التراث.. وتحوله من ذاكرة الأمة إلى سجن العقل.. قراءة في مقدمة كتاب «التراث ودوره في الاستلاب العقلي العربي المعاصر»

التراث.. وتحوله من ذاكرة الأمة إلى سجن العقل.. قراءة في مقدمة كتاب «التراث ودوره في الاستلاب العقلي العربي المعاصر»
التراث.. وتحوله من ذاكرة الأمة إلى سجن العقل.. قراءة في مقدمة كتاب «التراث ودوره في الاستلاب العقلي العربي المعاصر» للأستاذ عبدالله إسحاق
- أمين الجبر
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 –
ثمة كتب لا تكتفي بأن تضيف إلى المكتبة عنوانًا جديدًا، وإنما تأتي لتضع يدها على موضع الألم في جسد الفكر، وتفتح الأسئلة التي ظل العقل يؤجل مواجهتها، إما خشية الاقتراب من المناطق المحرمة، أو عجزًا عن امتلاك الشجاعة المعرفية اللازمة للمساءلة.
ومن هذا النوع، في تقديري، كتاب الأستاذ عبدالله إسحاق: «التراث ودوره في الاستلاب العقلي العربي المعاصر»؛ فهو لا يطرح قضية عابرة في الفكر العربي، وإنما يقترب من واحدة من أكثر قضاياه التباسًا وحساسية: علاقتنا بالماضي، وكيف انتقل التراث في بعض تجلياته من كونه ذاكرةً نستلهمها، إلى سلطةٍ تستلبنا؛ ومن كونه مادةً للدرس والفهم، إلى مرجعيةٍ تحاكم الحاضر والمستقبل.
والكتاب، بما يتضمنه من طرح فكري رصين وعميق، يثير جملة من الأسئلة الإشكالية التي ربما تعذر على العقل العربي الإجابة الموضوعية عنها في حينها، ولا يزال بعضها ماثلًا بإلحاح حتى اليوم.
إنه يحفزنا على الغوص في أعماق ما راكمه التراث داخل بنية العقل العربي عبر قرون طويلة، وكيف استطاعت بعض مكوناته، بفعل التكرار والتقديس والتراكم، أن تتجاوز حدودها التاريخية لتتحول إلى بنى ذهنية مستقرة، وإلى براديغمات معرفية مغلقة استعصت على التجديد والتبديل، ثم تخشبت بالتقادم حتى غدت، في بعض تجلياتها، محتوى أيديولوجيًا طاردًا للإبداع والتأمل، لا يسمح للعقل بأن يتحرك خارج أسوار النصوصية وقوالبها الجاهزة.
غير أنني، وأنا أقرأ هذه الإشكالية، وجدتني أمام سؤال آخر لا يقل أهمية، بل لعله يمثل المدخل الضروري لإعادة بناء علاقتنا بالتراث:
لماذا كلما انتقدنا تراثنا الفكري استدعينا بالضرورة “الآخر”، والغربي تحديدًا، ليكون شاهدًا أو معيارًا أو نموذجًا للمقارنة؟
أليس من الممكن أن نقرأ تراثنا أولًا من داخله، وفي سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي والمعرفي، قبل أن نضعه في مرآة تراث آخر تشكل في شروط تاريخية مختلفة، ومسارات حضارية مغايرة؟
وهنا تحضر، بطبيعة الحال، بعض أطروحات محمد عابد الجابري حول بنية العقل العربي، وما تميز به من خصوصية في التكوين والمسار. فالعقل لا يولد في الفراغ، وإنما يتشكل داخل تاريخ، وتنتجه البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يتحرك في إطارها.
ومن ثم فإن مقارنة العقل العربي بالعقل الغربي لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة أحدهما بمعايير الآخر؛ إذ إن لكل عقل شروط إنتاجه، وآليات تشكله، وأسئلته التاريخية، ومحدداته الثقافية.
