العدالة الاجتماعية الدينية: لا نهاية لوسائل تحقيقها.. مناقشة مقال الأستاذ جلال الحلالي وغربة المكان

العدالة الاجتماعية الدينية: لا نهاية لوسائل تحقيقها.. مناقشة مقال الأستاذ جلال الحلالي وغربة المكان
بقلم: حسن الدولة
29 يناير 2026-
تلقيت رسالة من الأستاذ عبدالله سليم، من أبناء محافظة حجة، حملت سؤالا عميقا يستحق الوقوف عنده ومناقشته من قبل النخب الفكرية والسياسية، لما ينطوي عليه من إشكال تاريخي ومعرفي يتعلق بالعلاقة بين الإسلام والاشتراكية.
ونص رسالته كما وردني، أضعه بين معكوفتين التزاما بالأمانة العلمية:
(السلام عليكم قرأت مقالا لك بعنوان جلال وغربة المكان، وقد لفت انتباهي أنك ربطت بين الاشتراكية والإسلام، ولي سؤال واحد فقط، وهو: بما أن هناك تشابها بين الاشتراكية والإسلام، فلماذا تأثر المسلمون بالاشتراكية، وصار المسلمون الاشتراكيون يدعون للاشتراكية، ولم يدعوا إلى الإسلام حتى في العدالة الاجتماعية؟)
وهو سؤال مشروع، بل وسؤال مفصلي، لا يخص القارئ وحده، وإنما يمس مسارا كاملا من تاريخنا الفكري والسياسي.
وللإجابة عليه، لا بد أولا أن نحرر المفاهيم من أسر الشائع والمتداول. فصفة الإسلام في أصلها صفة عامة، تشمل كل الديانات السماوية، وقد أطلقها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ولم يخاطبنا الله في كتابه بلفظ المسلمين ابتداء، وإنما خاطبنا بلفظ المؤمنين، وسمّى أتباع كل نبي بالاسم الذي اشتهروا به او بتسمية خصومهم:
فيقال الذين هادوا، والنصارى، والصابئين، والمجوس، والذين أشركوا… إلخ.
أما اسم المسلمين فقد أطلقه علينا أهل الكتاب في سياق تاريخي معروف.
وسؤالك – يا أستاذ عبدالله – ليس جديدا، فقد طُرح بصيغة قريبة على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، عندما انتهج طريق الاشتراكية. وازدادت حدته حين ألّف أحد زعماء الإخوان المسلمين في سوريا، الشيخ الراحل مصطفى السباعي، كتابه الشهير “اشتراكية الإسلام”.
وعندما تناولت الصحف المصرية الكتاب، طالبوا بأن يسمّي النهج الاشتراكي الذي اتبعته “مصر” نهجا إسلاميا لا اشتراكيا، فجاء رد عبدالناصر بعبارة تعد من أصدق ما قيل في هذا الباب:
“إحنا اجتهدنا، فإن نجحت تجربتنا الاشتراكية فهي اشتراكية إسلامية، وإن فشلت التجربة ولم تحقق العدالة الاجتماعية فنحن الذين أخفقنا وفشلنا، وليس الإسلام.”
ولعمري، إنه رد صائب وعميق؛ لأنه ينقل النقاش من قداسة الشعارات إلى مسؤولية الفعل.
فالله سبحانه وتعالى أخبرنا بوضوح أنه لم يرسل رسله، ولم يُنزل معهم الكتاب والميزان، إلا ليقوم الناس بالقسط.
وأنا أؤمن أن القسط – القصد – وهو العدل المطلق في جميع مناحي الحياة بين الفرد وأسرته وبين المجتمع وأفراد وبين الشعوب وبعضها بعضا، وأن العدل المطلق هو جوهر الشريعة السمحاء، الشاملة لكل أحوال البشر، ابتداءً من العدالة الاجتماعية، وانتهاءً بأبسط تنظيمات الحياة، حتى قوانين السير.
ولهذا، لست مع أولئك الذين حصروا أحكام الشريعة في خمسمائة آية، وحفنة من الرويات، لأن معاملات الناس لا متناهية، والنصوص تظل محدودة مهما بلغ عددها.
وان الناس هم الذين يسمون القوانين المنظمة لاحوالهم، ولا علاقة للدين بذلك لكن الغاية من التشريعات هو تحقيق العدل.
بل حتى لو افترضنا – جدلا – وجود تريليون نص، فإن القاعدة الحسابية تقول إن أي رقم مهما بلغ إذا قُسم على ما لا نهاية كانت نتيجته صفرا.
وعليه، فإذا كان معنى القسط لا نهائيا، فإن تنزيله على ما لا نهاية من الوقائع والنوازل والمعاملات، والاحداث من الأزل إلى الأبد، يجعل من الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وكل شعب يطلق اي اسم على ما يصدر من قوانين بحيث يظل مشروع العدل مفتوحا على كل العصور، لا يُغلق، ولا يُختزل، ولا يُحتكر.
وللتقريب، فإن اختيار الحاكم مثلًا كان في بدايته بالبيعة الفردية، فبايع الناس رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلم- تحت الشجرة، ثم تطورت الوسيلة فكانت البيعة في الجامع، ثم عبر أهل الحل والعقد، ثم عبر صناديق الاقتراع، ثم تطورت عبر الوسائط الحديثة، وقد تتطور مستقبلا عبر وسائل لم نعرفها بعد.
والعدل هنا ليس في الوسيلة ذاتها، بل في تحقيق المقصد.
ومن الخطأ إذن أن نُقدّس الوسائل أو نُلبسها صفة دينية فنقول الاشتراكية الإسلامية والديمقراطية الإسلامية، وقانون التجارة الإسلامية …الخ. فلا توجد وسيلة إسلامية وسيلة غير إسلامية فذلك تزيد وتنطع يدل على قصور في الفهم.
فكما لا توجد “بيعة إسلامية” بشكل واحد جامد، لا توجد أيضا “اشتراكية إسلامية” بوصفها قالبا مغلقا.
فالاعتبار كما يقول الأصوليون بالجواهر لا بالمظهر، وبالمقاصد لا بالألفاظ، وبالغايات لا بالمباني، ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم لماذا دعا بعض المسلمين إلى الاشتراكية، ولم يرفعوا شعار “الإسلامية” وهم ينادون بالعدالة الاجتماعية.
لم يكن ذلك استبدالا للإسلام، ولا تنكّرًا له، بل لأنهم رأوا في الاشتراكية آنذاك وسيلة تاريخية متاحة لتحقيق القسط، في زمن عجز فيه الخطاب الديني السائد عن ترجمة هذا القسط إلى سياسات واقعية تمس حياة الفقراء والمحرومين.
وخلاصة الجواب للأستاذ عبدالله سليم:
إن المسلمين لم يتركوا الإسلام ليعتنقوا الاشتراكية، بل بحثوا عن العدل حيث ظنوا أنه يتحقق.
ولو تحققت العدالة باسم أي مصطلح، فهي من روح الشريعة، وإن لم يُرفع عليها شعار ديني.
فالعدل لا يسأل عن اسمه، بل عن أثره، وحيثما تحقق القسط، فثمّ أمر الله.
وبهذا الفهم، يظل النقاش مفتوحا، لا لتقديس الاشتراكية، ولا لاحتكار الإسلام، بل لإعادة الاعتبار للعدل بوصفه القيمة العليا التي من أجلها أُرسلت الرسالات، وقامت السماوات والأرض.
اقرأ أيضا للكاتب: الأستاذ جلال الحلالي وغربة المكان
اقرأ أيضا: رحلة العمر بين الأيديولوجيا والإيمان




