كتابات فكرية

كيف نحمي عقولنا من حرب الشاشات الخفية؟

كيف نحمي عقولنا من حرب الشاشات الخفية؟

أحمد هاشم

الثلاثاء 13 يناير 2026-

نعيش اليوم في زمن تتدفق فيه الأخبار والصور والمعلومات إلينا من كل اتجاه. ليست كلها بريئة، فبعضها يحمل سمومًا تُطلقها حروب جديدة لا تُخاض بالدبابات والطائرات، بل بالكلمات والصوت والصورة. إنها “الحرب الناعمة”، المعركة الخفية التي تستهدف أهم ما نملك: أفكارنا، وقناعاتنا، وتماسكنا كمجتمع واحد.

فما هي هذه الحرب بالضبط؟ ببساطة، هي محاولة طويلة الأمد وممنهجة من قوى خارجية أو داخلية معادية، للتأثير على مشاعرنا وتفكيرنا وسلوكنا دون أن نشعر. هدفها ليس تدمير البنى التحتية، بل تدمير الثقة: الثقة في الوطن، في القيادة، في تاريخنا، وفي بعضنا البعض. أدواتها هي الشاشات التي بين أيدينا، فمنصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحات معركة، تنتشر فيها الشائعات المُزيَّفة والأخبار الملفقة بسرعة النار في الهشيم. حتى الفن والدراما التي نشاهدها للترفيه قد تُستخدم أحيانًا كناقل خفيّ لقيم غريبة عنا، أو لتمجيد أنماط حياة تهدف لإضعاف ارتباطنا بهويتنا وثوابتنا الدينية والاجتماعية.

يكمن الخطر الحقيقي لهذه الحرب في أنها لا تأتي بصخب، بل تتسلل بهدوء. تقوم بزرع بذور الشك، وتعزيز الانقسامات الطائفية أو الاجتماعية، وتقديم نماذج مشوهة عن الوطن تُظهره وكأنه مكان بلا أمل. تلهي الشباب عن أحلامهم الكبيرة وطاقاتهم الإيجابية، وتغررهم بقضايا هامشية تفتت جهود الأمة.

إذن، كيف نواجه هذه العاصفة الإعلامية الخفية؟ المواجهة تبدأ من داخل كل بيت ومدرسة. فالأسرة والمؤسسات التعليمية هي خط الدفاع الأول. علينا أن نعلّم أبناءنا، منذ الصغر، كيف يفكرون نقديًا، كيف يسألون عن مصدر المعلومة قبل أن يصدقوها، وكيف يميزون بين الخبر والحقيقة. هذه “المناعة الفكرية” هي الدرع الواقي.

كما أن للإعلام الوطني دور محوري لا يقف عند حدود نقل الخبر. يجب أن يتحول إلى إعلام استباقي ذكي، يتحدث بلغة الشباب الجذابة، ويسابق الموجات المضادة إلى عقولهم وقلوبهم. عليه أن ينتج محتوى مشوقًا يعزز الفخر بالهوية، ويبرز إنجازات الوطن، ويجسد قيمه الجميلة. كما يجب أن يكون سريعًا في كشف الشائعات وتفكيكها، كمن يطفئ الحريق قبل أن ينتشر.

ولا ننسى أن كل واحد منا جندي في هذه المعركة. كمواطنين، نملك سلاحًا قويًا: الوعي والمسؤولية. قبل أن نشارك منشورًا، علينا أن نتأكد. قبل أن نحكم على حدث، علينا أن نبحث عن الصورة الكاملة. يمكننا أيضًا أن نكون جنودًا بالمبادرة، عبر منصاتنا الشخصية، بنشر الخطاب الإيجابي وتعزيز ما يوحّدنا.

في النهاية، حماية عقولنا وقلوبنا ليست مهمة الحكومة أو الإعلام وحدهما. إنها مسؤولية جماعية. بالوعي، وبالوحدة، وبإعلام واعٍ وقوي، نستطيع أن نحول شاشاتنا من نوافذ للتأثير الخارجي إلى جدران واقية، ومنصات لنشر الأمل وبناء الغد. المعركة فكرية، والنصر يبدأ عندما نقرر أن نحمي أفكارنا بأنفسنا.

اقرأ أيضا للكاتب: من تدمر الى سيدني..هل تعيد المخابرات الاميركية تنظيم داعش الى الواجهة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى