هل هو قدرنا أم لعنة الجغرافيا؟

هل هو قدرنا أم لعنة الجغرافيا؟
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الاثنين 26 يناير 2026
تحتل اليمن موقع جغرافي في غاية الأهمية لبعده الجيوسياسي، والاستراتيجي، وهذا جعل منها محل أنظار العالم كونها بوابة تشرف على أهم الممرات المائية في العالم، التي تمر منها التجارة العالمية، حيال ذلك بتنا لا نعرف مدى خطورة هذا الموقع، الذي طالما جلب لنا الحنق والحسد من بعض جيراننا الصهاينة الذين وجدوا في هذه الرقعة الجغرافية، أرض بلا صاحب، ومع هذه المأساة لازال بعض بني جلدتنا يتنمر على ابناء بلدة بحجة الاحتلال في ترهة عفى عليها الزمن، إلا أن هذا النفس وجد من يغذيه، لاسيما من قبل بعض الطارئين على الخريطة الجغرافية بهدف تغيير قدرنا، بصورة تجعلنا نلعن الجغرافيا التي قدر لنا العيش فيها، في صميم هذه الدوامة نجد أن جميعاً كيمنيين في الشمال والجنوب غير مكترثين بما وصلنا إليه من مأسي، بصورة تجعلنا نتسأل ما لذي حل بنا؟ هل هو قدرنا أم لعنة الجغرافيا التي غدت مسار يؤرق حياة الشعب ويثقل كاهله، نتيجة تزاحم المصالح وانعدام الرؤيا الوطنية الجامعة التي توحد لا تفرق، وأمام هذه البوتقة القاتمة، من الجهل بالأطماع التي تحيطنا ينتاب المرء شعور محزن من كثرة الرغاء، وكمية الحقد الدفين لدى مجموعة من الموتورين المناطقيين أن جاز التعبير، من أخوتنا أبناء المناطق الجنوبية، ممن يرمي باللوم على أخوته من أبناء المناطق الشمالية، ووصفهم بأبشع الالفاظ مع أننا هنا لا ناقة لنا ولا جمل في ظلم أحد أو في منع مستقبل أين كان، وأنا هنا لا ادعي النرجسية والطهر، بأننا ابناء الشمال منزهين عن الخطأ، لا، بل هناك نتوءات من الطائفية المقيتة التي لا يمكن التعايش معها، لكنها لا تعبر عن رأي وأجماع غالبية ابناء الشمال، وهذه المعضلة يمكن تجاوزها عندما نجد معاً الدولة الحقيقية الضامنة.
بعيداً عن الترهات التي وقعنا بها بعد أن كنا لحمة واحده اعتقد أن كلانا في الشمال والجنوب، والشرق والغرب، لا يستطيع أن يحقق الأماني نتيجة ما حل وسيحل بنا فكلانا مسلوبي القرار والإرادة، والاستمرار في رمي التهم يميناً وشمالاً، مجرد مضيعة للوقت، بعيداً عن تحديد المشكلة، واقتراح الحلول المناسبة لها، فلا يمكن لعاقل أن يتهم شخص بعيداً عن منزله بأثارة الفوضى في الحي، والأمر لا يخلوا هنا من رمي الزجاج على قارعة الطريق ليس لشي بل لإعاقة الناس من المرور بسلام، وهنا دعني أتكلم بصورة أكثر صراحة، أن الشعب أصبح في عنق الزجاجة، يحتاج إلى حلول وليس تكرار المأسي التي تزيد حياتنا بئس وتبعدنا أكثر عن العيش بسلام وتصور حلول ناجعة تعالج واقعنا بعيداً عن الأقصى والتهميش، الذي لا فائدة منه إلا إعادة دورات العنف بشكل منتظم إلى واقعنا بين الفينة والأخرى، وكل نحتاجه هو فهم أكبر وأعمق لموقعنا الجغرافي، المتميز الذي جلب لنا الشر، بدون عي منا، بل أنه جعلنا نمشي في فلك الطامعون والطارئون، بصورة هادئة بدون أن نشعر بها، أملاً في الوصول إلى الاستقرار، بينما نحن في الحقيقية نسير نحو المجهول، وما نعيشه اليوم ليس إلا محصلة لطبيعة الجغرافيا التي ظلت لقرون خلت محل أطماع القوى الدولية والاقليمية المختلفة، وهذا الفهم الطبيعي للواقع يجعلنا قريبين من ابتكار الحلول التي تعالج مشاكلنا وتحفظ كرامتنا وتأسس واقع جديد يقوم على القبول بالأخر لقطع الطريق أمام مشاريع التمزيق الخفية التي قدمت من خارج الحدود لتعبث بالجغرافيا، بصورة مخالفة للقدر المكتوب علينا، وهذا الوعي الواقعي كفيل أن يحفظ للجميع من ابناء اليمن شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، حقوقهم وأخوتهم، بعيداً عن مصالح الاقلية المعبرة بنفس الاجنبي، التي تسوق الاتهامات بشكل لا طائل منه سوا نبش الاحقاد والضغائن بين الأخوة ابناء هذه الرقعة الجغرافية، التي قدر لنا العيش فيها، فلم يعد بمقدورنا البقاء في المنطقة الرمادية، أو الصمت عن قول الحقيقة، أمام هذا العبث الذي مزقنا، ونحن أخوةً وهذا حتماً قدرنا، واليمن تتسع للجميع بغض النظر عن الدين والمكان، فالوطن يحتاج جميع ابنائه، فحيا على السلام العادل والمنصف دون اقصاء لأحد على قاعدة أنت يمني ولك حق العيش الكريم مثل بقية خلق لله.
- بكيل محمد الكليبي – رئيس قسم الإعلام – جامعة ذمار
اقرأ أيضا: عبدالرقيب عبدالوهاب: بطل السبعين… وأول رئيس أركان تنتخبه وحدات الجيش





