هل المساواة في الظلم عدالة؟!

هل المساواة في الظلم عدالة؟!
د. رياض الصفواني
الأربعاء 4 فبراير 2026-
ثمة أمثال ومقولات تتردد في حياتنا اليومية بتلقائية، وكأنها حقائق وقواعد ثابتة، منها مقولة “المساواة في الظلم عدالة”. وقبل أن نتبين هذه المقولة، يجدر بنا أن نتوقف برهةً أمام ثنائية: الظلم والعدالة، كمفهومين ينطوي كلٌ منهما على معانٍ، هي أكثر من أن تحصى، وإن بدا شرح أي معنى من معانيهما الكثيرة من قبيل تعريف المعرَّف، أو لزوم ما لا يلزم، ولكن لا بأس إن اقتضى السياق. فمن معاني الظلم وفق موسوعة الأخلاق والسلوك: أنه الجُور، ومجاوزة الحد والميْل عن القصد، وأخذ حق الغير، يقال: ظلَمهُ يظلمُهُ ظَلماً وظُلماً ومظلَمَة. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأخذ المرء ما ليس له. وقيل هو التعدي عن الحق إلى الباطل. وقيل هو: التصرف في مِلك الغير.
ويشمل هذا على سبيل المثال: عدم تقدير الكفاءات من الناس وتهميشها ووضع غير الكفؤ في مكان الكفؤ عند شغل موقع ما في الشأن العام، أو الخاص، أو حتى على مستوى إدارة شؤون الأسرة والجماعات والمجتمعات الصغيرة، ولنا أن نستشرف الأثر والعاقبة لهذا السلوك غير العادل.
أما العدالة، فمن معانيها الكثيرة وفق الموسوعة العقدية: “أنها صفة توجِب مراعاتها الاحتراز عما يُخِل بالمروءة عادةً، والعدل من الناس: المَرْضي المستوي الطريقة، وأصل عدل يدل على استواء”. ومن العدل إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع كل شيء موضعه.
وفقاً لما سبق، فإن مقولة “المساواة في الظلم عدالة” لا أساس لها من الصحة، ولا أصل حقيقي لها من دين أو شرع أو قانون أو عُرف أو منطق، وليست قاعدة يُبنى عليها، وإن ظن ظانٌ خلاف ذلك. وهي تعني أن تطبيق الظلم على الجميع بنفس القدر يعد نوعاً من العدالة. بمعنى إذا كان الجميع سيتعرضون للظلم بنفس الطريقة، فإن ذلك يعني نوعاً من المساواة والعدالة.
والواقع أنه لا يوجد شيء اسمه المساواة في الظلم عدالة، فالعدل عدل والظلم ظلم، والظلم ظلمات، والتمادي في الظلم ظلم. فبسبب الظلم اهتزت عروش، وخارت قوى، وانهارت دول، وتفتت مجتمعات، وتمزقت أسر. فالظلم “مؤذن بخراب العمران البشري” وفق ابن خلدون. ونقيضه العدل، وهو على المستوى السياسي أساس الحكم، يقول الله تعالى: {ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل} سورة ص، آية ٢٦. ولأن الظلم رذيلة والعدل فضيلة، فإنهما لا يلتقيان، وكلٌ منهما نقيض للآخر، ومن ثم فإن مقولة “المساواة في الظلم عدالة” تسيء للعدالة، وتنال من حُرمتها وسمو قدرها، وحينما تتداولها الألسن فإن ذلك يتم في الغالب دون قصد ودون إدراك حقيقي لمعناها.
فكيف لراعٍ مسؤول عن رعيته، بالمعنى الفقهي التقليدي (للراعي والرعية) أو بمفهوم (المواطنة) الحديث، أكان مسؤولاً عن دولة أو مجتمع أو قبيلة أو أسرة أو منطقة أو حزب أو جماعة أن يمارس الظلم الذي حرمه الله على ذاته العليَّة وجعله بين عباده محرماً ثم نَصِف ذلك بموثوقية أنه عدالة، فأي منطق هذا؟!
ولماذا يسلك المسؤول سبيل الظلم وينحو منحى الظالم، والأصل أن يسوس محكومية بالعدل، وأن يضع نفسه على مسافة واحدة من الجميع؟!
بالطبع، ثمة أسباب تكمن خلف مقولة “المساواة في الظلم عدالة”، منها على وجه التقريب:
١. الغموض الذي قد يعتري مفهوم العدالة: إذ يعتقد البعض أن العدالة تعني المساواة في المعاملة، بغض النظر عن نوعية هذه المعاملة.
٢. الرغبة في الحفاظ على الوضع الراهن: فقد يفضل البعض الحفاظ على الوضع الراهن، حتى لو كان ظالماً، لتجنب التغيير والاضطرابات التي قد تنجم عن تطبيق العدالة الحقيقية.
٣. التأثير الثقافي والاجتماعي: قد يكون مفهوم “المساواة في الظلم عدالة” متأثراً بالثقافة والاجتماع، حيث يتم تعليم الأفراد أن المساواة في المعاملة هي الأهم، بغض النظر عن نوعية هذه المعاملة.
٤. الخوف من المسؤولية: قد يخشى البعض من تحمل المسؤولية عن تطبيق العدالة الحقيقية، لذلك يفضلون تطبيق الظلم على الجميع بنفس الطريقة، لتجنب تحمل المسؤولية.
٥. قد يعتقد البعض بأن الظلم هو الواقع، وأن العدالة الحقيقية هي مجرد حلم بعيد المنال. لذلك يفضلون تطبيق الظلم على الجميع بنفس الطريقة، لأنهم يعتقدون أن ذلك هو الواقع.
وبناءً على ما تقدم، فإن مظاهر الظلم وشواهده في واقعنا كثيرة، يصعب حصرها، ومقولة “المساواة في الظلم عدالة” تناقض نفسها وتدحض بعضها بعضاً، فلا شرعية حقيقية لها ولا منطق يسندها، فإذا كانت هناك سياسة ظالمة تؤثر على الجميع بنفس القدر، فإن ذلك لا يعد حلاً، بل يجب مراجعة هذه السياسة والعمل على تغييرها وتحقيق العدالة الحقيقية.
اقرأ أيضا: مناقشة مقال: “عولمة الفوضى الخناقة” للقاضي عبد العزيز البغدادي





