كتابات فكرية

من البرازيل إلى إسرائيل إلى واشنطن: تتوالى انتكاسات ترامب

من البرازيل إلى إسرائيل إلى واشنطن: تتوالى انتكاسات ترامب

بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

الأربعاء 4 نوفمبر 2026-

   تتوالى الانتكاسات السياسية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي رحب قبل مدة بصعود قيادة جديدة في جمهورية كولومبيا، مؤيدة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، بدلاً عن القيادة السياسية اليسارية السابقة المؤيدة للقضية الفلسطينية. ورغم ذلك لم تطل تلك الفرحة، بسبب قرار الشعب البرازيلي إعادة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا لفترة رئاسية رابعة، بعد هزيمة المرشح اليميني بولسونارو الابن، المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وليس ذلك وحسب، بل تدور شبهات في أروقة الأجهزة الأمنية باضطلاع أجهزة أمنية خارجية بتهريب بولسونارو سراً من البرازيل، خشية تعرضه للاعتقال بعد أن فتحت الشرطة البرازيلية تحقيقاً معه بتهم متعددة.

كما أن النشوة بما حققه الرئيس دونالد ترامب الذي تباهى باعتقال الرئيس الفنزويلي واقتياده وزوجته إلى الأراضي الأمريكية، لم يستطع قطف ثمارها بسبب استمرار السياسات غير المدروسة في السياسة الخارجية الأمريكية من بداية العام، والتورط في الحرب مع إيران بجانب حليفته إسرائيل في شهر فبراير الماضي، وتجدد الحرب في يونيو، واستمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي قاد إلى خنق تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، ودخلت المنطقة في حرب الطاقة والممرات المائية حتى اليوم. لكن في ميزان السياسة لكل قرار ثمن يمكن أن يدفعه من يتلاعب بمصير غيره ولو بعد حين.

   بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي حاول خلال الأسابيع الماضية الدخول بثقله للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية لدعم ومساعدة صديقه رئيس الوزراء نتنياهو، بهدف إقناع الناخب الإسرائيلي بإعادة التجديد لرئيس الوزراء المنتهية ولايته. ورغم الابتذال الذي ظهر عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمساعدة صديقه، إلا أن الناخب الإسرائيلي كان له الكلمة الفصل في الانتخابات التي منحت نتنياهو وحلفاءه 53 مقعداً في الكنيست، وهو رقم لا يمنحه الفرصة لإعادة تشكيل حكومة جديدة، لصالح المعارضة التي يقودها الجنرال الإسرائيلي غادي آيزنكوت، الذي حصلت قائمته على 48 مقعداً في الكنيست، وحصول القائمة العربية على 19 مقعداً في إنجاز تاريخي هو الأول من نوعه. وبالنظر إلى طبيعة النظام السياسي في إسرائيل ذي النزعة العنصرية، إلا أن جميع الكتل المعارضة لرئيس الوزراء المنتهية ولايته نتنياهو، أوصت باختيار غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، ليمثل هذا التوجه ضربة قوية لرغبة الرئيس ترامب الذي حاول بكل السبل دعم صديقه للعودة لرئاسة الوزراء. فكانت انتخابات 27 أكتوبر 2026م في إسرائيل ضربة سديدة في توجهات الرئيس دونالد ترامب الشعبوية، إلا أن ردة الفعل القوية والصادمة له، كانت تلك التي وجهها إليه الناخب الأمريكي المعني الأول بارتدادات السياسة الخارجية لبلاده عليه، يوم أمس 3 نوفمبر، التي كانت بمثابة استفتاء مباشر على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاش ليلة مأساوية وهو يشاهد تهاوي حصون الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، لصالح الحزب الديمقراطي الذي اكتسح المجلسين على حساب حزب الرئيس الذي أخذ يدرك نتائج تخبط سياسته في العديد من الملفات.

   والسؤال البديهي: كيف سيتعامل الرئيس دونالد ترامب مع هذه الانتكاسات التي حجّمت من طموحاته السياسية في الحصول على فرصة للترشح لفترة رئاسية ثالثة؟

   بالنظر إلى طبيعة النظام السياسي الأمريكي الذي يشكل حالة من التوازن السياسي بين الحزبين، إذ جرت العادة أن يسيطر على الكونغرس الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي الحزب المعارض للرئيس لتحقيق نوع من التوازن في السياسة الداخلية والخارجية في البلاد، ورغم عدم تأثر موقع الرئيس الأمريكي من هذه الانتخابات، إلا أن الشيء الواضح في مقبل الأيام هو بقاء الرئيس دونالد ترامب مكبلاً تشريعياً طوال الفترة المتبقية من حكمه، وأن المشاريع التي يرغب بتمريرها تتطلب منه الجلوس مع الديمقراطيين والتفاهم حولها لتمريرها حتى لا يحدث صدام بين الطرفين. إن التغيرات السياسية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج طبيعي لسلسلة طويلة من الإخفاقات في إدارة بعض الملفات على المستويين الداخلي والخارجي، التي قادت إلى تآكل شعبية حزب الرئيس على هذا النحو الذي شهدناه بعد فرز نتائج الانتخابات.

   إن الطريقة الشعبوية التي بدأ بها الرئيس دونالد ترامب في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، وأسلوبه المستفز في إثارة النزعات الانقسامية والتعرض لمعارضيه بشكل عنصري، كانت السبب في حصد الحزب الديمقراطي للعديد من المقاعد داخل الكونغرس، إذ نجح أعضاء الحزب في إقناع الناخب الأمريكي بالتصويت لهم، بعد أن لمسوا في برامجهم احتياجاتهم ومطالبهم، في حين اكتفى الرئيس وحزبه بالاهتمام بإصدار التغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي، وتخصيص جزء كبير من الوقت لاتهام المرشحين الديمقراطيين بالإرهاب. وهذا الخطاب الشعبوي نجح هؤلاء المرشحون في استغلاله بشكل أمثل لاستعطاف الناخب وجعله أمام مقارنة حقيقية بين برنامج اجتماعي خدمي يلبي طموحات الناخب الأمريكي، وبين عنصرية فارغة من التأثير حتى على أعضاء الحزب الجمهوري نفسه. وهنا كانت المفارقة الصادمة بين احتياجات الناخب الأمريكي وكرهه المستمر لسياسات إدارة ترامب التي اقتصرت على قرارات سياسية جوفاء وتراشقات في وسائل التواصل الاجتماعي. فكان من الطبيعي أن يرد الناخب الأمريكي في صناديق الاقتراع ليعلن من خلالها عدم رضاه عن المشاريع والخدمات التي تقدمها إدارة ترامب للشعب، لا سيما أن الشعب من خلال هذا التصويت للحزب الديمقراطي بعث للرئيس رسالة عن رفضه للطريقة التي قادت إلى دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب مع إيران، دون أن يكون هناك يقين بالانتصار فيها، أو معرفة الوقت الذي ستنتهي فيه أمريكا منها، وأن الدخول في حرب هكذا كلف الأمريكيين متاعب كبيرة قادت إلى تضاعف أسعار الطاقة التي دفعها المواطن نظير تخبط السياسيين وعدم امتلاكهم خطة واضحة ومزمنة للحرب. في المقابل نجحت إيران في جر الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرب استنزاف. وأمام هذه الانتكاسة المدوية من نتائج الانتخابات التي ظهرت اليوم، كان الرئيس ترامب قد سبق ظهورها بالقول: إنه على استعداد للاعتراف بها، فضلاً عن استعداده للتعاون مع الديمقراطيين لإدارة المرحلة القادمة.

بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار

اقرأ أيضا:الحرب على إيران يسقط رهان ترامب.. هل دفع الجمهوريون ثمن الحرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى