام، ولا أسرة بأسرة، وإنما استبدال نظام بنظام، لأن واضعي “الميثاق” من أسر مختلفة “زيدية” و”شافعية” قد وصلوا بقناعة إلى “ميثاق” ينهي صلاحيات الإمام الفردية، فكيف يُقبل منطق استبدال إمام بإمام إزاء نص صريح نص على استبدال نظام بنظام، واتفق عليه وكُتب بحروف بارزة؟.

ومن الجلي أن التصنيف الجائر “للثورة الدستورية” قد أبعد الخطى عن مواصلة العمل “للدستور” و”الحكم المدني”، ومن ثم علينا أن نتفحص “الميثاق” نفسه، وننظر إلى الحدث من خلاله، لا من خلال أشخاصه فقط، حتى لا تعشينا المعارك المفتعلة عن “المقنا كرتا اليمنية” أي عن “الدستور”.

لا يخلطني الشك أنه كان من الممكن “للثورة الدستورية” – وما يزال الإمكان قائماً – أن تشكل لليمنيين ما شكلته “المقنا كرتا” “للبريطانيين”، فـ”الميثاق المقدس” قد خطى خطوة مذهلة في تحطيم الفردية، وتكريس “الحكم المدني” فألغى “فردية الإمام” وصلاحياته المقدسة، ووزعها بين “مجلس الشورى” و”مجلس الوزراء”، لأول مرة منذ تاريخ قديم، وأصبح لليمن لأول مرة “ميثاق” يحكمون من خلاله لا ن خلال اجتهادات فرد – على أحسن الأحوال – تتحكم فيهم وفي رقابهم. وفي الإمكان القول أنه كان لهذا “الميثاق المقدس” حظٌ كبير في أن يتطور إلى الأفضل، لكن للأسف الشديد سارت الرياح بما لا يشتهي “الدستور”.

تلك المقدمات كانت بمثابة التمهيد لظهور سببين كبيرين كان لهما الفعل الحاسم في الإعاقة – منل لأشرت – ولكن قبل الحديث عنهما يحسن بي استحضار حالة المجتمع آنذاك، ولا معدا من القول أنه لم يكن سهلاً أبداً الوصول إلى “الميثاق المقدس” والاقتناع بمواده، والرضا بها، إلا بالتعرف على عامل تحريك المتجمد، خاصة إذا نظرنا إلى حالة المجتمع – بمذهبيه “الزيدي” و”الشافعي” و”الإسماعيلي” – الذي ألف – دينياً – نظاماً معيناً مقدساً، محتكراً، وألف – من خلاله – على السمع والطاعة، ونظر إلى حاكمه بأنه “خليفة الله” و”خليفة رسوله” ومع ذلك كله كان له “ميثاق مقدس”، ينقض ما ألفه وتعارف عليه. فمن الذي أشعل الشرارة؟.

في اعتقادي أن نظرية “وجوب الخروج على الظالم” – التي احتفظت بحيويتها – كانت تلك الشرارة الموقظة”، ثم ما لبثت المعارضة الدينية أن دعمت بالمعارضة الحديثة، فالتقيا وتعاونا وكان “الميثاق” نتيجة ذلك التعاون، وبحسب ما توصلت إليه من بحث فإن واضعي “الميثاق” هم العلماء، فالعلامة “الفضيل الورتلاني” هو من وضع خطوطه العامة، وأبرز من ناقشه وأقره هم العلماء وعندما أقروه أرسلوه إلى “عدن” و”القاهرة” لنشره عند وفاة الإمام “يحيى” وقيام “العهد الدستوري”. واذن فالعلماء كانوا في طليعة مؤيدي “الميثاق” ونزع الصلاحيات المقدسة، وهذا ينقض التفسير الذي روح له بقوة أنه استبدال إمام بإمام، عندما أقر العلماء استبدال نظام بنظام كما أشرت آنفاً.

الآن أتي إلى العوائق التي حالت دون العمل للدستور.

ثمة سببان آخران تمهيديان فتحا الطريق لإعاقة العمل للدستور.

