كتابات فكرية

ثورة 11 فبراير… بين إرادة الشعب، والدولة العميقة، وسلطوية الثورات المضادة

ثورة 11 فبراير… بين إرادة الشعب، والدولة العميقة، وسلطوية الثورات المضادة

  • بقلم/ حسن حمود الدولة

الأربعاء 11 فبراير 2026-

في الذكرى الخامسة عشرة لثورة الحادي عشر من فبراير 2011م، لا تزال هذه الثورة تتعرض لواحدة من أكبر عمليات الافتراء في تاريخ اليمن الحديث. إذ يجري تحميلها مسؤولية ما آلت إليه البلاد من حروب وانهيارات، في تجاهلٍ متعمد لحقيقة جوهرية: أن 11 فبراير كانت ثورة شعبية سلمية، خرج فيها اليمنيون طلبًا للخلاص من نظام سلطوي استبدادي، سعى إلى توريث الحكم، واحتكار الدولة، وإفراغ السياسة من مضمونها الوطني.

لم تكن الثورة نزوة عابرة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الفساد، والمحسوبية، وتغوّل العائلة، وتهميش المجتمع، وقمع الحريات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وقد مثّلت، كغيرها من ثورات الربيع العربي، لحظة تحرر تاريخية للمجال العام، حين كسر الشعب حاجز الخوف، وفرض نفسه فاعلًا سياسيًا بعد عقود من الإقصاء.

غير أن المأساة الكبرى لم تكمن في فشل الثورة بحد ذاتها، بل في ما أعقبها. فكما حدث في أكثر من بلد عربي، جرى الانقضاض السريع على ثورات الربيع العربي عبر ثورات مضادة، لم تقتصر على السلطوية السياسية التقليدية، بل اتخذت في كثير من الأحيان طابعًا دينيًا أيديولوجيًا، أكثر خطورة، لأنه يستبدل الاستبداد السياسي باستبداد مقدّس، ويغلق باب النقد والمساءلة باسم الدين.

في اليمن، استغلت قوى تقليدية، وفي مقدمتها الدولة العميقة، حالة الانتقال السياسي، والمبادرة الخليجية، وما شابها من ثغرات، لإعادة إنتاج نفوذها داخل مؤسسات الدولة.

وهكذا، انتهى مسار الربيع العربي في اليمن – كما في غيره – إلى سلطوية مزدوجة:

سلطوية سياسية أعيد تدويرها عبر الدولة العميقة، وسلطوية دينية تفرض خطابًا رجعيًا، سلفيًا سنيا كان أم شيعيًا، يعمل على تزييف وعي الناشئة، وإعادة المجتمع إلى ما قبل الدولة الحديثة. وما ما يُعرف بـ“ندوات الأربعاء” المفروضة على موظفي الدولة في مناطق سيطرة أنصار الله، إلا نموذج صارخ لإخضاع المجال الوظيفي والعام لخطاب تعبوي لا يمت للعصر بصلة، ويصادر حق الفرد في التفكير الحر.

إن هذه السلطوية الدينية لا تقل خطرًا عن السلطوية السياسية التي ثار عليها الشعب، بل تتجاوزها أحيانًا، لأنها تحوّل الخلاف السياسي إلى صراع عقدي، وتبرر القمع باسم المقدس، وتغلق الأفق أمام أي تداول سلمي للسلطة.

وفي هذا السياق، جرى تفريغ مشروع العدالة الانتقالية من مضمونه. فرغم أن مخرجات الحوار الوطني الشامل وضعت أسسًا واضحة لبناء دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، إلا أن تلك المخرجات وُوجهت بالعرقلة المتعمدة، والانقلاب الصريح عليها لاحقًا بقوة السلاح، وهو ما قاد البلاد إلى الحرب والانهيار.

إن تحميل ثورة 11 فبراير مسؤولية هذا المسار هو قلب للحقائق. فالثورة فتحت أفق التغيير، لكن القوى المضادة – السياسية والدينية – أغلقت هذا الأفق، وأعادت البلاد إلى دائرة العنف والانتقام والانتقام المضاد.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعني هذا الفشل المؤقت القبول بالوضع القائم؟

الإجابة قطعًا: لا.

فالتغيير، مهما تعثر، يظل رهانًا على المستقبل وفتح الخيارات، أما رفضه فليس سوى ارتهان للماضي، والتكلس، واستمرار دورات العنف بلا نهاية.

ما يتوجب اليوم على المكونات السياسية والمجتمعية، إن أرادت الخروج من هذا النفق، هو الاستعداد الجاد من الآن لإحياء وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل، بوصفها الإطار التوافقي الوحيد لبناء الدولة المدنية. كما يتوجب وضع ضوابط دستورية وقانونية صارمة تحول دون تكرار الانقلابات على العملية السياسية بقوة السلاح، وتكفل التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع وحدها.

ولا يمكن الحديث عن دولة مدنية في ظل انتشار السلاح خارج إطار الدولة. لذلك، فإن تحريم وتجريم حيازة السلاح من قبل أي جماعة أو كيان، واحتكار الدولة وحدها لوسائل العنف المشروع، يمثل شرطًا أساسيًا لأي انتقال حقيقي نحو الاستقرار.

كما أن استعادة دور مؤسسات المجتمع المدني، ووقف شيطنتها، مسألة لا تقل أهمية، لأنها تشكل الضمانة الاجتماعية للرقابة، وبناء الوعي، والدفاع عن الحقوق، ومنع احتكار الحقيقة أو الوطنية من قبل أي طرف.

ستظل ثورة 11 فبراير محطة مضيئة في الذاكرة الوطنية، لا لأنها حققت كل أهدافها، بل لأنها كسرت منطق الخضوع، وأعلنت أن الشعب قادر على قول “لا”. وربما تأخر قطاف ثمارها، لكن الثورات لا تُقاس بعمرها الزمني، بل بما زرعته من وعي، وما فتحته من أفق، وما أبقته حيًا في وجدان الناس.

اقرأ أيضا: سؤال بين يدي 11 فبراير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى