من يقود التأثير ومن المتأثر

من يقود التأثير ومن المتأثر
بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الاحد 5 أبريل 2026-
من البديهي أن يكون للأكاديمي أياً كانت بيئته، وقبيلته انتماء اجتماعي يعبر عنه وينتمي إليه، فهذه الأمور مسلم بها على أية حال، فالبعض إن لم يكن الجميع ينحدر من الريف، وليس هناك ثمة مانع يؤثر على هذه الخلفية مهما كانت التوجهات أين كانت، إلا أن أهم حقيقة يمكن التسليم بها هي العلم ونضوج الفكر، لديه فالدكتور مهما كان انتمائه، الاجتماعي، او انحداره الطبقي يظل ابن بيئته، لكن الشي المختلف هو نظرته، الحصيفة المبنية على التراكم الفكري والمعرفي، كماً وموضوعاً، في القضايا الاجتماعية التي تحيط به، ونظرته التحررية تجاه مجريات الأمور التي تحتاج منه أخذ ورد، وهذا لا يمنعه في طرح أفكاره وفق المسلمات التي اكتسبها خلال مشواره العلمي، لا وفق منهج البيئة التي ينحدر منها، لأن المعادلة تختل إن سار باتجاه تبني الخلفية البيئية التي جاء منها، لإن ذلك يعني أن حلقة التأثير الفكري، تظل تراوح مكانها وموضوعها، وهنا يكون التأثير سلبي، وما هو مأمول منه أن يقود التأثير الايجابي في المجتمع، لا أن يجيره القطيع ويؤثر عليه، وإلا ما فائدة أن يقضي الاستاذ الجامعي سنوات من الدراسة والبحث العلمي الرصين، إلا من أجل العودة لقيادة التغيير البناء المثمر في المجتمع لا العكس.
ومع ذلك ندرك مدى حجم الواقع الذي نعيشه، الذي يمنع النخب الأكاديمية من التأثير، نتيجة وجود خلل بنيوي في عقلية الإدارة، التي تدير البلد بدون وعي، وهذا السبب الحقيقي وراء تغييب الدور الحقيقي للجامعات، في خدمة المجتمع وقيادة نهضة فعلية تقود إلى تطوره وتحضره، وهذا يحتاج إلى رؤيا واضحة وخطة مدروسة نحن في أمس الحاجة إليها، لإزالة الكثير من الشوائب العالقة في أذهان الناس البسطاء، وهذا بطبيعة الحال جعل بعض الأكاديميين يخرج من بوتقة النضوج الفكري، نحو الانصهار الا واعي في البيئة الاجتماعية التي سبق أن خرج منها، لطلب العلم، وهذا التصرف يجعله يتقوقع خلف بعض العادات والتقاليد الموروثة، هروباً من المكانة العلمية التي بلغها، حتى يخلق له مكانة ومقام داخل المحيط القبلي الذي ينتمي إليه، بعيداً عن أي اعتبار لمكانته الجامعية، وهذا الهروب الهدف منه الظفر بمنزله اجتماعية لدى القبيلة، وهذا من حقه ومن حق أي شخص فكلنا أبناء قبائل، لكن الشيء المأمول أن يسعى الاستاذ الجامعي جاهداً نحو المدنية، التي تعالج مشكلاتنا الاجتماعية، وفق أطر قانونية جامعة تنبذ الفوارق الطبقية والعنصرية المقيتة، وأنا هنا لا أقصد أن الأكاديمي منزه من الخطأ بل عليه القيام بواجباته، ومعالجة بعض الاختلالات التي قد ينظر لها البعض أنها جزء من الموروث في العرف القبلي، فما كان صالح قبل عشر سنوات في التعامل به، قد لا يكون صالح للعمل به اليوم فالمجتمع في تحديث وتغيير مطرد، وبشكل مستمر، فالجميع مهما كان مثالياً، بحاجة إلى وجود الدولة الضامنة التي يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
أننا اليوم أكثر من أي وقتاً مضى بحاجة ماسة إلى دولة الحقوق والواجبات التي تتساوى فيها الفرص للجميع بعيداً عن السلالية، والفئوية، والعنصرية، المناطقية، فضمان تطبيق القانون وفق معاييره التي وضع من أجلها كفيله بحلحلة جميع بعض الممارسات العرفية التي يلجأ إليها الناس عندما تغيب الدولة بمفهومها العادل الذي يلمسه الجميع، لا البعد القمعي القهري الذي يعمق الشرخ الاجتماعي، ويزيد من الاحتقان نتيجة انعدام تطبيق العدالة، أو اجتزاء تنفيذها بحجة التميز الطبقي، أو تصنيف المجتمع إلى فئات اجتماعية مقبولة، ومغضوب عليها بسبب موقف سياسي هنا وهناك، فالجميع ينشد مظلة الدولة الضامنة التي تتكفل بحقي، مقابل اداء واجبي أين كان ومهما كان، إذ لا يمكن أن يعود الأكاديمي وغيرة إلى اعتماد بعض الاعراف ويمارسها، إلا عندما يصل به الحال إلى طريق مسدود، نتيجة غياب الفعل الضامن الذي يضمن حياته ومستقبله من خلال قيم العدالة والمساواة بين الجميع وهذا الفعل لا يمكن أن تقوم به قبيله أو فئه أو سلالة سوى الدولة وحدها، التي نعيش في كنفها، كأم حنون، وتجود بحقوقنا كأب لا يلقى التعب إليه سبيل.
اقرأ أيضا:مشكلتنا ثقافية أكثر منها اقتصادية




