قراءة في مقال: “مبررات جريمة الحروب واحدة مهما تعددت” للقاضي عبدالعزيز البغدادي

قراءة في مقال: “مبررات جريمة الحروب واحدة مهما تعددت” للقاضي عبدالعزيز البغدادي
- حسن الدولة
الأربعاء 9 سبتمبر 2026-
نشرت صحيفة الشورى الإلكترونية يومنا هذا الثلاثاء الموافق 8 سبتمبر 2026، مقال للقاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ: ((يوميات البحث عن الحرية: مبررات جريمة الحروب واحدة مهما تعددت))، كما نشر أيضا على صفحته في فيسبوك. وقد علقت عليه وقلت لفظه:
(مقال رائع يا قاضي عبدالعزيز، ويُكتب بماء الذهب؛ لأنه يضع الحرية في موضعها الصحيح: مبدأ لا يتجزأ، وموقفًا لا يتبدل بتبدل الخصوم. فأنت حرّ، ومذهب كل حرّ مذهبي؛ فلا حرية مع تبرير الظلم، ولا عدالة مع ازدواجية المواقف، ولا وطن يُبنى بإلغاء المختلف. وأجمل ما في الحرية أن تحب خصمك حين يكون مهذبًا، وتحترم إنسانيته وإن اختلفت معه، كما قال إيليا أبو ماضي: “وأحبُّ كلَّ مهذّبٍ ولو أنّهُ خصمي”. شكرًا لك يا قاضي، لأنك تذكّرنا بأن الانتصار الحقيقي ليس في هزيمة الإنسان، وإنما في الانتصار للإنسان.)
وتفاعلي مع مقالات القاضي عبدالعزيز كونها تتناول دائما هما عاما يتجاوز حدود الحدث إلى ما وراءه من أسباب ونتائج، وهو ما يدفعني إلى مناقشتها، تأييدا في مواضع كثيرة، واختلافا في النادر منها. أما في هذا المقال تحديدا، فأجدني متفقا معه في جوهر ما ذهب إليه، بل أرى أن بعض أفكاره تستحق التوقف عندها بمزيد من التأمل.
وأقرأ المقال كقارئ لا يستمد موقفه من هوية الخصم أو الصديق، ولا يقيس الحق بمقدار القوة التي تقف وراءه وشعاري هو ما قاله إيليا أبو ماضي:
حرٌّ ومذهبُ كلِّ حرٍّ مذهبي
ما كنتُ بالغاوي ولا المتعصّبِ
فالحرية ليست أن أطالب بحريتي وأصادر حرية خصمي، ولا أن أرفض الظلم حين يقع عليّ وأبرره حين يقع على غيري؛ فالحر الحقيقي هو الذي يرى الإنسان إنسانا حتى عندما يختلف معه، ويرى الدم دمًا، سواء سال في معسكره أو في معسكر خصمه.
وكما قال القاضي عبد العزيز ((كل حر حقيقي عليه أن يدرك معنى الحرية وقيمتها لنفسه ولغيره)).
وهنا مجد القاضي عبدالعزيز يضع الحرية في موضعها الصحيح كقيمة إنسانية لا امتيازا يمنح للنفس ويحجب عن الآخر. وهذه، في تقديري، هي أصعب اختبارات الحرية؛ إذ ليس من الصعب أن ندافع عن حريتنا، وإنما الصعب أن نعترف بحق خصمنا في الحرية ذاتها.
فالحرية التي تتحول إلى أداة لإلغاء الآخرين تفقد جوهرها، كما أن الديمقراطية التي لا تتسع للمختلف معها تتحول إلى صورة أخرى من صور الاستبداد.
وفي هذا الصدد يقول القاضي عبدالعزيز: ((ليس حرًّا حقيقيًّا من لا يقدّر مشاعر الناس وتوقهم نحو الحرية والسلام، وليس حرًّا من لا يراعي أحاسيس عدوه ومقدار إيمانه بالحرية وحقه في التمتع بها))
قد تبدو هذه النظرة مثالية، كما يقول القاضي نفسه، لكنها ليست مثالية منفصلة عن الواقع، بل هي أساس أي سلام قابل للحياة. فالسلام لا يبدأ عندما يتفق الناس، وإنما يبدأ عندما يعترف المختلفون بأن لكل طرف إنسانيته ومخاوفه وحقه في الحياة.
ولهذا فإن مراعاة مشاعر الخصم لا تعني تأييد موقفه، كما أن الاعتراف بحقه في الحياة والحرية لا يعني التنازل عن حقوقنا. إنها ببساطة القاعدة التي تمنع الخصومة من التحول إلى كراهية، والكراهية إلى حرب.
وفي هذا السياق يؤكد المقال بصراحة بأنه يجب أن: ((لا تحوّل المثالية إلى تهمة، ولا فضيلة الجنوح للسلام إلى جريمة))
هذه من أكثر أفكار المقال أهمية؛ لأن مجتمعات الصراع كثيرا ما تجعل من الدعوة إلى السلام تهمة، ومن التسامح ضعفًا، ومن رفض الحرب خيانة.
والحقيقة أن الجنوح إلى السلام ليس هروبا من المسؤولية، بل قد يكون أكثر المواقف شجاعة عندما تكون البدائل هي الدم والخراب. فالذين يرفضون الحرب لا يعني أنهم يرفضون الحق، وإنما قد يكونون أكثر إدراكًا لكلفة الوصول إليه عبر العنف.
كما يدعون القاضي عبد العزيز إلى التمسك بأسمى المثل والقيم الإنسانية فيقول: ((ما الإنسان إن لم يكن همه ومسعاه الاقتداء بأسمى الأمثلة الإنسانية وأرقاها، وعفّته عن الاستهتار بالدماء وإزهاق الأرواح تحت أي عنوان أو مسمى)).
هنا ينتقل القاضي من مفهوم الحرية إلى جوهر الإنسانية. فالإنسانية الحقيقية تُختبر عند الدم، لا عند الشعارات. وكل قضية مهما بدت عادلة لا تمنح صاحبها رخصة لإهدار حياة الإنسان.
ومن هنا أتفق معه في أن الموت هو الموت، ولا يمكن له أن يحل محل الحياة؛ فلا يصبح قتل الإنسان فعلا مشروعا لمجرد أن الراية التي يرفعها القاتل مختلفة عن راية الضحية.
ف : ((الموت هو الموت، ولا يمكن له أن يحل محل الحياة، وشتان بين من يسعى إلى الموت أو إلى الحياة))
هذه العبارة تختصر فلسفة المقال كلها تقريبًا: الانحياز إلى الحياة في مواجهة ثقافة الموت.
وما قيمة الانتصار إذا كان ثمنه مجتمعًا محطمًا، ووطنا ممزقًا، وأجيالًا تحمل ذاكرة الدم؟ قد ينتصر طرف عسكريا، لكنه قد يخسر الوطن الذي قاتل باسمه.
ولهذا لا أؤمن بأن الانتصار العسكري يستطيع وحده أن يصنع وطنًا مستقرًا، ولا بأن إخضاع الخصم بالقوة ينهي بالضرورة أسباب الخصومة. قد تستطيع القوة أن تُسكت البندقية مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا في نفوس الناس.
((اختلطت الأمور؛ لأن موزعي صكوك الشرعية والشرعنة في العالم أصبحوا مصدر الشر)).
ينتقل المقال هنا إلى نقد ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حين تتحول الشرعية من مبدأ قانوني إلى أداة سياسية تستخدم بحسب مصالح الأقوياء.
وهذه واحدة من أخطر مشكلات عالمنا المعاصر؛ إذ لا تكمن المعضلة في وجود قواعد دولية فحسب، بل في انتقائية تطبيقها. فالقاعدة التي تُطبّق على الضعيف وتُستثنى للقوي تفقد معناها الأخلاقي والقانوني.
((هذا هو المشهد العام للحروب العبثية التي يُدار بها العالم ويَحكمه لصوصه بكل أريحية)).
قد تختلف أسباب الحروب وأطرافها، ولا يصح اختزالها جميعًا في مؤامرة واحدة، لكن ما يلفت النظر هو أن الحروب كثيرًا ما تتحول إلى مصالح ومشروعات تستفيد منها قوى تتجاوز أطراف الصراع المباشرة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من يدفع ثمن الحرب؟ ومن يستفيد منها؟ ففي الغالب يكون المواطن هو من يدفع الثمن، بينما تتوزع مكاسب الحرب بعيدًا عن ساحات القتال.
((ما الحروب الفرعية، أي الحروب بين الدول والمليشيات والكيانات المتفرعة عن هذا العبث، فحكمها حكم من تفرعت عنه))
وهذه فكرة جديرة بالتأمل؛ فالحروب المحلية لا تعيش دائمًا داخل حدودها. قد تبدأ بسبب مظلمة داخلية، أو صراع على السلطة، أو انقسام اجتماعي، ثم تدخل عليها مصالح إقليمية ودولية تجعل استمرارها جزءًا من صراع أكبر.
وهنا أجد أن ما يجري في اليمن والسودان وأوكرانيا وغيرها يقدم أمثلة مختلفة، مع ضرورة عدم مساواة هذه الحالات ببعضها أو اختزال أسبابها في عامل واحد؛ فلكل حرب تاريخها وأسبابها الداخلية، لكن العامل الإقليمي والدولي حاضر بدرجات متفاوتة.
((العلاقة عكسية بين مستوى الهبوط من الأعلى إلى الأسفل؛ أي كلما نظرنا إلى المشهد الهابط زاد مستوى الغباء المستحكم والاستهتار بالدماء)).
هذه صورة بليغة لتدرج الانهيار؛ فكلما ابتعد القرار عن المسؤولية، اقتربت نتائجه من المواطن البسيط الذي لا يملك قرار الحرب ولا يملك غالبًا قرار إيقافها.
وحين يغيب الشعور بالمسؤولية يتحول المجتمع إلى مجرد وقود للصراع، ويصبح الإنسان رقمًا في قوائم القتلى والنازحين والمفقودين.
((فلا يحق للطرف المنتصر أن يكون خصمًا وحكمًا في آن واحد))
هنا يبلغ نقد القاضي لفكرة “شريعة الغاب” ذروته؛ إذ لا يمكن أن تكون القوة معيارا للحقيقة والعدالة في الوقت نفسه.
فالمنتصر عسكريا ليس بالضرورة محقا أخلاقيا، كما أن المهزوم ليس بالضرورة مذنبا. وإذا أصبح المنتصر هو الخصم والحكم معا، فإن العدالة تتحول إلى امتداد للقوة، ويصبح القانون مجرد غطاء لمن يملك القدرة على فرضه.
((هذه علامات تشكل العالم الجديد الذي ينظر إلى الوحدة العالمية أو العولمة من منظور الاحتواء وتوزيع جرائم الحروب وفق خطته، ويحولها إلى مشاريع استثمارية تدر أرباحًا ساخنة سخونة الدماء)).
وهذه من أكثر أفكار المقال إثارة للتأمل؛ فالعولمة التي كان يفترض أن تقرّب الشعوب قد تتحول، إذا غابت القيم والعدالة، إلى شبكة مصالح عابرة للحدود تستثمر في الأزمات بدل أن تعمل على إنهائها.
وحين تتحول الحرب إلى سوق، يصبح استمرارها مصلحة لبعض المستفيدين منها، ويصبح السلام تهديدًا لمصالح:
((القادة العالميون لهذه الحروب ومن يتبعهم ويتفرع عنهم يستمدون حنكتهم وقوتهم وشجاعتهم من استثمار مستوى الجهل بين الأطراف المتحاربة))
وهنا يضع القاضي يده على عامل بالغ الخطورة: الجهل المتبادل.
فالحروب لا تعيش بالسلاح وحده؛ إنها تحتاج إلى خطاب يبررها، وإلى صورة شيطانية للخصم، وإلى جمهور مستعد لتصديق أن الطرف الآخر لا يستحق الحياة أو الحقوق. وكلما ارتفع منسوب الجهل والكراهية، أصبح إشعال الحرب أسهل وإيقافها أصعب.
((خاصة الحروب التي تجري بين الأخ وأخيه، الذين لا يختلفون سوى في الشعارات والاتهامات التي يستهلكونها))
وهذه العبارة تمس واقعنا العربي واليمني بصورة خاصة. فكثير من حروبنا لا تجري بين شعوب متباعدة، وإنما بين أبناء المجتمع الواحد، الذين تجمعهم الأرض والتاريخ والمصالح والمصير، ثم تفرقهم الشعارات.
والمؤلم أن أطراف الصراع كثيرًا ما تتحدث باسم الوطن، بينما الوطن هو أول من يُقتل في هذه الحروب.
((الإنسان الذي يمتلك الإنسانية الحقة الأصيلة، لا يركب رأسه في أمر يخص كامل الوطن، مهما تعرضت مصالحه الخاصة للانتقاص كما يعتقد))
وهنا يعود القاضي إلى الإنسان بوصفه نقطة الخلاص. فالوطن أكبر من الأشخاص والجماعات والتيارات، والمصلحة العامة ينبغي ألا تُختزل في مصلحة طرف مهما كان موقعه أو قوته.
والإنسان الوطني الحقيقي ليس من يرفع اسم الوطن أكثر، وإنما من يقدّم مصلحة الوطن حين تتعارض مع مصلحته الخاصة.
((نعم هكذا يبدو العالم مؤسسة كبرى لاستثمار الحروب المتناسلة من تلاقح العولمة القاتلة، فلا تستغرب أيها الأخ المتناسل، لأنك شريك فاعل في عملية التناسل هذه ذات اللون الأحمر القاني!))
تلك هي الخاتمة التي تلخص رؤية المقال: الحروب لا تتناسل من الخارج وحده، بل تجد لها بيئة داخلية حاضنة. ولذلك فإن مسؤولية إنهائها لا تقع فقط على القوى المتدخلة، وإنما أيضًا على أطراف الصراع المحلية التي تمنح الحرب أسباب استمرارها.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد يكون الإنسان ضحية للحرب، لكنه قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى أداة في استمرارها.
بين جنيف 1985 والحروب المتناسلة
ولعل محطة مهمة في فهم التحولات التي طرأت على إدارة الصراع الدولي كانت قمة جنيف عام 1985 بين الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. ومن المهم هنا أن نكون دقيقين تاريخيًا: لم تكن القمة اتفاقًا على صناعة الحروب أو على نقل الصراعات إلى الدول الضعيفة، ولا يصح نسبة مثل هذا الاتفاق إليها.
لكنها مثلت محطة مهمة في مسار الحوار بين القوتين العظميين، وتوافق الطرفان فيها على أن الحرب النووية لا يمكن كسبها ولا ينبغي خوضها، كما دفعا باتجاه استمرار مفاوضات الحد من الأسلحة النووية والحد من مخاطر المواجهة المباشرة.
والمفارقة التي تستحق التأمل أن تراجع احتمال الحرب المباشرة بين القوى الكبرى لم يعنِ نهاية الصراعات في العالم؛ فقد انتقلت أشكال من التنافس إلى ساحات أخرى وبأدوات مختلفة، وأصبحت النزاعات الإقليمية والمحلية إحدى ساحات التنافس الدولي، مع بقاء الأسباب الداخلية لكل نزاع على أهميتها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من مشهد الحروب المعاصرة: حرب تلد حربًا، وخصومة تنتج خصومة، وانقسام يستدعي انقسامًا، حتى يصبح المجتمع نفسه أسيرًا لمنطق الحرب.
لكن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بإعادة إنتاج منطقها، وإنما باستعادة الإنسان إلى مركز القضية، وإعلاء قيمة الحياة على قيمة الغلبة، والقانون على القوة، والسلام على الانتقام.
ولهذا أعود إلى إيليا أبي ماضي، وأجد في بيته الآخر ما يلخص موقفي من الخصومة:
وأحبُّ كلَّ مهذّبٍ ولو أنّهُ
خصمي، وأرحمُ كلَّ غيرِ مهذّبِ
ليست هذه مثالية ساذجة، كما قد يظن البعض؛ بل هي في تقديري قمة الواقعية الإنسانية. فالخصم المهذب يمكن أن يصبح شريكًا، أما تحويل الخصومة إلى كراهية مطلقة فهو الطريق الأقصر إلى الحرب.
كلمة أخيرة
شكرًا للقاضي عبدالعزيز البغدادي على هذا المقال الذي يضع قضية الحرية والسلام والحرب في إطارها الإنساني، ويذكرنا بأن القضية ليست في أن ننتصر على بعضنا، وإنما في أن ننتصر جميعًا للإنسان.
وأنا، ككاتب حر، لا أملك إلا أن أقول: إن الحرية التي لا تتسع للخصم ليست حرية، والسلام الذي لا يحفظ حياة المختلف ليس سلامًا، والانتصار الذي يُبنى على دماء الوطن ليس انتصارا.
فالإنسان الذي يفقد إنسانيته وهو يحارب من أجل وطنه، قد يخسر الوطن حتى لو ربح المعركة.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. مبررات جريمة الحروب واحدة مهما تعددت



