كتابات فكرية

كلية بلقيس في ذاكرة طالب

 كلية بلقيس في ذاكرة طالب

  الأستاذ قادري أحمد حيدر يروي لعبد الحليم سيف ذكرياته عن كلية بلقيس في الشيخ عثمان عدن (3-1)

  • قادري أحمد حيدر

الأربعاء 25 مارس 2026-

الإهداء:

إلى الصديق زميل الدراسة الصحافي والكاتب والباحث عبد الحليم سيف، صاحب فكرة إجراء هذا اللقاء.

لروحك السلام أيها الجميل والكبير حليم.

هذه المادة كتبت استجابة لأسئلة شاملة عن “كلية بلقيس” لتكون مشروع كتاب بحثي وتوثيقي، كان هاجساً يشغل ذهن زميل الدراسة الابتدائية، الكاتب والباحث، عبد الحليم سيف. والعرض الوارد هو إجابة على الأسئلة العديدة التي طرحها الأستاذ القدير/ عبد الحليم، قبل أن يختاره الله إلى جواره بحوالي ثلاث سنوات ونصف أو أكثر، على مجموعة واسعة من طلاب مدرسة “كلية بلقيس”، وعلى بعض أساتذة الكلية الذين ما يزالون على قيد الحياة. فله الفضل بالمعنيين:

 الأول الاهتمام بالتوثيق لهذه المدرسة الوطنية الرائدة التي لم يتحدث عنها سوى القلة، رغم عظمة وجلال دور هذه المدرسة في حياتنا التعليمية والثقافية والسياسية والوطنية، التي ما يزال الكثير من معانيها وتفاصيلها مخبوءاً في صدور من أنشأوها، وضاعت الكثير من الحقائق البسيطة والمهمة حول إنشاء الكلية مع رحيلهم.

 والمعنى الثاني، أن الأستاذ/ زميل دراستي من أول سنة للالتحاق بكلية بلقيس عبد الحليم، شحذ همم البعض لتذكر ما يستطيع تذكره عن حياته كطالب في هذه الكلية/ المدرسة. وأتمنى من الجميع الإسهام بدورهم في ذلك: طلاباً وأساتذة، ومهتمين، للكتابة عن هذا الصرح التعليمي والثقافي والوطني الكبير: “كلية بلقيس بيتنا الثاني، واليمن أول بيت يا إخواني”، وهو نشيد الكلية.

واليوم وبعد رحيله الفاجع والقاسي على النفس والعقل، أرى أن يبادر جميع من توجه إليهم الصديق الراحل من الطلاب والأساتذة إلى المبادرة في كتابة ردودهم أو إجاباتهم على أسئلته، المتضمنة في هذا الحوار الذاتي الشامل، (الخاص والعام)، وهي أسئلة لجميع الطلاب، والأساتذة الكرام، تكريماً وتخليداً لاسم الراحل الكبير والصحافي الجليل عبد الحليم سيف. وهي أسئلة وإجابات تستهدف التوثيق لمرحلة هامة من تاريخ التعليم والمدرسة في صورة دور كلية بلقيس.

علماً أن الصديق الراحل كان يحلم بإخراج ذلك في كتاب توثيقي، واسع وشامل، فقد جمع لهذا الهدف والغرض الكثير من الوثائق ومن الصور المتصلة بكلية بلقيس، إلى جانب المقابلات التي كان يشير إلى أنه يجد صعوبة في التواصل مع الكثيرين من الأساتذة والطلاب، فضلاً عن محاولته تجميع كل ما كتب عن كلية بلقيس من المصادر المختلفة.

ونشري لهذه المقابلة كما هي، ليس سوى دعوة وتحفيز لجميع المعنيين بالمشاركة في إنجاح جهد الصديق الأستاذ/ عبد الحليم في إخراج هذا الكتاب باعتباره جهده وحلمه الذي كرس فترة طويلة من عمره لإنجازه، ورحل قبل أن يكتمل حلمه برؤية الكتاب/ الوثيقة والتاريخ، ومواده محفوظة في أرشيفه لدى أسرته الكريمة الذين أتمنى عليهم مواصلة ما بدأه بالتعاون مع جميع المعنيين والمهتمين ليكون بمثابة تكريم له بعد رحيله. وإليكم نص المقابلة في محتواها أو معناها العام، مع أنها موزعة بالنص على جميع المعنيين.

