كتابات فكرية

الغاور والناعبي.. نماذج من الإعلام الشعبي التقليدي في اليمن

الغاور والناعبي.. نماذج من الإعلام الشعبي التقليدي في اليمن

أمين الجبر

الأربعاء 1 يوليو 2026-

استخدم اليمنيون منذ القدم وسائل إعلامية تقليدية متعددة، ومارسوا أنماطاً مختلفة من التواصل المجتمعي، وذلك وفقاً للظروف والحاجات والإمكانات المتاحة في كل عصر. وكان الهدف من تلك الوسائل إيصال رسائل ذات مضامين إخبارية أو إعلانية أو اجتماعية، تؤدي وظائف محددة في حياة الناس اليومية.

وتعد هذه الوسائل والظواهر نتاجاً ثقافياً يعكس طبيعة المجتمع اليمني وبيئته، كما تمثل التعبير الممكن عن حاجاته الاتصالية في الفترات التي سبقت ظهور وسائل الإعلام الحديثة.

ومن أبرز تلك الوسائل ما يُعرف بـ«ضارب الصوت» أو «الغاور» أو «الوايب» أو «العايق»، وهي وسيلة إعلامية تقليدية اعتمد عليها اليمنيون لإيصال رسالة صوتية عاجلة إلى أكبر نطاق ممكن من السامعين عند وقوع حدث طارئ يستدعي النجدة أو التدخل السريع، كالحريق أو السيول أو السرقة أو غيرها من الكوارث والمخاطر المفاجئة.

ويؤدى هذا النداء بصوت مرتفع وبنغمة مميزة يمكن سماعها من مسافات بعيدة، ومن صوره المتداولة: «وووووييييب… يا غارتاه، غيروا علينا»، أي: يا من تسمعون الصوت، هبوا لنجدة أصحاب المصيبة ومساعدتهم في مواجهة الخطر الذي حل بهم.

وغالباً ما كانت هذه الظاهرة تمارس في البيئات التي تفتقر إلى وسائل الاتصال الحديثة، كما ارتبطت في كثير من المناطق بالنساء أكثر من الرجال، بحكم وجودهن في المنازل وقت وقوع كثير من الحوادث الطارئة، الأمر الذي جعلهن الأكثر ممارسة لهذا النوع من الاستغاثة والإعلام الشعبي.

وقد أثبتت هذه الوسيلة فاعليتها عبر الزمن، إذ كانت تؤدي وظيفة الإبلاغ والاستنفار المجتمعي بصورة سريعة، وتسهم في حشد الجيران والأهالي للمساعدة والسيطرة على الحدث الطارئ.

أما «الناعبي» فهو ظاهرة إعلامية شعبية أخرى تؤدي وظيفة مشابهة من حيث الإبلاغ والتنبيه، وإن اختلفت في أسلوب الأداء وطبيعة المناسبة. ويتمثل في صوت يشبه النحيب أو العويل تطلقه المرأة عند وقوع مصاب جلل، كحالة وفاة طبيعية أو حادث قتل أو غير ذلك من الأحداث المؤلمة.

ويهدف هذا الصوت إلى إعلام الجيران والمحيط الاجتماعي بوقوع المصيبة، واستدعاء الناس للحضور والمواساة أو المساعدة عند الحاجة. ويأتي عادة بصيغ تعبيرية حزينة مثل: «يا عيبتي عيبتاه»، وهي عبارات تجمع بين الحزن والأسى وبين وظيفة الإخبار والتنبيه.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى «الناعبي» باعتباره شكلاً من أشكال الإعلام التقليدي القائم على الاتصال الصوتي المباشر، والذي يؤدي دوراً اجتماعياً وإخبارياً في آن واحد.

وعلى الرغم من التطور الهائل في وسائل الاتصال الحديثة، فإن بعض هذه الظواهر لا تزال حاضرة في عدد من البيئات الريفية والأحياء الشعبية، خصوصاً في الحالات الطارئة التي تتطلب استنفاراً سريعاً للمجتمع المحلي.

وتزخر الثقافة اليمنية بالعديد من الوسائل والظواهر الإعلامية التقليدية الأخرى التي تستحق الدراسة والتوثيق، لما تمثله من إرث ثقافي واجتماعي يعكس تاريخ المجتمع اليمني وأساليبه في التواصل والتكافل، وسنتناول بعضها تباعاً في مقالات لاحقة بإذن الله.

المصدر: مقابلة شخصية مع الشيخ عبدالإله الشغدري بتاريخ 21/6/2026م.

اقرأ أيضا:اقليم أرض الصومال مشروع الإمارات لإدخال إسرائيل إلى البحر الاحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى