في مديح التناقض: سدنة الأمس ومبشرو اليوم

في مديح التناقض: سدنة الأمس ومبشرو اليوم
امين الجبر
الجمعة 6 فبراير 2026-
ليس ثمة حيرة أشد وطأة على المرء من أن يجد نفسه بغتة، ودونما مسوغات منطقية أو حتى مقاربات ذهنية، أمام إبهام فكري يتحول إلى هاجس ملازم، يستحيل معه إيجاد جواب موضوعي. فلا يجد المرء ملاذا سوى الاكتفاء بالتأمل، والإحالة المندهشة إلى عوالم اللاوعي واللامسؤولية، أو ربما الإزاحة المستغربة نحو مقتضيات ثقافة الازدواج والتناقض ليس إلا.
هذا التيه هو التوصيف الدقيق لما يتردد صداه -راهنا- من ضجيج التباكي والتبشير الصادر عن فئة تحسب نفسها على النخبة المثقفة؛ أولئك الذين ينظرون اليوم لميلاد دولة مدنية حديثة، ويجعلون من لعن الواقع واستهجان قيمه قربانا لهذا التنظير. بيد أنهم يتناسون -بغرابة- أنهم كانوا حتى الأمس القريب جزءا أصيلا من أدوات الحاكم وأهم سدنته، فلم ينبسوا حينها ببنت شفة، بل اعتبروا الخوض في هذا المضمار لغوا غير مبرر وهرطقة مبتذلة لا تفضي إلا لخراب المعبد وتشظي الكيان. لقد اكتفوا آنذاك بالتطبيل والتسبيح بحمد السلطان وموائده، وكرسوا أقلامهم لشرعنة جوره واستبداده.. فسبحان مغير الأحوال.
وعليه، يبقى السؤال المشرع على احتمالات المستقبل: هل سنشهد في القابل من الأيام تبدلا مماثلا في مواقف الطرف الآخر المحسوب على المعارضة؟ وهل سيبدأ هؤلاء في انتهاج ذات السياسة وتكرار نفس الأدوار بمجرد تغير المواقع؟ ربما.. فلله في خلقه شؤون.
اقرأ أيضا للكاتب: صانعو الإنجاز والتحول