  • البداية:

كانت مع أول سنة للتسجيل للدراسة في “كلية بلقيس” في أكتوبر من عام 1961م، للالتحاق بالتعليم الابتدائي الذي حرمت منه –كغيري- من أبناء الشمال، ومن أبناء المحميات في جنوب البلاد الذين كان النظام الاستعماري البريطاني يمنع التحاقهم بالمدارس الحكومية بحكم الإدارة السياسية الاستعمارية لتجزئة جنوب البلاد إلى أكثر من تقسيم إداري، سياسي، جغرافي، وديمغرافي، لوضع حواجز مفتعلة بين أبناء جنوب البلاد.

وهو السبب الذي جعل “رابطة أبناء الجنوب العربي” تعلن عن نفسها في ذلك الحين، باتجاه التأسيس لحزب/ رابطة تضم جميع أبناء الجنوب، بل وبالحديث عن دولة “الجنوب العربي”، ضداً على “الجمعية العدنية” الداعية لشعار “عدن للعدنيين” والحكم الذاتي لعدن، ورفضاً للسياسة الاستعمارية لتقسيم جنوب البلاد إلى ثلاثة كيانات تتبع المستعمر.

 وهو ذاته وبصورة أعمق وأوسع وطنياً ما أعلنته الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية/ الماركسية: حزب البعث، حركة القوميين العرب، و”الجبهة الوطنية المتحدة”، والجماعة الماركسية المبكرة بقيادة المناضل والمفكر عبد الله عبد الرزاق باذيب، و”حزب الشعب الاشتراكي”.

وكانت المصادفة أن الدعم المالي لبناء “كلية بلقيس” جاء أو بدأ من رجال أعمال من منطقة “أديم” ومن رجال أعمال من كل اليمن، شمالاً وجنوباً، وإن جهد الدعم المالي الأكبر جاء من أبناء تعز، وهو ما يشير إليه الأستاذ/ حسين علي الحبيشي، عميد كلية بلقيس، وما أشار إليه كذلك الأستاذ/ فضل ردمان أحد الطلبة والأساتذة بعد ذلك في “كلية بلقيس” الذي ساهم في إدارة الكلية حتى العام 1974م. فقطعة الأرض التي أشيدت عليها المدرسة الأهلية “كلية بلقيس” هي تبرع من رجل الأعمال المقاول الأستاذ/ سلام علي ثابت الأديمي، رحمه الله، وهو ما سمعته من الأستاذ القدير سعيد قائد المقطري، مشرف الكلية العام، ومن ابنه د. صائب سلام علي ثابت، ومن بعض الإخوة. وهو سلام علي ذاته الذي وقف في صف ثورة 26 سبتمبر 1962م منذ أول لحظة –أسبوع- لقيامها، وسخر كل إمكانياته “المؤسسة اليمنية للتجارة والمقاولات” لدعم الثورة، حتى سُجن مع المقاول/ أحمد شمسان عون الأديمي، بعد أحداث 23-24 أغسطس 1968م، في سجن “القلعة”. وهي نفس الفترة التي سجن فيها الرأسمالي الوطني الجمهوري عبد الغني مطهر.

فقد كان هناك دعم سخي من رجال الأعمال العاملين في المقاولات والتجارة في بناء كلية بلقيس، مثل الأستاذ الوالد شمسان عون، الذي تبوأ منصب رئيس المجلس التعليمي للكلية، وأحمد حيدر ثابت الأديمي، وعبد القادر أحمد علوان، وأحمد عبده ناشر، وعبد الغني مطهر عبده العريفي، ومن محمد شعلان، إلى جانب رموز من الرأسمال الوطني في جنوب البلاد، ومجموعة أخرى من المساهمين لا أتذكر أسماءهم.

وهناك من ساهموا سراً من أبناء جنوب اليمن، دون أن يعلنوا –بعضهم- عن أسمائهم، وهناك أسماء كثيرة سياسية واجتماعية تقف مع إنشاء “كلية بلقيس” لا يتسع المجال لذكرهم.

وكما أشرت، فإن الدعم المالي في الغالب الأعم كان من تجار وحتى من العمال العاملين في عدن من أبناء مدينة “تعز”. وهذه حقيقة تاريخية ليس فيها شبهة تحيز قروي/ مناطقي، وهو امتداد للدعم المالي والسياسي لأبناء هذه المنطقة “تعز” لحركة الأحرار الدستوريين منذ مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، وهو ذات التوجه لدعم وإنشاء ذلك الصرح التعليمي الخالد، “كلية بلقيس”. وكانت الفكرة في إنشاء كلية بلقيس للأستاذ الرائد رجل التنوير/ أحمد محمد نعمان، الذي طرح وتبنى الفكرة منذ اللحظة الأولى، وتابع مسيرة الدعم المالي لبناء “كلية بلقيس”، وهو ما سمعته من الوالد الأستاذ المقاول/ أحمد شمسان عون ومن والدي نفسه، طبعاً إلى جانب العديد من الرجال الأبطال الذين صاروا أساتذة في المدرسة/ الكلية. وبفضلهم جميعاً فتحت “كلية بلقيس” أبوابها أمام جميع اليمنيين من الشمال والجنوب، وبرسوم دراسية زهيدة، رسوم رمزية يقدر عليها جميع فئات وطبقات أبناء الشعب، وبمستوى تعليمي يقارن بمستوى مناهج وإدارة التعليم في المدارس العربية (مصر، سوريا، لبنان، تونس، العراق). رجال أعمال من تجار في مختلف المجالات، ومقاولين، هم حقاً رموز الرأسمالية الوطنية اليمنية، تحركوا ليس من منطلق عصبوي قروي “تعاوني” لحفر بئر في القرية، أو تعبيد طريق ليسهل حركة مرور أبناء القرية/ المنطقة، -مع أهمية ذلك- بل اتجهوا توجهاً أعمق وأشمل لإنشاء صرح تعليمي ثقافي تنويري كبير، وبرؤية وطنية واسعة تستوعب جميع أبناء اليمن، وانطلاقاً من مدينة المدن، عدن.

وللأستاذ النعمان يعود الفضل في اختيار الأستاذ/ حسين علي الحبيشي ليدير هذا الصرح، والذي بدوره وبمكانته استدعى الكثير من الأسماء ليشاركوا إلى جانبه في إدارة هذا الصرح التعليمي الجبار. وكان من أساتذة كلية بلقيس، كرموز وأمثلة وليس للحصر: محمد أنعم غالب، أحمد حسين المروني، عبد العزيز عبد الغني، الشاعر الكبير صالح نصيب، كما درس فيها كذلك علي باذيب، وأبو بكر باذيب.

وكان المنهج الدراسي المعمول به في “كلية بلقيس” هو المنهج التعليمي العراقي، والذي كان في حينه من أرقى مستويات التعليم في الوطن العربي، إلى جانب تطعيم المنهج منذ بداية الدراسة في الكلية بمواد من المنهج التعليمي المصري في مواد مختلفة، وبقي المنهج للمواد التاريخية والوطنية والاجتماعية يمنياً خالصاً أشرف عليه الأساتذة اليمنيون بأنفسهم، وهو ما سمعته لاحقاً من الأستاذ عميد الكلية حسين علي الحبيشي، ومن الأستاذ القدير عبد الله فاضل فارع، وهو كذلك ما أشار إليه الأستاذ/ فضل ردمان في مقابلة له لصحيفة “الثورة”/ صنعاء أجراها معه أحد طلاب الكلية حين فتحت، الأستاذ الراحل/ عبد الحليم سيف.