السبب الأول يعود إلى جذب بعض رجال الثورة عقب فشلها – بحكم اليأس من حدوث التغيير – “المشيخية” و”العسكرية” إلى الصدارة للاستعانة بهما لتغيير “الحكم المتوكلي” مما أدى إلى استبعاد الحكم المدني، واستبعاد من استدعاهم كذلك، ومن المعروف أن الإمام “يحيى” كان قد وضع كبار المشايخ في “قمقمٍ” محكمٍ واعتمد على “القبيلة”، فظن هؤلاء أنهم إذا أخرجوا “المشايخ” من “القمقم المتوكلي” سيستفيدون منهم – بسبب غيهم من صصاحب “القمقم” لصالح تغيير النظام فعملوا على إخراجهم بنفس ثقافتهم، وبثوا فيهم الطموح السياسي بدون أن يبثوا فيهم مفاهيم التغيير، ونظرة واحدة إلى برنامج القاضي “عبدالرحمن الارياني” تحت اسم “برنامج العمل الوطني” المؤرخ 25 جادى الآخرة 1375هـ/ 8 ماري 1956م(1)، وبين “الميثاق المقدس” نجد ان البعض من كبار المشايخ وبعض الضباط قد حُفظ لهم مكان مرموق كقيادات ثورية.

قد يعتبر البعض أن هذه خطوة وسعت الدائرة بضم القطاع المشيخي، باعتبار المشايخ – وليس القبيلة – يمثلون الشعبية، وأن هذا الانضمام سيضفي على أي حركة هم فيها صفة هذه “الشعبية”، وهذا في الواقع غير دقيق، فثمة بون شاسع بين مصطلحي “الشعبية” و”المشيخية”، كما أنهم لم يكونوا آنذاك قد خلعوا عنهم فقه “المشيخة”، ولم يكونوا على علم بمضامين “النظام الجمهوري المدني” وإنما كان هدفهم هو الخروج من “القمقم” ليستعيدوا نفوذهم المحجوز. وهذا ما حدث بالضبط، إذ ما لبثت تلك القيادات نفسها – التي ذكرت في برنامج القاضي الارياني – أن قويت وتحكمت، ووضعت القاضي “الارياني” والأستاذ “نعمان” – الساعيان إلى الاعتماد على المشايخ ضد النظام المتوكلي – في “القمقم” نفسه، بعد أن تظاهرت لهما بالولاء فترة ما. وكان الأستاذ “نعمان” رحمه الله قد بعث في المرحوم الشيخ “حميد الأحمر” أثناء سجنهما بـ”حجة” روح “السلطنة” وكانوا يسمونه بالسلطان “حميد” كما تغنى الأستاذ “الزبيري” رحمه الله بـ”المشايخ” في كتابه “واق الواق” ببليغ العبارة، وفاخر الإشادة، وكتب رسالة للشيخ “سنان أبولحوم” أنه يفتخر أن يكون جندياً تحت قيادة “المشايخ”. ومن الملاحظ أن الذي حاولوا اغتيال الإمام “أحمد” في “السخنة” كلهم من “المشايخ” باستثناء “مدني” واحد هو المرحوم “سعيد ابليس”، وقد يقال أن الذين اغتالوا الإمام “يحيى” هم من “المشايخ” أيضاً، فما الفرق بين الحالتين؟ عند التدقيق نجد الفارق واسعاً، وهو أن أولئك كانوا منفذين لأوامر مدنية، وأما هؤلاء فمخططين، أي ان “المشايخ” لم تعد منفذة لقيادة مدنية، وإنما مخططة وآمرة معاً، وقد بلغ نفوذها حداً واسعاً حتى أن الإمام “محمد البدر” رحمه الله، فكر في إنشاء “مجلس شورى”(2) مكون من عشرين شخصاً من المشايخ وعشرين شخصاً من العلماء، وعندما جاء الانقلاب العسكري كانت المشيخية قد بلغت من القوة بحيث اشتركت في الحركة وشغلت وزارات وقيادات على حساب المدنيين، وهكذا وصلت إلى الحكم من خلال حركة عسكرية، وعندما تقاسمت “العسكرية” و”المشيخية” الحكم دخلا في صراع ووقفت المشيخية مع الأساتذة المرحومين “نعمان” و”الزبيري” و”الارياني” ضد الرئيس المرحوم “عبدالله السلال” وضباط الجيش، و”مذكرات الرئيس القاضي مفعمة بهذا النوع من الصراع، ثم لما استفرد المشيخية بالقاضي والنعمان تحكمت في مصائرهم.

