التسامح.. أسُّ السلام والتعايش

التسامح.. أسُّ السلام والتعايش
- أمين الجبر
السبت 24 أكتوبر 2026-
ثقافة التسامح، لدى أي شعب من الشعوب، هي مناط السلام والتعايش، ليس لأنها توفر قدرا من التوافق والاستقرار فحسب، وإنما لأنها تمثل ضمانة للعدالة وشرطا للحرية، وأساسا لبناء مجتمع تتسع فضاءاته لتعدد الرؤى والمعتقدات والانتماءات.
وعلى النقيض من ذلك، يقف الإكراه القسري، والإرغام التعسفي المؤدلج، بما ينطويان عليه من نزعة شمولية لا تقبل إلا الطيف الواحد واللون الأوحد، وتسعى إلى فرضهما عنوة بقوة الغلبة، وتعميمهما قسرا تحت سطوة الأيديولوجيا. فهذا النمط من الاستبداد، وإن بدا في بعض مراحله قادرا على ضبط المجتمع وإخضاع تناقضاته، فإنه لا يلغيها، بل يكرسها ويؤجل انفجارها إلى حين؛ إذ يظل الصراع كامنا تحت سطح من القهر، حتى إذا ما توافرت الظروف الموضوعية والشروط المواتية، طفحت التناقضات إلى السطح، وانفجرت المتضادات، وخرج الوضع عن السيطرة، لتعلو لغة الرصاص وتندلع الحروب والصراعات، في دورة تكرارية لا تنتهي.
فالقوة قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع السلام، والغلبة قد تؤجل الصراع، لكنها لا تنهي أسبابه. أما السلام الحقيقي، فلا يتحقق بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته على قاعدة من الحرية والعدالة والاعتراف المتبادل.
وصحيح أن الأيديولوجيات السياسية والمذهبية الدينية أصبحت حقيقة ماثلة وواقعا معاشا في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع اليمني، وليس من الواقعية الاعتقاد بإمكان اجتثاثها أو محوها بقرار أو قوة قسرية. ومن ثم، لا مناص من تهذيب طرائق التعبير عنها، وتنظيم حضورها في المجال العام، والتعامل معها بوصفها جزءا من الواقع الاجتماعي، بعيدا عن الشيطنة والإقصاء والاستهجان، شريطة ألا تتحول إلى أدوات للهيمنة أو ذرائع لانتقاص حقوق الآخرين.
ولا يتأتى ذلك، من وجهة نظرنا، إلا بمزيد من الحرية والقبول والتعايش، انطلاقا من مبدأ جوهري مفاده أن لكل إنسان الحق في ما يؤمن به ويعتقده، وأن على الجميع احترام معتقداته وقناعاته، مقابل التزامه باحترام معتقدات الآخرين وقناعاتهم. فلا يحق لأحد أن يفرض رأيه أو معتقده بالقوة والإكراه، كما لا يجوز أن تتحول الأغلبية إلى وسيلة لمصادرة حقوق الأقلية، أو أن يصبح الاختلاف ذريعة للتخوين والتكفير والإقصاء.
وبمثل هذه المعادلة الديمقراطية، التي تصون حرية الاعتقاد والرأي، وتكفل المساواة أمام القانون، يمكن للجميع أن يعيشوا في أمن ووئام وسلام، وأن تتعزز العدالة الاجتماعية، وتتوافر شروط التنمية والازدهار. أما إذا غابت هذه القواعد، فلن نحصد سوى مزيد من الانقسام والاحتراب، وربما الفناء والخسران المبين.
ولعل من الشواهد الشعبية الدالة على إمكان التعايش والتسامح في المجتمع اليمني، حكاية متوارثة من إحدى قرى مديرية جبل الشرق بمحافظة ذمار، تعود إلى عهد الإمام أحمد، وتكشف، ببساطتها وعفويتها، جانبا من طبيعة العلاقات التي جمعت أبناء الديانات المختلفة في حياتهم اليومية.
تروي الحكاية أن الحاج علي ناصر لطف، رحمه الله، من أبناء قرية مذرح، دمام، كان قد اتفق مع أحد أبناء الطائفة اليهودية على جمع ثوريهما للعمل في فلاحة الأرض الزراعية بالتناوب، يوما لهذا ويوما لذاك، وتسمى في مصطلح الزراعة(مضاواة).
والمضاواة عادة يمنية زراعية قديمة ومعروفة، تقوم على اتفاق اثنين من المزارعين، يملك كل منهما ثورا، على جمع الثورين معا لحراثة الأرض، بحيث يتناوبان الانتفاع بهما، كلٌّ في يومه.
وكان اليهودي يعطّل ثوره يوم السبت، التزاما بعطلته الدينية الأسبوعية، كما هو معروف في الديانة اليهودية، مثلما يمثل يوم الجمعة عطلة دينية أسبوعية عند المسلمين. غير أن ذلك كان يثير تذمر الحاج علي ناصر، ولا سيما حين يحل موسم الأمطار، أو ما يعرف في المعالم الزراعية اليمنية بـ«الغونية»، إذ كان يسابق الزمن لإنجاز حراثة أرضه وتليم الذرة قبل فوات الموسم أو هطول المطر.
وكان ينادي صاحبه اليهودي بإلحاح، قائلا: «يا يهودي، قلت لك غونية اترك ثورك من أجل إتمام الحرث»، فيرد عليه اليهودي، غير مكترث بصياحه، وبشيء من الدعابة: «اربط ثوري في الشجرة وطعمه علي، وليس عليك»، في إشارة إلى العرف الزراعي الذي يجعل نفقة إطعام الثور على الطرف المنتفع به في فلاحة أرضه.
وهكذا كانت تمضي الحكاية، بما تنطوي عليه من مشاكسة يومية ومزاح عابر، دون أن يتحول الاختلاف الديني إلى خصومة، أو يصبح الالتزام بالشعائر سببا للعداء. فالخلاف هنا خلاف في تنظيم العمل ومواعيده، لا في حق الآخر في الاعتقاد، ولا في حقه في ممارسة شعائره الدينية.
ولا نزعم أن هذه الحكاية وحدها تكفي لتقديم صورة شاملة عن المجتمع اليمني في ذلك العهد، أو أن الماضي كان خاليا من التوترات والاختلافات، لكنها، كما يرويها عدد من كبار السن في القرية، تظل شاهدا شعبيا ذا دلالة على إمكان اجتماع الاختلاف الديني مع التعاون في المصالح اليومية، وعلى أن الروابط الإنسانية والاجتماعية قادرة، في ظروف كثيرة، على تجاوز حدود الانتماءات الدينية.
إن مغزى هذه الحكاية لا يكمن في تفاصيلها الزراعية فحسب، وإنما في دلالتها الإنسانية؛ إذ تكشف كيف يمكن للناس أن يختلفوا في معتقداتهم، ويتباينوا في شعائرهم، ثم يلتقوا في حقول الحياة ومصالحها، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، أو يصبح الدين وسيلة لإلغاء الآخر. وهذا هو جوهر التسامح: أن نعترف بحق الآخر في أن يكون مختلفا، دون أن نطالبه بالتخلي عن هويته كي نقبل التعايش معه.
وإذا كانت هذه الحكاية وغيرها من الروايات الشعبية المشابهة تستدعي التأمل في طبيعة العلاقات التي سادت بعض البيئات اليمنية، فإنها تضعنا أمام سؤال أكثر إلحاحا: كيف انتقلنا من إمكان التعايش في تفاصيل الحياة اليومية إلى هذا القدر من الاستقطاب والتنافر، الذي باتت فيه الانتماءات السياسية والمذهبية والجهوية، في كثير من الأحيان، مقدمة على روابط المواطنة والجوار والمصالح المشتركة؟
لقد أسهمت عوامل سياسية وفكرية واجتماعية متعددة في تعميق الانقسامات، وفي مقدمتها توظيف الدين والمذهب والهوية في صراعات السلطة والنفوذ. وحين تتحول هذه الانتماءات من تعبير عن التنوع إلى أدوات للتعبئة والإقصاء، يصبح المجتمع ساحة لتنازع الهويات المتصارعة، بدلا من أن يكون فضاء للتفاعل والتكامل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع، يعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية، ويجعل الدولة المدنية إطارا منظما للتنوع، وضامنا لحقوق جميع المواطنين، بصرف النظر عن مذاهبهم ومناطقهم وانتماءاتهم السياسية. فالدولة المدنية لا تلغي الدين أو المعتقد، ولا تصادر حق الناس في التعبير عن هوياتهم، وإنما تمنع احتكار الحقيقة العامة، أو توظيف السلطة لفرض معتقد بعينه، وتضمن أن يكون القانون والحقوق المشتركة مرجعية للجميع.
وقد مثلت تجربة الحزب الاشتراكي اليمني، في مراحل من تاريخ اليمن، إحدى المحاولات السياسية لتجسيد مشروع الدولة المدنية في الواقع، بما لا يعني خلو التجربة من الإشكالات أو التناقضات، وإنما استحضارا لما طرحته من نموذج سياسي سعى إلى تجاوز بعض الانقسامات التقليدية وبناء هوية وطنية جامعة.
إن اليمن، بتنوعه الديني والمذهبي والثقافي والاجتماعي، ليس محكوما بالضرورة بالصراع، كما أن اختلاف أبنائه لا يعني استحالة تعايشهم. فالتنوع قد يكون مصدر ثراء وقوة، متى ما أحسن المجتمع إدارته، وقد يتحول إلى وقود للاقتتال حين تستثمره القوى المتصارعة في خدمة مصالحها وأجنداتها.
ويبقى التسامح، في نهاية المطاف، أكبر من مجرد فضيلة أخلاقية أو سلوك فردي؛ إنه ثقافة مجتمعية، وضرورة سياسية، وشرط لبناء دولة عادلة تحمي الجميع، ولا تسمح لأحد بأن يستأثر بالوطن أو يحتكر الحقيقة أو يصادر حق الآخرين في الاختلاف.
فيا ترى، هل يحكّم اليمنيون عقولهم، ويعودون إلى رشدهم، ويحقنون دماءهم، ويستعيدون ما يجمعهم من روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك؟ أم أن غواية السلطة، وغرور القوة، وعصبيات الأيديولوجيا، ستظل تحجب عنهم حقيقة أن الوطن لا يتسع لفئة دون أخرى، وأن السلام لا يولد من رحم الإكراه، وإنما من الاعتراف المتبادل والعدل والتسامح؟
إنها ليست مجرد أسئلة معلقة في فضاء التأمل، بل أسئلة المصير اليمني نفسه؛ فإما أن ينتصر العقل لمنطق الحياة والتعايش، وإما أن يظل اليمنيون يدفعون أثمان صراعات كان يمكن تجنب كثير منها لو أدركوا أن الاختلاف لا يبرر العداء، وأن التسامح ليس ضعفا، بل شجاعة الاعتراف بالآخر، وأن السلام ليس استسلاما، بل انتصار للإنسان على نزعات الإقصاء والفناء.
اقرأ أيضا:قراءة تفكيكية لـ “طبقات الحرب” في اليمن واصطلاحاتها