ومن هنا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا:
ما التراث؟ وما الذي نعنيه حين نقول: تراثنا؟
فالتراث، في معناه الواسع، ليس مجرد كتب صفراء رقدت في خزائن الماضي، ولا نصوصًا دينية أو فلسفية أو أدبية حفظتها الذاكرة، وإنما هو أوسع من ذلك بكثير؛ إنه مجمل ما خلفته الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة من إنتاج مادي ورمزي، شفهي ومكتوب، ديني وفكري وأدبي وفني، من عادات وتقاليد وأعراف ومعتقدات وأساطير وحكايات وقوانين وأنظمة ومفاهيم وتمثلات، وكل ما أسهم في تشكيل صورة الإنسان عن ذاته والعالم من حوله.
فالتراث، بهذا المعنى، هو الذاكرة المتراكمة للأمة؛ لكنه ليس بالضرورة حقيقتها الأبدية.
وإذا كان الأصل اللغوي لكلمة التراث يحيل إلى الإرث والميراث وما ينتقل من السابق إلى اللاحق، فإن المصطلح، في الخطاب العربي الحديث، اكتسب دلالات أوسع، وأصبح يحيل إلى منظومة الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني التي تركها السلف للخلف.
غير أن الإشكال لا يبدأ عند وجود التراث، وإنما يبدأ عند الطريقة التي نتعامل بها معه.
فالتراث في ذاته لا يملك سلطة علينا؛ نحن الذين نمنحه هذه السلطة.
نحن الذين نقرر أن يكون الماضي ذاكرة، أو مرجعية؛ مادةً للفهم، أو معيارًا للحكم؛ تجربةً تاريخية، أو قانونًا أبديًا.
وهنا تحديدًا تنشأ المفارقة الكبرى.
فالتراث في الوعي العربي المعاصر لم يعد يعني فقط “ما كان”، وإنما أصبح، في كثير من الأحيان، يعني أيضًا “ما ينبغي أن يكون”. أي أن الماضي لم يعد مجرد واقعة تاريخية انتهت، وإنما تحول إلى نموذج معياري يُراد للحاضر أن يستنسخه، وللمستقبل أن يسير على خطاه.
وهكذا يصبح السلف حاضرًا في الخلف، والماضي مقيمًا في الحاضر، والتاريخ سلطةً على الزمن.
ولعل أخطر ما في هذه العلاقة أن التراث حين ينتقل من دائرة المعرفة إلى دائرة السلطة، يفقد صفته التاريخية ويتحول إلى عقيدة ذهنية؛ وعندها لا يعود السؤال: ماذا قال القدماء؟ ولماذا قالوه؟ وما الظروف التي أنتجت قولهم؟ وإنما يصبح السؤال: كيف يمكن للحاضر أن يظل وفيًا لما قالوه؟
وهنا تتعطل وظيفة العقل.
فالعقل الذي مهمته أن يسأل، يتحول إلى عقل يبرر؛ والعقل الذي يفترض أن ينتج المعرفة، يتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج الموروث.
ومن هنا تباينت المواقف العربية الحديثة والمعاصرة من التراث بين اتجاهات ثلاثة.
اتجاه محافظ يرى في التراث حصن الهوية وذاكرة الأمة وجذر وجودها، ويعتقد أن التخلي عنه يعني الانسلاخ من الذات والوقوع في التيه والاغتراب. وفي هذا التصور يصبح التراث للحضارة كالجذور للشجرة؛ كلما تعمقت الجذور ازدادت الشجرة رسوخًا وقدرة على مواجهة عواصف الزمن.
ولا مشكلة في هذا التصور من حيث الاعتزاز بالجذور، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول الجذور إلى قيود، وحين يصبح الوفاء للماضي مرادفًا للخضوع له.
وفي الطرف الآخر، يقف الاتجاه الحداثوي الذي رأى في التراث، أو في جانب واسع منه، أحد أسباب الجمود والتخلف، ودعا إلى القطيعة المعرفية معه، باعتبار أن العقل لا يستطيع أن يؤسس حداثته ما لم يتحرر من سلطة الماضي.
لكن القطيعة الكاملة ليست أقل إشكالية من التبعية الكاملة؛ لأن المجتمع الذي يقطع صلته بماضيه لا يتحرر بالضرورة، وإنما قد يفقد جزءًا من ذاكرته، ويجد نفسه يستورد وعيًا آخر جاهزًا بدلًا من أن ينتج وعيه الخاص.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى موقف ثالث؛ موقف لا يقدس التراث ولا يلعنه، لا يضعه فوق النقد ولا يرميه كله في سلة الماضي، وإنما يعامله باعتباره نتاجًا بشريًا تاريخيًا، له شروط إنتاجه وحدوده ووظائفه.
فالتراث لم يكن خطيئة مطلقة، كما لم يكن فضيلة مطلقة.
ولم يكن المعنى المقدس والغامض في حياة الإنسان، كما أنه لم يكن محض عبء ينبغي التخلص منه.
إنه، في جوهره، نتاج مرحلته الزمانية والمكانية؛ فيه ما يصلح أن يبقى، وفيه ما استنفد وظيفته، وفيه ما يحتاج إلى إعادة قراءة، وفيه ما ينبغي تجاوزه.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نتمسك بالتراث أم نقطعه؟
بل السؤال الأعمق:
كيف نقرأ التراث؟
فالمشكلة ليست في أن يكون لنا ماضٍ، وإنما في أن يتحول الماضي إلى وصي على الحاضر.
وليست المشكلة في أن تكون للأمة جذور، وإنما في أن تمنعها جذورها من أن تنمو.
فالإنسان الذي لا ذاكرة له مبتور الجذور، لكن الإنسان الذي لا يملك إلا ذاكرته يتحول إلى كائن يعيش في الماضي، ويستعير منه حتى أسئلته وأجوبته.
إن وظيفة العقل ليست أن ينسى الماضي، وإنما أن يضعه في موضعه الصحيح.
أن يفهمه قبل أن يحاكمه، وأن يحاكمه قبل أن يستنسخه، وأن يستفيد منه دون أن يتحول إلى أسير له.
وهنا تتجلى، في تقديري، القيمة الحقيقية لكتاب الأستاذ عبدالله إسحاق؛ فهو يفتح نافذة على واحدة من أكثر مناطق الوعي العربي استعصاءً على النقد: العلاقة بين التراث والعقل، وبين الذاكرة والسلطة، وبين الموروث والاستلاب.
ولعل أخطر أشكال الاستلاب ليس أن نرفض تراثنا لمجرد أنه تراث، ولا أن نقبله لمجرد أنه موروث، وإنما أن نعجز عن تكوين موقف مستقل منه.
فالاستلاب قد يأتي من الداخل كما يأتي من الخارج.
وقد يكون العقل أسيرًا للماضي حين يقدسه، وقد يكون أسيرًا للآخر حين يراه المعيار الوحيد للحداثة.
والتحرر الحقيقي لا يكون باستبدال قيد بقيد، ولا باستبدال مرجعية بمرجعية، وإنما بامتلاك القدرة على مساءلة جميع المرجعيات.
ذلك أن العقل الحر ليس هو الذي بلا تراث، وإنما هو الذي لا يسمح لتراثه أن يفكر نيابة عنه.
وليس هو العقل الذي يرفض الآخر، وإنما الذي يستطيع أن يحاوره دون أن يذوب فيه.
ومن هنا، ربما، تكون المسألة في نهايتها أكبر من التراث نفسه؛ إنها مسألة العقل الذي يقرأ التراث.
فإذا كان التراث مادةً تاريخية، فإن العقل هو الذي يمنحه معناه المعاصر؛ وإذا كان الماضي قد صنع جزءًا من وعينا، فإن الحاضر يظل مطالبًا بأن يعيد صناعة نفسه.
فالتراث ينبغي أن يكون جسرًا نعبر عليه إلى المستقبل، لا سورًا يحول بيننا وبينه.
اقرأ أيضا للكاتب: البردوني.. ما فوق حكمة الفلاسفة، وما دون مقام المعجزات