نزلتُ عدن وعمري ثلاث سنوات ونصف، هي عمر الطفولة الباكرة الأولى، وبعد وصولي سن التعليم الابتدائي، التحقت مع أخي الأصغر سعيد بـ “كُتّاب” مسجد في منطقة أو حارة “الهاشمي” في “الشيخ عثمان”، وبعدها كنت ولفترة قصيرة جداً في كُتّاب/ مسجد في منطقة “الشيخ الدويل”، وبعدها في “كُتّاب” مسجد الإمام أحمد وهو مسجد في منطقة “القاهرة” في “الشيخ عثمان”. في النصف الثاني من خمسينيات القرن المنصرم، أجدت خلالها القراءة والكتابة وأنا خارج التعليم الرسمي النظامي بصورة مقبولة نسبياً، وكنت كاتب رسائل معظم أهل القرية في الحارة وفي المنطقة من الأهل إلى أسرهم في القرية، وأتحصل مقابل ذلك على بعض “العانات” (مفردها “عانة” وهي من أقسام العملة الهندية “الروبية” التي كانت تستعمل في عدن)، لقاء الإجادة في التعبير عما يودون بثه وقوله من هموم وشجون إلى أسرهم.

تركت القرية في العام 1954م أو بداية 1955م، لا أتذكر شيئاً محدداً وواضحاً عالقاً في الذهن سوى بعض تخيلات الطفولة التي أكل الدهر عليها ومحا بعض تفاصيلها الزمن بحكم صغر السن ومتاعب الرحيل في الزمن.. ثلاث سنوات لا تجعلك قادراً على التذكر كما يجب. الصور العالقة في الذهن/ الذاكرة، لا تتعدى صور بعض زملاء ورفاق ذلك العمر، الذين كانت علاقتي بهم تتجدد مع السفر إلى القرية في بعض سنوات الإجازة الدراسية وأنا طالب في عدن، وكذا صور الدار الكبير لأجدادي ووالدي، الدار الذي عشنا فيه، وكذا دور “منازل” أعمامي وبقية الأهل. وعلى ذلك فإنني أعتبر نفسي أحد أبناء عدن في تلك الفترة، لكن بدون “مَخْلَقَة” أو “سُكُونِيَة” أي شهادة ميلاد، فأنا شخصياً أعتبر نفسي وجدانياً أحد أبنائها تربية ونشأة ومحبة وشوقاً إليها؛ إلى حنانها ودفء حنوها على من دخلها أو أقام فيها ولو لفترة قصيرة، فهي مدينة المدن التي لم تفرق بين سكانها من أي مكان قدموا، مدينة تجبرك على الانتماء والولاء لها ولكل اليمن، كما هو حالها اليوم وفي كل الأوقات، فهي – عدن – تعيد تربية وصياغة وجدان الناس فيها (ساكنيها)، روحياً وثقافياً وسيكولوجياً على المحبة والتسامح والقبول بالآخر، وجعلها للسلام المجتمعي والإنساني عنواناً لها.

