اليمن بين أوهام الاحتواء ومشاريع التفتيت

اليمن بين أوهام الاحتواء ومشاريع التفتيت

- عبدالرحمن مطهر
الجمعة 9 يناير 2025-
أرسل لي صديق عزيز مقال للدكتور تركي القبلان يقدّم ثنائية حادة: السعودية تحتضن اليمن كجسد حي، والإمارات تفككه كخريطة هندسية.
قرأت المقال مرتين ووجدتني اكتب هذه الاسطر لما في المقال من أكاذيب وتجميل لقبح السعودية تجاه اليمن.
ولنتحدث عن الأمر بدون مجاملة، أو مواربة، السعودية لم تحتضن أو تحتوي اليمن، بل أحكمت قبضتها على عنقه، وهذا الأمر ليس من خلال العشر السنوات الماضية، بل خلال كل العقود الماضية، فحين تتحدث الرياض عن “جسد حي متصل الأعصاب”، فهي تبرّر لنفسها حق الضغط على الأعصاب ودكّ العظام بحجة أمنها القومي.
اليمن يا سادة ليس ملفًا سياسيًا يُدار من غرف مغلقة، ولا خريطة تُقص بمسطرة، ولا جسدًا يُحتوى ببلاغة فلسفية، اليمن بلد حيّ، حضاري يمتلك من التاريخ ما لا يمتلكه غيره من الطارئون، اليمن غني بموارده بحضارته بعاداته بقيمه وأخلاقه ومبادئه يمرض لكن لا يموت، اليمن عميق في التاريخ، متشابك في الجغرافيا، لكنه منذ عقود يُدار من الخارج بمنطق الهيمنة والتعطيل.
مقال الدكتور تركي القبلان الذي رسم ثنائية بين “احتواء سعودي” و”هندسة إماراتية” قد يبدو أنيقًا في صياغته، لكن في جوهره عبارة عن محاولة يائسة لتجميل واقع أكثر قبحا وقسوة.
القبلان يحاول يجمل الدور السعودي في اليمن ويرمي كل اللوم على الامارات في ما آلت إليه الأوضاع في اليمن خلال العشر السنوات الماضية.
لكن الواقع يؤكد ان السعودية والإمارات، كلاهما عمل على تدمير اليمن الأرض والانسان، لم يحتضن اليمن ولم يحافظ على جسده، بل عملا على إفقاره وتفتيته وتحويله إلى ساحة نفوذ وصراع خدمة للكيان الإسرائيلي.
منذ تأسيس المملكة، كان تدخلها في اليمن سلبيًا وتوسعيًا، ضمّت مناطق يمنية تاريخية مثل جيزان ونجران وعسير، وحاربت ثورة 26 سبتمبر 1962 خشية من تمدد النموذج الجمهوري، عملت على منع شركات النفط العالمية من الاستثمار في اليمن، وأبقت اقتصاده رهينة الوديعة والاعتماد على الخارج، فرضت رؤساء على المقاس، وحوّلت اليمن إلى “حارس حدود لها” لا دولة ندّية، وهذا يا تركي القبلان بالتأكيد ليس احتواءً، بل استحواذ وخنقٌ باسم الأمن القومي السعودي، وإبقاء اليمن في دائرة الفقر والجوع الاعتماد والارتهان.
الإمارات التي لا تربطها باليمن أي حدود أيضا شاركت في العدوان على اليمن، ليس بمزاعم عودة الشرعية كما تزعم، وإنما بعقلية وظيفية باردة، وظيفة لصالح إسرائيل، الامارات رأت فقط في اليمن موانئ وجزر وسواحل وممرات بحرية، لم تر شعبًا ولا دولة، وصلت لليمن وبيدها سكينا حادة لتقسيم كعكعة اليمن، وعندما وجدتها لذيذة حاولت التهامها بالكامل دون إبقاء أي قطعة للرياض.
ذهبت إلى المحيط الهندي للسيطرة على سقطرى بعد ان سيطرت على عدن، وانشأت مليشيات مسلحة تابعة لها في المخا، عملت على تأمين السواحل والموانئ اليمنية لصالحها من خال لأدوات محلية، فأنشأت مليشيات مسلحة باسم المجلس الانتقالي الجنوبي هذا المجلس الذي أرهق خزينة اليمن بنهب عشرة مليار ريال شهريا حسب ما تم الكشف عنه مؤخرا من قبل الصحفي الجنوبي فتحي بن لزرق، غير الجبايات المستمرة على التجار والاتاوات التي كانت تفرضها هذه المليشيات على الشاحنات والقواطر والسيارات الذاهبة للشمال.
تعاملت الامارات مع الجغرافيا اليمنية كفراغ سياسي يمكن أن يُستخدم لتمرير مصالح إقليمية، حتى لو كان الثمن تمزيق الدولة، بل عملت نهارا جهارا على تمزيق اليمن، وما تصريحات وتغريدات مستشار محمد بن زايد عبدالخالق عبدالله إلا تأكيد على سعيها المحموم على السير في خطوات التمزيق لليمن، تمزيق ارضه إلى كنتونات صغيرة ومتصارعة، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وهذه الوظيفة بالتأكيد ليست هندسة سياسية، بل تفكيك ممنهج يزرع بذور الانقسام الدائم.
وكما هو معلوم اليمن ليس فقيرًا بطبيعته، بل مُفقَر بفعل التدخلات الخارجية، الغاز وحده كان يدر 4 مليارات دولار سنويًا قبل توقفه بفعل العدوان والحصار، أي أكثر من 40 مليار دولار خلال عقد واحد، النفط، الموانئ، الزراعة، الثروة السمكية وغيرها الكثير من الموارد كانت بالتأكيد كفيلة بجعل اليمن دولة مزدهرة، لا تحتاج إلى ودائع السعودية بين حين وآخر، لكن السعودية والإمارات اختارتا تعطيل هذه الموارد، وصناعة اقتصاد حرب وفساد، حتى يبقى اليمن ضعيفًا وتابعًا مرتهنا لها.
حديث القبلان إن السعودية “تحتوي” اليمن تزييف بلاغي؛ فالاحتواء الحقيقي يعني تمكين اليمن من سيادته وموارده، لا قصفه وإفقاره، ونهب أراضيه، والقول إن الإمارات “هندست” اليمن هو تجميل للتفتيت؛ فهي لم تعيد رسم الخريطة، بل مزّقتها لصالح مصالحها البحرية والإقليمية، ولصالح إسرائيل، المستفيد الأكبر من كل مايجري من خراب ودمار في المنطقة، والنتيجة أن كلاهما مسؤول عن تحويل اليمن إلى ساحة خراب، وعن إطالة الحرب، وعن تعطيل أي فرصة للرخاء والازدهار.
على السعودية ان تسأل نفسها لماذا يحب الشعب اليمني ويحترم سلطنة عمان قيادة وشعبا، بالرغم ان السلطنة لم تقدم في تاريخها أي دعم مادي لليمن، والجواب بكل بساطة أن سلطنة عمان تنأى بنفسها في التدخل في الشأن الداخلي لليمن، دائما تنتهج مبدأ الوسيط المحايد لتقريب وجهات النظر، لا تدعم أي طرف ضد آخر.
ختاما يا تركي القبلان، اليمن لا يحتاج إلى احتواء ولا إلى هندسة، بل يحتاج إلى أن تُرفع الأيدي عنه، يحتاج إلى سيادة كاملة على قراره وموارده، وإلى دولة تُبنى من الداخل لا تُدار من الخارج، من غرف الرياض أو أبوظبي، إن كانت الجغرافيا “كائنًا حيًّا” كما تقول يا القبلان، فحياته لا تُصان بالسيطرة عليه، بل بتركه ينهض بنفسه، عبر دولة قادرة، اقتصاد سيادي، وحدود آمنة، وعقد اجتماعي يُصاغ في صنعاء وعدن وتعز والحديدة، لا في الرياض أو أبوظبي.
اقرأ أيضا: عضو المكتب السياسي لأنصار الله: ما حصل لعيدروس درس للعليمي




