قراءة في مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ: (بين دولة حكم الفرد وبين دولة حكم القانون)

قراءة في مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ: (بين دولة حكم الفرد وبين دولة حكم القانون)
المنشور في صحيفة الشورى الإلكترونية بتاريخ الثلاثاء 28 يوليو 2026
- قراءة: حسن حمود الدولة
الأربعاء 29 يوليو 2026-
قرأت مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي الموسوم بـ “بين دولة حكم الفرد وبين دولة حكم القانون” باهتمام بالغ، ولم أجد فيه مجرد تشخيص للأزمة اليمنية أو تعليقا على واقعها السياسي المضطرب فحسب، بل وجدت فيه رؤية وطنية متكاملة تستحق أن تتحول إلى مشروع حوار جاد بين القوى السياسية والفكرية. فكل محور من محاور المقال يحمل من العمق ما يجعله صالحا لأن يكون موضوعا لمقال مستقل أو ورقة نقاش متخصصة، تسهم في بلورة مشروع وطني يخرج اليمن من دوامة الصراع إلى أفق الدولة والمواطنة وسيادة القانون.
لقد شخص القاضي عبدالعزيز جوهر المعضلة اليمنية حين انطلق من حقيقة تفكك الدولة، وتعدد مراكز السلطة، وتشابك الولاءات الداخلية والخارجية، وهي العقدة التي تفرعت عنها معظم الأزمات التي تعيشها البلاد. كما أصاب حين رفض منح شرعية لأي سلطة من السلطات، مؤكدا أن الشرعية لا تستعاد إلا بإرادة الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لاستعادة الدولة ومؤسساتها، قبل الانشغال بأي مشاريع سياسية أو تسويات جزئية لا تعالج أصل المشكلة.
ومن أبرز ما يميز المقال موقفه الواضح من التدخلات الإقليمية وبخاصة الجارة الكبرى – المملكة العربية السعودية – التي أسهمت في تعميق الانقسام وإطالة أمد الصراع، مع تأكيده في الوقت نفسه على الترحيب بأي دعم محايد يهدف إلى تمكين اليمنيين من إعادة بناء دولتهم، لا إلى فرض الوصاية عليهم أو تكريس تبعيتهم. وهي مقاربة متوازنة تجمع بين رفض التدخلات السلبية والانفتاح على كل ما يخدم استعادة الدولة وسيادتها.
كما جاءت المقارنة التي عقدها الكاتب بين دولة حكم الفرد ودولة المؤسسات وسيادة القانون في محلها تماما؛ فالأزمة اليمنية، في جوهرها، ليست أزمة أشخاص أو نخب سياسية متنافسة بقدر ما هي أزمة غياب المؤسسة، وتغليب إرادة الحاكم على إرادة الدستور، وتحويل الدولة إلى أداة بيد السلطة بدلا من أن تكون إطارا جامعا للمجتمع وحامية لحقوق المواطنين.
غير أن هذه الرؤية، على أهميتها، تكتمل بالتأكيد على أن استعادة الدولة ليست مجرد استعادة لسلطة مركزية أو تنظيم انتخابات فحسب، وإنما هي عملية شاملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة المتساوية، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وإخضاع الجميع لسيادة القانون، وتحويل الجيش والأجهزة الأمنية إلى مؤسسات وطنية محترفة، لا أدوات في الصراع السياسي أو وسائل لترجيح كفة طرف على آخر. فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وإنما منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات والضمانات التي تجعل الشعب مصدر الشرعية حقيقةً لا شعارا.
ولم يفت قاضبنا الجليل، وهو يستشرف المستقبل، أن يتوقف عند المفارقة المؤلمة التي جعلت بعض الأنظمة الملكية تنجح في تطوير مؤسساتها وتحقيق قدر من الاستقرار والتنمية، في الوقت الذي تعرضت فيه كثير من التجارب الجمهورية العربية للتشويه، حتى فقدت جوهرها القائم على التداول السلمي للسلطة، واحترام الدستور، وسيادة القانون. وهي ملاحظة جديرة بالتأمل، لأنها تذكرنا بأن العبرة ليست بشكل النظام السياسي بقدر ما هي بمدى احترامه للمؤسسات والقانون، وقدرته على صون كرامة المواطن وضمان حقوقه.
ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده، مهما بلغت تأثيراته، بل تتحمل القوى الوطنية اليمنية نصيبًا وافرًا من المسؤولية. فهي مطالبة اليوم بالارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية، وتقديم مشروع وطني جامع، يغلّب منطق الدولة على منطق الجماعة، ومنطق الشراكة على منطق الغلبة، ومنطق المواطنة على كل أشكال العصبية والانقسام.
إن قيمة هذا المقال لا تكمن في تشخيصه الدقيق للأزمة فحسب، بل في أنه يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة اليمنية المنشودة. ولعل أهم ما يميزه أنه يدعو، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الإطار الجامع لكل اليمنيين، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة أو الإقصاء أو الاستحواذ.
ومن هنا، فإن هذه القراءة ليست سوى دعوة إلى أن يتحول هذا المقال إلى بداية لحوار وطني أوسع، تشارك فيه النخب السياسية والفكرية والقانونية، لأن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من إدارة الأزمات، بقدر ما يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أسس الحرية والمواطنة والعدالة وسيادة القانون، وهي المبادئ التي شكلت جوهر مقال القاضي عبدالعزيز البغدادي، وتستحق أن تكون محورًا للنقاش والعمل في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. بين دولة حكم الفرد ودولة حكم القانون