في أواخر العام 1964م، بدأت تتوسع الأعمال المسلحة ضد الاستعمار البريطاني، وفي العام 1965م غادرت مع والدي عدن إلى صنعاء، وكان الوالد بذلك يبعدني عن المدينة عدن بسبب مشاكساتي ومشاغباتي والمشاكل التي كنت أجلبها للأسرة سواء وأنا في المدرسة كلية بلقيس أو مع الأولاد في الحارة في غياب الوالد عن المنزل. ذلك أن عمله في ذلك الوقت كان في صنعاء حيث كان يشرف على بناء بعض الأعمال العمرانية، بما فيها لاحقاً إشرافه على بناء “المستشفى العسكري”، وكان هدية من دولة المجر الاشتراكية. وكان قراره بأخذي معه من عدن إلى صنعاء بعد احتجاز مجموعة من طلاب “كلية بلقيس” بعد مظاهرة كبيرة، حُجز خلالها الكبار في السجن في قسم شرطة الشيخ عثمان “الشوكي”، وتم إيداعي مع ثلاثة من الطلاب الصغار في السن في “إصلاحية الأحداث” خلف مبنى كلية بلقيس لمدة نصف شهر. اتصلت وأنا أكتب هذه الذكريات بزميليّ في الحجز في إصلاحية الأحداث للموافقة لذكر اسميهما، فرحبا على مضض أو بنصف موافقة، فعزفت عن ذكرهما، أما رابعنا فقد توفاه الله من حوالي سنة من إجراء هذه المقابلة وليس من حقي ذكره وقد لا يريح ذلك أولاده، مع أنه أمر لا يعيب إن لم يكن مصدر اعتزاز. وبعد حادثة الحجز في الإصلاحية، وجد الوالد بعدها في هذه الحادثة حالة خطيرة وغير مبشرة، فقد اتهمت المجموعة بأنها “مخربة” تحت تهم مختلفة منها: أنها فجرت مواسير المياه، طبعاً ليغسل المتظاهرون عيونهم بالماء من كثافة إطلاق مسيلات الدموع، إلى جانب تهمة إتلاف الأملاك العامة، ومن أنهم بأعمالهم التخريبية ساعدوا على سرقة المحلات العامة في الشيخ عثمان/ مسجد النور بسبب فوضى التظاهر. وكان حكم القاضي “سلول” (وهو من أصل هندي) ببراءة الجميع وإيداعهم الإصلاحية لنصف شهر. وحينها غادرت إلى صنعاء، ولكنني لم أستطع التكيف مع الأجواء الاجتماعية والمناخ العام الذي كانت تضج به صنعاء ومظاهر القبائل المسلحة، وبسبب المشاكل والصراعات الطفولية مع أولاد الحارة حيث كنا نسكن في مبنى في حي “شعوب” باب اليمن يتبع أو هو ملكية للوالد سلام علي ثابت، وكان أولاد الحارة يعتبرونني ومن يسكن في المبنى بأننا غرباء/ “لغالغة” “مخرجي”، ولم أستطع التكيف مع هكذا أجواء كلها توتر ومشاكل وأنا بطبيعتي مشاغب ولا أسكت على الباطل. لم أمكث في صنعاء حينها سوى شهر أو أكثر قليلاً، غادرت بعدها إلى مدينة الحديدة للالتحاق بأعمامي وأبناء عمومتي والكثير من الأهل هناك، لاستكمال دراسة نهاية الابتدائية والإعدادية والثانوية، حتى انتقالي إلى جامعة صنعاء ضمن الدفع الأولى الملتحقة بالجامعة.

عدن هي مدينتي البكر، المدينة (الأم)، المدينة التي تخلقت فيها صبواتنا الأولى اجتماعياً وثقافياً ووجدانياً وفنياً وحياتياً.. وصولك إلى عدن من أية قرية أو جهة يمنية في شمال البلاد أو من جنوبه (المحميات)، كان يعني نقلة مدنية حضارية، انتقالاً من الريف للمدينة المعاصرة.. فسحة أكبر من الحياة ومن العلاقات والصداقات. كان الانتقال إلى عدن قطعاً لقاء دهشة وانبهار، “صدمة حداثة”، لقاء تعرف بالمدينة بمعناها الحقيقي واكتشاف لأسرارها، إنها “عالم جديد”، والأهم أنها لحظة اكتشاف للذات، لقاء حياة استمرت لسنوات طويلة من العام 1954م/ 1955م إلى العام 1965م، هي سنوات ما تزال حاضرة في خارطة العقل الاجتماعي والثقافي والسياسي والنفسي لمعظم أبناء جيلي.. عدن هي المدينة التي عرفنا من خلالها المعنى الأولي للسياسة والثقافة والفن، والمظاهرات والإضرابات، واغتيالات المخبرين من قبل الفدائيين، وحملات التفتيش للمنازل المشتبهة بموالاة الفدائيين من “الجبهة القومية”.

 عدن مقاتلة المستعمر وأعوانه، عدن المدنية والتسامح والحوار، عدن هي بؤرة انطلاق فكرة الكفاح المسلح والثورة بعد “ردفان”. عدن فيها الطفولة الباكرة والجميلة بكل تشعباتها، وفيها كانت البدايات الأولى للمراهقة السياسية، والعلاقة الاجتماعية/ الإنسانية المفتوحة بالأصدقاء، وبالمرأة الزميلة في الحي.

عشت في البداية في “الشيخ الدويل” لفترة قصيرة جداً، ثم في “حافة الهاشمي” نهاية النصف الثاني من الخمسينيات، وفي بداية الستينيات انتقلنا إلى حي “القاهرة” في الشيخ عثمان، ومنها تعرفت على كل شوارع وأحياء ومناطق عدن.

