عافية مؤجلة

عافية مؤجلة
د – عائشة عبد الله المزيجي
الأربعاء 10 ديسمبر 2025-
قيل ستهدى لي علبة طباشير، سأحتضن الماضي، وأنقب عن أسرار ثباته في قلوبنا. جهزت حنايا الروح لأسهر معها، أعدد أجيال تعطرت بما تناثر عليها من روح تلك الطباشير.
تلك الطباشير بقايا نفحات صدق، ما زالت تختبئ في خوالجنا إلى حين استدعائها، نفحات أيام العمل المتواصل من السبت حتى الخميس، واحتضان رشات الطباشير الأبيض والملون لرداء المعلمة وجاكت المعلم، اللذين تنظر روحاهما إلى السماء بعد خروجهما من الفصل، وقد مزج الإخلاص بدماء عروقهما، وفاحت البركة في المال والأهل والولد.
أشتاق تقبيل مسامات تلك الطباشير، نتذاكر معا بركة يوم الجمعة، يوم العطلة الوحيد للموظف والمعلم، يوم نسج بالبركة، فزار الموظف والمعلم الأهل والتقى الأصحاب وجالس الأبناء، ومارس ما يحب من هواية أو عادات سليمة، تزيد في عمره عمرا.
أتوق إلى لقاء تلك الطباشير، وأخاف معاتبتها، وقد هجر مستخدميها فن التجول في حنايا لغتنا العربية على ذلك اللوح الطيني أو أي لوح حديث البنية، هي لن تغار من كل تقدم، سواء أكان شاشة كتابة وعرض أم قلم اكتنز بألوان المداد. ستستنكر توافر جميع السبل لرسم ونقش جوانب لغتنا العربية على ألسنتنا، تمتلئ عافية وسلامة، تضم معانيها أروحنا فنستجلى آثار صحتها في واقعنا، في مكان عملنا، بين أهالينا في جلسات السمر، ستتفاجأ تلك الطباشير بانهيار أحرف اللغة وضياع المعاني، وغربة الوزن في يد من جعل الجيم دالا والباء ياء، على يد من تخرج في آخر المطاف، ولم تملكه قدراته كتابة عبارة شكر سليمة جزاء تكريمه المغلوط. تلك الطباشير لن تغار من أي تقنية حديثة، وقد اغتربت اللغة العربية على ألسنة أصحابها.
تلك الطباشير ستقاسمني الشوق إلى من يوقظ صحة الكتابة، وينحتها على أي لوح، يستنهض الحاضر والمستقبل بأصالة الماضي، ويفزر نتاج الصحة من العقول التي تغذت على يد شيخ أو معلم متقن، تغذت من كتب امتلأت صفحاتها بنقاء الفصاحة والبعد عن رجفة الأخطاء، وفاضت إلى الواقع، ناصعة البيان، قد غادرتها زلات اللسان إلى غير رجعة. فتكحلت أعين المارين بصحة صياغة الألواح أعلى المحلات التجارية، ورسائل كل فرد في كل وسائل التواصل الحديثة.
أخاف لقاء تلك الطباشير وما في الواقع تباشير قلم معافى، سوى القلة يمثلهم قلمي المتعثر أوقاتا، مع اعترافي بنقص اكتمال الإنسان.
إلى أن تحل أعوام سلامة اللغة، سأغلق أبوابي، سأنقل محل سكني إلى فضاء أمنية العودة وتغير لسان حال الواقع.
سأنقل اضطرارا محل وجودي، حتى تضل الطباشير طريق بحثها عني.
- – عائشة عبد الله المزيجي أستاذ النقد الحديث المساعد
اقرأ أيضا: سيف أحمد حيدر الإنسان.. رجل الحوار والسلام



