اخبار محليةكتابات فكرية

الدكتور أحمد النهمي ستة أعوام من الغياب

الدكتور أحمد النهمي ستة أعوام من الغياب

د. أحمد جابر  

الاثنين 15 يونيو 2026-

ستة أعوام مضت على رحيل المفكر والأديب الدكتور أحمد النهمي، غير أن حضوره المتجذر في الذاكرة لم يغب، ولم تنطفئ آثارُه في النفوس. واستعادة ذكراه اليوم ليست من باب اجترار الحزن أو استدرار الدموع؛ فالوطن المثقل بالجراح كفيل بأن يجعل أبناءه يذرفون الدمع في كل حين، إذ تتوالى الفواجع وتتراكم الخيبات، ولا يلوح في الأفق سوى أملٍ نرجوه كما ترجو الأرضُ الجدباءُ غيثَ السماء.

نتذكر أحمد النهمي لأنه كان صوتاً للوطن منحازا لإنسانه وجغرافيته وكرامته في زمنٍ تشوهت فيه القيم، وغابت الحقائق، وتاهت الرؤى بين ضجيج الصراعات وتنازع المصالح. نستحضره اليوم لا لملء فراغ الذكرى بالكلمات والمراثي والقصائد، بل لأننا اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة النموذج الفريد الذي مثّله في الفكر والثقافة والمواقف المتعددة.

عرفت الدكتور النهمي عن قرب، وكان لي صداقة معه امتدت لسنوات، اطلعت خلالها على كثير من سيرته النبيلة وكتاباته وقصائده، فوجدتها جميعاً منحازة للوطن والإنسان وقيم المدنية والتعايش. وكان يردد دائماً مقولةً ينسبها إلى الراحل الدكتور أحمد شرف الدين: «إذا أردت وطناً لائقاً بك، فلا بد أن يكون لائقاً بخصمك أيضاً». وهي عبارة تختزل فلسفته العميقة في الحوار والنهج في الشراكة المجتمعية وقبول الآخر، وتعكس إيمانه الراسخ بالدولة المدنية التي ظل يحلم بها ويدافع عنها. وكانت مقالاته المنشورة في الصحف والمجلات تحمل بذور مشروع تنويري سعى بإخلاص إلى ترسيخه والدعوة إليه.

أما أحمد النهمي الشاعر، فكان صاحب رؤية فلسفية عميقة تتجلى في شعره كما تتجلى في فكره. استطاع أن يمزج بين جمال اللغة وعمق الدلالة، وأن ينسج صوراً شعرية آسرة تلامس العقل والوجدان معاً. ويُعد ديوانه الشعري نموذجاً مميزاً للشعرية اليمنية الحديثة التي أفادت من مدارس أدبية متعددة دون أن تنغلق في إطار مدرسة واحدة. وقد بدا في كثير من نصوصه امتداداً واعياً لتجربة البردوني، مع احتفاظه بصوته الخاص ورؤيته المستقلة، بعيداً عن الإفراط الذي أوقع بعض دعاة الحداثة في القطيعة مع التراث ومع روح اللغة العربية وجمالياتها الأصيلة.

وتتجلى فرادة تجربته في ذلك الأسلوب السهل الممتنع الذي يميز قصائده؛ ذات اللغةٌ الرشيقة، والصور المدهشة، والإيقاعٌ الذي يأسر القارئ أما الناقد فيه، فقد كان صورةً للعقل النقدي المسؤول الذي يؤمن بأن النقد فعل بناء لا معول هدم. وعلى خلاف كثير من النقاد، لم يكن متعالياً ولا جارحاً، بل كان يأخذ بيد المبدع، ويشير إلى مواطن الخلل بلطف العالم ورفق المربي. وأذكر أنني كثيراً ما كنت أرسل إليه ما أكتب من قصائد، أو أنشرها مترقباً ملاحظاته وتعليقاته الرصينة، التي كان لها أثر كبير في تشجيعي وتحفيزي على كتابة الشعر.

رحم الله الدكتور أحمد النهمي، فقد كان واحداً من الأصوات الثقافية والسياسية التي تركت أثراً يتجاوز حدود العمر القصير. وها نحن نستعيد ذكراه بعد ستة أعوام من الرحيل، وما يزال وجع الفقد حاضراً في النفوس، وما تزال سيرته شاهدةً على أن الكلمة النبيلة والفكر المستنير قادران على البقاء، يصدق فيه قول الشاعر

قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ

وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ

  • د. أحمد جابر رئيس قسم اللغة العربية كلية التربية جامعة ذمار

اقرأ أيضا:سلطان: برحيل الدكتور النهمي خسر اليمن مثقفا وشاعرا ومصلحا اجتماعيا وانسانا غيورا على وطنه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى