تجريم تسييس الدين وتديين السياسة ضرورة لقيام دولة عادلة

تجريم تسييس الدين وتديين السياسة ضرورة لقيام دولة عادلة
- حسن الدولة
الاحد 8 مارس 2026-
قبل أسبوع نشرت مقالة بعنوان: “تديين السياسة وتسييس الدين بين العلم والهوية الوطنية”. وأعود اليوم إلى الموضوع نفسه، ولكن من زاوية أكثر وضوحاً، لأن واقع مجتمعاتنا يكشف أن الخلط بين الديني والسياسي أصبح من أخطر أسباب التوتر والانقسام والصراع. لذلك فإن الدعوة إلى فك الاشتباك بين المجالين ليست عداءً للدين ولا تبنياً لعلمانية معادية، بل هي محاولة لحماية الدين من الابتذال السياسي، وحماية السياسة من الاستبداد باسم الدين.
إن من أخطر أدواء الأديان أن يتصدى بعض أتباعها لاحتكار الحديث باسم الله، فينصّبون أنفسهم أوصياء على الإيمان وحراساً على العقيدة، بينما الحقيقة القرآنية الواضحة تؤكد أن الدين لله وحده، وأن الإنسان مسؤول عن إيمانه أمام خالقه. يقول تعالى: «حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»، ويقول أيضاً: «منكم شرعة ومنهاجاً»، فجاء الخطاب بـ«منكم» لا «لكم»، في إشارة إلى تنوع الاجتهادات البشرية واختلافها.
والقرآن يضع حدوداً واضحة لدور الرسول نفسه في المجال الديني، إذ يقرر مبدأ أساسياً وهو أن وظيفة الرسول البلاغ لا الإكراه. يقول تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ}، ويقول أيضاً: {لست عليهم بمسيطر}، كما يخاطبه بقوله: {قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ}. وفي موضع آخر يقرر مبدأ الحرية الدينية بوضوح تام: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». هذه النصوص تقطع بأن الهداية والضلال أمرهما إلى الله وحده: «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين».
وإذا كان هذا هو موقع النبي في الدين، فإن موقعه في السياسة مختلف تماماً. فالسلطة السياسية في المجتمع الإسلامي الأول لم تكن سلطة دينية مفروضة من السماء، بل سلطة بشرية تقوم على قبول الناس واختيارهم. وقد تجلّى ذلك بوضوح في البيعة التي أعطاها أهل المدينة للنبي، وهي في جوهرها عقد سياسي بين الحاكم والمجتمع.
ولعل أوضح شاهد على الطابع المدني للحكم في تجربة الإسلام الأولى هو صحيفة المدينة، الوثيقة السياسية التي نظمت العلاقة بين سكان المدينة بعد الهجرة. فقد نصت الصحيفة على أن المسلمين واليهود وغيرهم «أمة من دون الناس»، وأن لكل جماعة دينها وحقوقها، وأن الشؤون العامة تُدار وفق اتفاق المجتمع. هذه الوثيقة التاريخية لم تؤسس لدولة دينية كهنوتية، بل لمجتمع سياسي تعاقدي يقوم على المواطنة والتعدد.
إن البيعة التي تمت للنبي في المدينة كانت تعبيراً عن إرادة المجتمع واختياره، ويمكن فهمها في سياقها التاريخي باعتبارها شكلاً مبكراً من أشكال التعاقد السياسي أو ما يشبه الانتخابات بلغة العصر. فالناس بايعوا النبي ليكون قائداً وحاكماً، أي أن شرعية الحكم نشأت من قبول المجتمع، لا من ادعاء احتكار التفويض الإلهي.
هذا المعنى أدركه عدد من كبار المفكرين المسلمين. فقد أكد الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم» أن الإسلام لم يفرض شكلاً محدداً للدولة، وأن الخلافة ليست ركناً من أركان الدين، بل نظام سياسي بشري يخضع للاجتهاد والتغيير. كما أشار الفيلسوف ابن رشد إلى أن الشريعة تقرّ دور العقل والاجتهاد في تدبير شؤون المجتمع، وأن السياسة مجال للمصالح المتغيرة التي يقدّرها الناس وفق زمانهم وظروفهم.
وهنا تظهر خطورة تحويل الدين إلى أداة سياسية أو تحويل السياسة إلى عقيدة دينية. فالدين يقوم على حقائق مطلقة مرتبطة بالإيمان والضمير، بينما السياسة مجال نسبي متغير تحكمه المصالح والاجتهادات البشرية. وعندما يختلط المجالان يتحول الخلاف السياسي إلى صراع مقدس، وتتحول المعارضة إلى كفر أو زندقة، ويصبح التكفير وسيلة لإقصاء الخصوم.
من جهة أخرى، فإن التجارب المعاصرة أظهرت أيضاً أن بعض أنماط العلمانية المتطرفة قد تتحول بدورها إلى أيديولوجيا إقصائية، تستخدم شعار الحداثة لتهميش الدين أو استبعاد المجتمع من المشاركة السياسية. لذلك فالمطلوب ليس استنساخ نماذج غريبة عن واقعنا، بل صياغة علاقة متوازنة بين الدين والسياسة تحفظ للدين قدسيته وللسياسة طابعها المدني.
إن فك الارتباط بين المجالين لا يعني إقصاء الدين عن حياة المجتمع، بل يعني منع استخدامه كأداة للصراع السياسي. فالدين سيبقى مصدر قيم وأخلاق وثقافة، يربي الضمير ويهذب السلوك ويحضّ على العدل والصدق والأمانة. لكن إدارة الدولة يجب أن تبقى شأناً إنسانياً يخضع للمساءلة والاختيار الشعبي.
إن استمرار الخلط بين الديني والسياسي هو ما يغذي الانقسامات المذهبية ويهدد وحدة المجتمعات. فالخطاب المذهبي عندما يتحول إلى أداة سياسية لا ينتج إلا مزيداً من التشدد والانقسام، وقد يقود في النهاية إلى حروب أهلية لا تبقي ولا تذر.
ولهذا فإن بناء مستقبل أكثر استقراراً يتطلب معالجة جذرية لهذه الإشكالية، تبدأ بإعادة النظر في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي والديني، وتنتهي بوضع قواعد واضحة تمنع استغلال الدين في العمل الحزبي والصراع على السلطة. فالدين يجب أن يبقى مجالاً للإيمان والضمير، بينما السياسة مجال للتنافس المدني على خدمة المجتمع.
إن التجربة التاريخية للإسلام، كما تشهد عليها نصوص القرآن ووثيقة المدينة وتجربة البيعة، لا تقدم نموذجاً لدولة دينية ثيوقراطية، بل لمجتمع سياسي يقوم على التعاقد والاختيار. ومن هنا فإن الطريق إلى استقرار مجتمعاتنا يمر عبر مبدأ واضح وبسيط: الدين لله، والوطن للجميع.
فإذا نجحنا في تجريم تسييس الدين وتديين السياسة، سنكون قد خطونا خطوة كبيرة نحو بناء دولة عادلة تحمي الإيمان من الاستغلال، وتحمي السياسة من الاستبداد، وتفتح الطريق أمام مجتمع متماسك قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
اقرأ أيضا: السفير صبري: تابعنا التصريح الأخير بشأن اليمن للمبعوث وللأسف الأمم المتحدة لم تقم بواجبها



