شرق المتوسط: من سان ستيفانو إلى سرت.. صراع الجرف القاري وخرائط الطاقة

شرق المتوسط: من سان ستيفانو إلى سرت.. صراع الجرف القاري وخرائط الطاقة
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الخميس 22 أكتوبر 2026-
يشهد شرق البحر المتوسط اليوم حلقة جديدة من التوتر والتنافس الذي بدأ وميضه يتسع أكثر فأكثر مع تبدل التحالفات وتغير بعض المواقف السياسية لدى الدول المعنية بالملف. وقبل الخوض في ثنايا تلك المواقف، لا بد من سرد عرض تاريخي للظروف التي مرت بها المنطقة منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر، الذي شهد هزيمة القوات العثمانية على يد قوات روسيا القيصرية، التي أجبرت الدولة العثمانية على عقد اتفاقية “سان ستيفانو” عام 1877م، وفرضت خلالها تنازلات مذلة، وكادت بموجبها أن تصل إلى المياه الدافئة التي طالما كانت حلم روسيا القيصرية. وقد نجحت في توظيف انتصارها لتحقيق تلك الغاية، إذ فتحت لها الاتفاقية أبواب المضائق التي تتحكم بها الدولة العثمانية في البوسفور والدردنيل، وأصبح بمقدورها الوصول إلى مياه البحر المتوسط دون عوائق تذكر. ورغم الفوائد الكبيرة التي حصل عليها الروس في تلك الاتفاقية، إلا أن ذلك لم يرق لبريطانيا وفرنسا، اللتين تدخلتا بذريعة حماية الدولة العثمانية، ليس حباً فيها، بل رغبة في إيقاف الزحف الروسي نحو شرق المتوسط وبحر إيجة، ونظرت بريطانيا إلى ذلك باعتباره تهديداً مباشراً لمصالحها، وعملت بكل ما في وسعها لمنع الروس من تحقيق رغبتهم.
سارعت بريطانيا بكل قوتها للوقوف أمام روسيا ومنعها من الاستفادة من اتفاقية سان ستيفانو، فحرضت العثمانيين على رفضها، مقابل اتفاق سري يقضي بحصولها على جزيرة قبرص، مقابل مساعدتها للعثمانيين على إلغاء الاتفاقية المجحفة وإجبار الروس على التنازل عنها، وتلقى العثمانيون وعوداً بتحسين شروطهم في اتفاق جديد دعا إليه المستشار الألماني بسمارك بهدف معالجة الاختلالات في التوازن الدولي، وعُقد مؤتمر برلين عام 1878م الذي كان من نتائجه إغلاق الأبواب أمام روسيا من الوصول إلى المتوسط، في المقابل حصلت بريطانيا سراً على تنازل السلطان العثماني عن جزيرة قبرص مقابل المساعدة البريطانية لطرد الروس من أبواب إسطنبول، وظلت بريطانيا متفردة بالجزيرة حتى إعلانها الخروج منها عام 1960م. ورغم حالة التعايش التي عاشها الأتراك واليونانيون في الجزيرة، إلا أنه سرعان ما نشب الخلاف بينهما وقاد إلى اندلاع حرب، ثم تدخل الجيش التركي عام 1974م بحجة حماية القبارصة الأتراك، وكان من شأن ذلك تقسيم الجزيرة إلى شمال تركي وجنوب يوناني، وظل التوتر قائماً بين الأتراك واليونانيين بسبب تداخل الجغرافيا والجزر التي تسيطر عليها اليونان بعد أن تنازلت تركيا عنها لصالحها شرط عدم تسليحها.
والسؤال الجوهري: ما السبب الرئيس في استمرار الصراع الجيوسياسي في شرق البحر المتوسط، وما موقف تركيا واليونان وإسرائيل وليبيا منه، وما الفوائد من وراء ذلك؟
من الطبيعي فهم توتر العلاقات اليونانية التركية وفقاً للاعتبارات والادعاءات التاريخية المتبادلة نتيجة تداخل الجغرافيا، لكن دخول المنطقة برمتها في التوتر وسباق المحاور له أسبابه الواضحة، لا سيما بعد الاكتشافات الكبيرة التي أعلنها الجانب الأمريكي بوجود مخزونات هائلة للطاقة في جوف شرق المتوسط، لتزيد من حدة التنافس، وتسابقت جميع الدول لترسيم حدودها البحرية بهدف الاستحواذ على أكبر قدر من المساحة وحرمان الأطراف الأخرى، رغم أن القانون الدولي للبحار يمنح الدول جرفاً قارياً مقابل سواحلها، ويمنع منح الجزر أي جرف قاري. وهذه الجزئية تشكل بالنسبة لليونان معضلة كبيرة، لأنها تحرمها من ابتلاع مساحة كبيرة من شرق المتوسط بحجة امتلاكها جزراً كثيرة تصل المسافة في بعضها إلى نحو 2 كم من السواحل التركية، وبالتالي تدعي اليونان أحقيتها بالجرف القاري وتنكر امتلاك تركيا أي جرف في شرق المتوسط، كما بينت الاتفاقية التي أبرمتها مع مصر وإسرائيل وقبرص، ومنحت بموجبها نفسها النصيب الأكبر من مياه شرق المتوسط، وأعطت إسرائيل مساحة كبيرة، ورغم اشتراك مصر في الاتفاق إلا أنه اقتطع مسافة كبيرة من حصتها لصالح إسرائيل وقبرص.
وجدت تركيا نفسها محاصرة أمام الاتفاقية المبرمة بين اليونان وإسرائيل ومصر، التي لعب الخلاف السياسي دوراً في تباعدها عن تركيا بسبب موقف الأخيرة من انقلاب الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2013م، فتوترت علاقة الطرفين وكادت أن تصل حد التصادم في ليبيا، التي انقسمت بين حكومة في طرابلس معترف بها دولياً مدعومة بصورة مباشرة من تركيا، التي دخلت في شراكة كبيرة مع حكومة فايز السراج، وعقدت أنقرة وطرابلس اتفاقية لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، حيث قضى الجانبان على طموحات اليونان وأعادا مساحة كبيرة لمصر ومنعا اتصال إسرائيل بالجرف القاري اليوناني. ولم يمر الاتفاق الموقع بين غرب ليبيا وتركيا عام 2019م دون تحديات كبيرة، منها نجاح جميع الأطراف المناوئة للاتفاق في دعم الجنرال الليبي خليفة حفتر الذي تسيطر قواته على شرق ليبيا، وبدعم مباشر من مصر، للبدء بالحرب ضد الغرب الليبي بهدف توحيد ليبيا، ولاقت تحركاته تأييداً كبيراً من مصر والإمارات والسعودية وروسيا وفرنسا واليونان وإسرائيل، ونجحت قواته في التقدم سريعاً حتى سيطرت على بعض أجزاء من العاصمة طرابلس، ولم تعد حكومة السراج تمتلك سوى بعض الأحياء، والهدف كان إنهاء الاتفاق البحري الليبي التركي، حينها تدخلت تركيا ورمت بكل ثقلها العسكري والتكنولوجي وراء حكومة السراج، ونجحت في غضون أيام في ضرب قوات حفتر وكادت أن تقضي عليها بعد أن وصلت إلى مدينة سرت وسط ليبيا، حينها تدخلت مصر بكل ثقلها وأعلنت أن سرت خط أحمر، فأوقفت حينها تركيا الحرب.
وجدت تركيا أن المناسب لها ولمصر معالجة التباينات والخلافات التي إن ظلت ستقود الدولتين إلى الاصطفاف ضد بعضهما حتى وإن تطلب الأمر خسارة مصالحها، فبدأت رحلة التقارب على قاعدة المصالح المشتركة، ومهد له اعتراف تركيا في اتفاقها مع حكومة طرابلس بحقوق مصر في شرق المتوسط، إذ أعاد لها الاتفاق مساحة كبيرة كانت اليونان وإسرائيل قد اقتطعتاها من حصتها. وعلى إثر ذلك بدأت تركيا رحلة التقارب بالوصول إلى التعاون مع حلفاء مصر في شرق ليبيا والالتقاء مع الجنرال خليفة حفتر، في المقابل توجهت مصر للالتقاء مع حكومة طرابلس، وبدأ الجميع يتحدث عن وحدة ليبيا كهدف مشترك لتركيا ومصر ومنع أي تدخل خارجي على حساب مصالحها. إذ بدأ الجميع، لا سيما حكومة مجلس النواب في شرق ليبيا التي عارضت الاتفاق بين طرابلس وتركيا وأصدرت قراراً بمقاطعة تركيا في 2020م، يراجعون مواقفهم. وكان ذلك مدخلاً مناسباً يتوافق مع رغبة اليونان وإسرائيل اللتين ظلتا ترفضان الاتفاق البحري الليبي التركي بحجة أن الإقليم الشرقي لليبيا المعني بالترسيم غير معترف بالاتفاق المبرم، وكان ذلك كابوس تركيا التي عملت بالتعاون مع مصر لقطع الطريق أمام اليونان بالعمل على التوافق الذي توج اليوم بموقف سياسي عريض، تمثل في تصديق مجلس النواب الليبي في الشرق على الاتفاق البحري الموقع مع حكومة طرابلس وتركيا، ويبدو أن هذه التحركات تأتي منسجمة مع حالة التوافق والانسجام بين تركيا ومصر ونظرتهما لمصالحهما المشتركة في شرق المتوسط.
بكيل الكليبي- رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
اقرأ أيضا للكاتب: الرحلة الأخيرة: الوسيط الروسي بين حسابات المصلحة ونزع فتيل حرب الخليج