التحقت بالدراسة في “كلية بلقيس” في أول سنة لافتتاحها، كنا أول دفعة تلتحق بالدراسة في الكلية في 16 أكتوبر سنة 1961م، دخلت الصف الثاني الابتدائي وعمري يزيد على العاشرة. وحين كنا نسأل الوالد لماذا كل أولاد الحارة أو معظمهم يذهبون إلى المدارس صباحاً أو مساءً إلا نحن ومعنا بعض الأولاد من الأهل، كان يقول: قريباً ستدخلون المدرسة مثلهم. كان يتحدث بثقة ويشير ضمنياً إلى مدرسة “كلية بلقيس”، فقد كان يشرف تطوعاً ضمن مجموعة من المشرفين على بناء المدرسة، وكان يطلق عليه بالاصطلاح الإنجليزي “مستري”، وكان يشيد بالمدرسة كمبنى كبير يُجهز ليستوعب الأولاد “الأطفال” المحرومين من الالتحاق بالصفوف الدراسية الرسمية ويصبرنا على حرماننا من الالتحاق بالمدرسة. وكنا في انتظار لذلك الوعد المفرح والمبشر بحياة جديدة.. فالمدارس الأهلية للطلاب الصغار كانت بعيدة عن سكننا، وهي عموماً قليلة جداً. التحقت وأخي سعيد بـ “كلية بلقيس” لأننا لم نجد مدرسة أهلية قريبة من سكن الأسرة تسمح لنا بالالتحاق بها للدراسة، ولأن كل المدارس القريبة من سكن الأسرة والمنتشرة في المنطقة حكومية وممنوع علينا الالتحاق بها –كما سبقت الإشارة- والغريب العجيب أن بعض الأولاد من الأهل الأصغر مني في العمر كانوا قد سبقوني بالالتحاق بالدراسة “النظامية” الحكومية لأن لديهم “سكونية أو مخلقة” من إدارة البلدية البريطانية باعتبارهم من مواليد عدن.

في أول ذهاب لنا إلى المدرسة أنا وأخي سعيد الأصغر مني، اكتشفنا عالماً خيالياً جديداً، مئات من الطلبة يتحركون من اتجاهات مختلفة إلى المدرسة، وهناك من يصلون إليها عبر سيارات أسرهم، ومن يستأجرون سيارات أجرة لنقل أولادهم، وكنت وأخي سعيد ممن نصل إلى المدرسة عبر سيارة أجرة. فالمدرسة “كلية بلقيس” كانت عنواناً لعلاقتنا بالعالم الجديد، بالدروس التعليمية الحديثة، وبمواد دراسية مختلفة غير ما كنا نتعلمه في كُتّاب المسجد “المعلامة”؛ أشكال كتب مدرسية جديدة في شكلها وحديثة في معناها ومشجعة على الإقبال على المدرسة وبمحتويات معرفية وتعليمية لم نعهدها ونتعرف عليها من قبل، ناهيك عن شرط الزي المدرسي الكامل والمرتب، بزيه المحدد باللون “الأخضر”، والسروال القصير الكاكي وطريقة ارتداء الزي المدرسي، حتى حذاء المدرسة الخاص الذي يجب أن يكون أبيض ونظيفاً في كل يوم. ومن زملائي في “كلية بلقيس”: فؤاد السيد عبد الرحمن المقطري (وكيل ومدير للمدرسة الأهلية “صنعاء”)، وعبد الله عثمان الحكيمي (وكيل مدرسة التعليم الفني “الصينية” – صنعاء)، وعبد الباري أحمد علي (دكتور مسالك)، وعبد الواحد نعمان الأديمي (مهندس نفط – وزارة النفط)، د. عبد القادر الحصيني (عميد أو رئيس كلية في منطقة التربة)، محمد المقطري (شاعر ومدرس في المدرسة الأهلية) … إلخ.

إلى الحلقة الثانية:

اقرأ أيضا: العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.. حتى لا نفقد بوصلة الرؤية (2-2)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى