بكاءٌ بلا دموع!!

بكاءٌ بلا دموع!!
بكاءٌ بلا دموع!!
- بقلم: رجاء حمود الإرياني
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026-
لا أكتب عن اليمن بوصفها وطنًا بعيدًا، ولا أرثيها بكلمات عابرة قرأتها في خبر أو سمعتها في نشرة إخبارية. أكتب عن وجع يسكن القلب، وعن وطن كلما ذُكر اسمه شعرت بشيء ينكسر في داخلي، وعن أرض لا أستطيع أن أراها تتألم دون أن أشعر بأن جزءًا مني يتألم معها.
أنا أبكي اليمن، لكنني أبكي بلا دموع.
أبكيها حين أتأمل حالها، وحين أفكر في أهلها؛ في طفل لا يعرف من الحياة إلا قسوتها، وأم تخفي خوفها كي تمنح أبناءها شيئًا من الطمأنينة، وأب أنهكته الظروف وهو يسعى لتوفير أبسط مقومات الحياة لأسرته. أبكيها حين أدرك أن وراء كل مشهد من مشاهد المعاناة قلبًا يتوجع، وحلمًا تأجل، وعائلة تنتظر يومًا أقل قسوة من الأمس.
لا تسقط دمعة من عيني، ليس لأن الحزن قليل، بل لأن الوجع أكبر من أن تستوعبه الدموع. أشعر أحيانًا أن الكلمات، مهما بلغت من البلاغة، تظل عاجزة عن وصف ما يعتصر القلب حين يرى وطنًا عزيزًا يئن، وشعبًا كريمًا يحاول الصمود في وجه أعباء الحياة وتحدياتها.
كيف لي أن أبكي اليمن وحدها، وأنا أبكي معها أحلام أبنائها، وأيامهم التي أثقلتها الأزمات، ووجوههم التي أتمنى أن أراها مطمئنة؟ وكيف أختصر كل هذا الوجع في دمعة واحدة، بينما يمتد الحزن في داخلي كلما فكرت في طفل يستحق أن يعيش طفولته بسلام، وشاب يتطلع إلى فرصة لبناء مستقبله، وأم لا تريد من الدنيا سوى أن تطمئن على أبنائها؟
أنا لا أبكي أرضًا وجبالًا وحجارة فحسب؛ إنني أبكي الإنسان في اليمن. أبكي تفاصيل الحياة التي بات الوصول إلى أبسط مقوماتها أمرًا شاقًا على كثيرين، وأبكي الغربة التي فرّقت الأحبة، والحنين الذي يسكن قلوب الذين أبعدتهم الظروف عن ديارهم، والخوف الذي يسرق من الناس لذة الأحلام البسيطة.
وما يؤلمني أكثر أنني قد أعجز عن فعل شيء يوازي حجم هذا الحزن. أقف أمام أخبار اليمن وحكايات أهلها، فأشعر بأن قلبي يريد أن يفعل الكثير، بينما لا أملك سوى الدعاء والكلمات. لذلك أكتب، لعل الحروف تحمل شيئًا من صوتي، ولعل ما يضيق به صدري يجد طريقه إلى قلوب أخرى لم تنسَ اليمن، ولم تعتد وجعها، ولم تعتبر معاناة أهلها أمرًا عابرًا.
يا يمن، لست أدري كيف أبكيك كما تستحقين. إن بكيتك بالدموع، فهل تستطيع الدموع أن تستوعب كل هذا الحزن؟ وإن بكيتك بالكلمات، فهل تستطيع الكلمات أن تداوي جراحك؟ كلما حاولت التعبير عما في داخلي، شعرت أن في الصدر وجعًا آخر لم أقله، وحسرة لم أجد لها عبارة، ودمعة ظلت حبيسة القلب ولم تعرف طريقها إلى العين.
يا يمن، إن لم تري دموعي، فلا تظني أنني لا أبكيك؛ فبعض الدموع تسقط في القلب، ولا يراها أحد.
أبكيك في صمتي ودعائي، وفي كل مرة أتمنى فيها أن أسمع عنك خبرًا يطمئن القلب بدلًا من أن يثقله. أبكيك حين أتخيل يومًا يعود فيه الأمان إلى بيوتك، ويضحك فيه أطفالك دون خوف، ويعيش فيه أهلك بكرامة، ويصبح السلام واقعًا يلمسونه في تفاصيل حياتهم، لا مجرد أمنية يرددونها كلما ضاقت بهم الأيام.
إن أكثر ما أتمناه لليمن ليس أن تتوقف أوجاعها فحسب، بل أن تستعيد قدرتها على الحياة. أن يجد أبناؤها فرصتهم في التعليم والعمل، وأن تعود الطمأنينة إلى البيوت، وأن يتمكن الناس من بناء مستقبلهم دون أن تظل المخاوف أثقل من أحلامهم. فالأوطان لا تنهض بالحجر وحده، بل بالإنسان الذي يجد فيها الأمن والكرامة والأمل.
أنا أبكي اليمن لأنني أحبها، ولأنني لا أريد أن تصبح مجرد حكاية حزينة في ذاكرة العالم، أو خبرًا عابرًا تتناقله وسائل الإعلام ثم تمضي عنه إلى غيره. أريدها وطنًا ينهض من أوجاعه، وأرضًا تستعيد عافيتها، وبيتًا يجد فيه أبناؤه الأمان والفرح. أريد أن يأتي اليوم الذي لا أكتب فيه عنها بوجع، بل أكتب عن أفراحها ونهضتها، وعن شعبها الذي يستحق حياة أجمل ومستقبلًا أكثر إشراقًا.
وحتى يأتي ذلك اليوم، سأظل أبكيها بطريقتي؛ بقلب يوجعه حالها، ولسان يدعو لها، وقلم يحاول أن يقول ما تعجز عنه الدموع.
هذا هو بكائي يا يمن… بكاء بلا دموع، لكنه ممتلئ بكِ، وبالحب الذي لا يطفئه الألم، وبالأمل الذي لا ينبغي أن ينطفئ مهما طال الليل.