أتي الآن إلى المساق الآخر الذي صرف الاهتمام عن طريق “الدستور” هو “الانقلابات العسكرية” وتأثيرها على مسار “الدستور” وخاصة أثر “الانقلاب المصري” بعد تولي الرئيس “جمال عبدالناصر” بالذات الحكم مباشرة، وإبعاد اللوا “محمد نجيب” الداعي إلى العودة إلى مدنية الحكم، فقد كان لشخصية الرئيس “ناصر” ومشروعه القومي ونجاح إعلامه، على مستوى “العالم العربي” وهجٌ متألق صرف الناس عن تحقيق الأحلام الموعودة إلا عن هذا الطريق، وجاءت “الوحدة السورية المصرية”، و”الانقلابات العراقية” و”السورية” بالمزيد من توهج الانقلابات، حتى شعر الناس أنها هي الطريق الأسلم والأقرب والأجدى لنيل الحقوق وتألقها، وأصاب ذلك الانقلاب الهام “شعراء حجة” – وأنا واحد منهم – بتغنوا فرحاً به، وأملاً فيه. وهكذا أعشى “الانقلاب المصري” – الثورة فيما بعد – النظر عن “الدستور المدني”، وكان كل انقلاب عسكري يفصل “دستوراً” على مقاسه، وعندما يأتي انقلاب آخر يلغي “الدستور” السابق بجرة قلم، وكانت النتيجة أن استبيحت “الدساتير”، واستُهجن “الحكم المدني” إلى أبعد حد، واقتنعت الشعوب العربية أن الخلاص من “الاحتلال الغربي” ونفوذه الخفي، والقضاء عليه، وتحرير “فلسطين” لا يأتي إلا عن هذا الطريق المبارك، وكان شأنها شأن الإمام “الحسن بن علي” عندما تنازل عن “الحكم المدني” حقوق الأمة وكانت النتيجة أن فشلت التجربتان فشلاً ذريعاً، فلاذا تأتى ولا حصل، فلا وحدة إسلامية بقيت، ولا حقوق حُفظت، لقد ضحَّت الأمة في الحالتين بحريتها ووحدتها معاً. وأذن فلا معدا من القول أن الهالة الرائعة التي أحاطت بالرئيس “ناصر” أضحت دعوة جهيرة للمشي على خطاه، وترك “المدنيين” يتصارعون فيما بينهم، بينما هم يخططون لانقلاب عسكري.

كنت التجربة الأولى “للجيش اليمني” هو انقلاب 1374هـ / 1955م، وقد فشل لسببين، الأول: أنه قام نتيجة عدوان على المواطنين في “الحوبان” مما جعل الإمام “أحمد” الذي وقف بجانب الأهالي يحظى بعطف وتاييد شعبيين، وثانياً: أن “الثورة المصرية” بما لها من ثقل وقفت ضدها؛ لاعتقادها أن إمامها الجديد “عبدالله بن الإمام يحيى” غربي الميول. وثالثاً: أن معظم قيادات المعارضة في الداخل والخارج أيدت الإمام “أحمد”.

ومهما يكن من سبل إلا أن بذرة التمرد العسكري على النظام قد تخلّقت ونمت، فلم تمض أربع سنوات حتى قامت بعض فرق من الجيش يوم الاثنين 10 القعدة 1378هـ/ 18 مايو 1959م بإحراق بيوت كل من القضاة “يحيى العمري” و”حسين الأكوع” بحجة انهما اتهما الجيش بافتعال حريق “القصب” في “العرضي” وفي 6 الحجة/ 12 يونيو قامت ثلاث سرايا من “القناصة” في “تعز” على إثر مشاجرة بين القاضي “علي الجبري” رحمه الله وأحد الجنود باعتقاله في العرضي ومحاصرة بيت أخيه القاضي “أحمد الجبري” – رحمه الله – لمدة ساعتين ونصف ثم استعانوا برشاش روسي ضرب منزله فاستسلم فقتلوه في باب منزله وسحلوه ببشاعة من المدينة إلى “ميدان وزارة الخارجية”، ثم قتلوا أخاه في “العرضي”.

وقد تمكن الإمام “أحمد” من القضاء على تمرد “صنعاء” و”تعز” العسكريين، ثم حجّم قوة “المشايخ”، حيث اعتقل البعض، وفر البعض إلى “عدن” وتواثبت “القبائل” و”المشايخ” من فوق “سور صنعاء” خشية أن يُقبض عليهم في أبواب العاصمة، ومع ذلك فقد قام ثلاثة ضباط مخلصون في 9 شوال 1380هـ/ 26 مارس 1961م بمحاولة اغتيال الإمام “أحمد” في “مستشفى الحديدة” ولم ينجحوا.

كانت تحركات الجيش بتلك الملامح لا تبشر بنجاح، ولكن تردي الأوضاع، وطموح المشايخ للحكم، وتطلع الضباط له، ظل يتقد، وجاءت الفرصة للانقلاب العسكري من صنع الإمام “أحمد” حيث شن هجوماً عنيفاً على نظام “عبدالناصر الاشتراكي” وانحاز إلى جانب الملك “سعود”، واعترف بفك الوحدة “المصرية – السورية” مما جعل “عبدالناصر” يفك “الاتحاد العربي” القائم بينهما، ويحزم أمره بالعمل للإطاحة بحكم الإمام وقيام “الجمهورية”، عن طريق ضباط الجيش الموالين له، والتخلي نهائياً عن المدنيين بما فيهم “الزبيري” و”نعمان”، وفي مذكرات “القاضي الأرياني” اعتراف صريح بأن الأمر أصبح – قبيل “الانقلاب العسكري” بيد “الضباط”، فقد عرضت عليه “المخابرات المصرية” بواسطة د.”البيضاني” رئاسة “الجمهورية” في حالة الانقلاب فرفض ذلك وقال ضمن أسباب أخرى “لا أوافق على أن أكون رئيساً للجمهورية فلا بد أن يحتل هذا المنصب من يراه العسكريون”(3)، وقبيل قيام “الحركة العسكرية” جاء العقيد “عبدالله جزيلان” والرائد “محمد الأهنومي” إلى القاضي “عبدالرحمن الارياني” الموجود في “صنعاء” كأحد وزراء الإمام “البدر” و(قالا لي أن علي أن أتوجه فوراً إلى تعز للاضطلاع بالأمور هناك بالتعاون مع الضباط الموجودين فيها)(4).

وواضح من النصين أن أكبر معارض مدني في الداخل لحكم الإمام في “اليمن” لم يعد موجِّهاً وإنما موجَّهاً، وأما الأستاذان “الزبيري” و”نعمان” فقد استبعدا من القائمة التي رشحت القاضي “الارياني” رئيساً للجمهورية نهائياً، وعندما قامت الجمهورية برئاسة الرئيس “السلال” استدعى الأستاذ “الزبيري” واستبعد الأستاذ “النعمان” ثم حورب الأستاذ حرباً لا هوادة فيها مع الأسف الشديد لا من قبل “المصريين” ولا “العسكريين” ولا “المشايخ” فحسب وإنما من قبل “المدنيين” أيضاً حتى أنه في عهد الرئيس “الارياني” ورئيس وزرائه “العمري” جرد من جنسيته وهو ما لم يفعله الإمام “أحمد” نفسه به وبغيره.

عندما أطيح بالرئيس “السلال” انكمش “التيار العسكري”، وظهر التيار المشيخي، وجاء هؤلاء بالقاضي الارياني كرئيس مدني، ولكنه وقع تحت هيمنة من جاء به من “المشايخ” ولما أراد التحرر منهم، أطاحوا به وبالأستاذ “نعمان” ونفوهما من “اليمن”، وعاد العسكر في شخص المرحوم “إبراهيم الحمدي” الذي دخل في صراع مع المشايخ ثم قتل بأيد عسكرية. وجاء “الغشمي” ثم قتل، وجاء الرئيس “علي عبدالله صالح” وقبض على العسكرية والمشيخية معاً بيد قوية، ثم جاء “هادي” عسكرياً ثم أطيح به مدنياً ودخلت “اليمن” في دوامة صراع مصدره الخارج.

من خلال هذا الحديث تبيّن أن دور العمل من أجل “الدستور المدني” قد توارى عن الأنظار.

هذا ما تبين لي وتوصلت إليه، أحببت أن أستعرضه معكم فربما تجدون فيه ما وجدت، وربما لا يراه البعض كما رأيته، ومن حقه أن يعرض ما يراه، فقد تكون هناك رؤية أخرى تزيد الرؤية وضوحاً واتساعاً، ومن المسلم به أن احتكار الصواب مرفوض.

أيها الحفل الكريم، وأنا أدنو من الختام أتغنى بـ”نشيد الدستور” الذي كان يردده “الدستوريون” في ظلمات “سجن نافع الرهيب” والذي صاغه بعزم وإصرار الشاعر الكبير “أحمد الشامي”:

بالأمة نقسم و”الدستور”             وبما في مصحفنا مسطور

أن نحفظ لليمن “الدستور”

وقياماً أيها الرفاق فإن الدستور على صواب.

وسلام عليكم، وسلام لكم.

 

هوامش:

(1) أنظر عبدالرحمن الارياني، مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الارياني، الطبعة الأولى 2013، بدون ذكر المطبعة، ج1، صص249-420.

(2) أنظر رسالته لعمه الحسن في مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الارياني، ج1، ص427.

(3) أنظر مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الارياني، ج1، ص417.

 

(4) أنظر مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الارياني، ج1، ص431.

م.م

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى