كتابات فكرية

الصين والحرب على إيران… هل تتغير السياسة؟

 الصين والحرب على إيران… هل تتغير السياسة؟

  • شاهر الشاهر

الخميس 5 مارس 2026-  

قدمت الصين الدعم القانوني لإيران في مجلس الأمن، والدعم السياسي والتقني. فالدعم موجود، لكنه لم يتخذ شكل التدخل المباشر في ساحة المعركة، فهل تنتظر طهران تدخلاً عسكرياً مباشراً من الصين أو روسيا؟

تحرص بكين على الابتعاد عن إطلاق صفة “تحالف” في علاقاتها مع الدول، بما فيها روسيا وإيران، مفضّلة استخدام عبارة “شراكة استراتيجية”، لإعطائها صبغة اقتصادية أكثر منها عسكرية.

الصين لديها مشروعها الاقتصادي الذي تمضي إلى تنفيذه بخطى ثابتة، ولا تريد الحياد عنه أياً كانت الأسباب، مدركة أن مستقبل قوتها وتموضعها على الساحة الدولية سيكون انعكاساً لعظمتها الاقتصادية وليس العكس.

من المفيد التذكير بأن الصين ليست عدواً لـ”إسرائيل” ولا للولايات المتحدة، بل تربطها علاقات اقتصادية قوية مع كلتا الدولتين، وبالتالي لا مجال لتوقع أن تقف بكين في الطرف المعادي لهما، على المديين القريب والمتوسط على الأقل.

الصين لا تريد الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها تدعم إيران سياسياً ودبلوماسياً. كما تعارض سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، لكنها تدعم حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفق معاهدة عدم الانتشار.

الصين ترى أن حل الأزمة الإيرانية يجب أن يتم عبر الوسائل السياسية وليس الحرب، وتدعو إلى خفض التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات. كما ترى أن الولايات المتحدة هي المصدر الأكبر لعدم الاستقرار في العالم.

كيف توازن الصين بين الدبلوماسية والتحديات الجيوسياسية؟

لم يكن الهدف من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران منع طهران من امتلاك السلاح النووي فقط، بل إسقاط النظام فيها واستبداله بنظام “صديق” للولايات المتحدة، على غرار ما حدث في فنزويلا، إضافة إلى قطع النفط عن الصين والسيطرة على المعادن النادرة في إيران.

فعدم سيطرة طهران على مضيق هرمز تشكل خسارة كبيرة لبكين، إذ يمر يومياً نحو 5 مليون برميل نفط من هذا المضيق باتجاه الصين، وهو ما يسد نحو 30% من احتياجاتها.

تلعب الصين شطرنج الجغرافيا بإتقان، وإيران هي القطعة الأهم فيه. لذا فإن لطهران أهمية كبيرة في الاستراتيجية الصينية، فهي عضو في منظمتي بريكس وشنغهاي اللتين تعول عليهما الصين لصياغة “نظام دولي أكثر عدلاً”، وفقاً للتوجهات الصينية.

تلعب المصالح الاقتصادية دوراً حاسماً في تشكيل الموقف الصيني، وتعدّ إيران شريكاً اقتصادياً مهماً للصين، فهي مصدر رئيسي للنفط والغاز الطبيعي. كما أن الصين جزء من مشروع “الحزام والطريق” الذي يعزز التجارة والبنية التحتية مع إيران. لذا، فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة سيؤثر سلباً على هذه المصالح الحيوية.

مع بدء الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران برزت تساؤلات كثيرة حول الدور المتوقع لبكين في هذه الحرب، وإمكانية تدخلها بالدعم المباشر لإيران، لاعتبارات كثيرة أهمها أن هناك اتفاقية تعاون استراتيجي بين البلدين لمدة 25 عاماً. ولأن الصين تشتري 90% من النفط الإيراني (نحو 2 مليون برميل يومياً)، وبخصم يتراوح بين 25-30% عن السعر العالمي. حيث يقدر ما تشتريه الصين بـ 40 مليار دولار سنوياً، وهو ما ساعد طهران على تجاوز أزمتها الاقتصادية وتحدي العقوبات الأميركية المفروضة عليها، إضافة إلى اعتبار إيران خط الدفاع الأخير بين الصين والولايات المتحدة الأميركية.

بدلاً من نظام “سويفت”، تستخدم البنوك الإيرانية والصينية نظام الدفع الصيني لتسوية عمليات الدفع بين البلدين، وهو ما وفر لطهران سيولة نقدية ساعدتها على عدم الانهيار اقتصادياً.

بلغ حجم الاستثمارات الصينية طويلة الأمد في إيران 400 مليار دولار بموجب اتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقعة بين البلدين.

خلال الأشهر الماضية، تكررت تقارير تفيد بنقل منظومات دفاع جوي صينية إلى إيران، وبأن بكين تزود الجمهورية الإسلامية بمكونات أنظمة دفع للصواريخ، غير أن كلا الطرفين لم يصدر عنهما تأكيدات رسمية واضحة. 

وفقاً لتلك التقارير، فإنه في أواخر يناير 2026 حطت في الأراضي الإيرانية 16 طائرة شحن صينية، نقلت رادارات تعرف بـ “صائد الشبح” ونظام دفاع جوي متطور قادر على الاشتباك مع الطائرات الأميركية، وتزويد إيران بالوقود الصلب والمواد اللازمة لإنتاجه ذاتياً، وهو ما منح صواريخ “خيبر” و”فتاح” دقة عالية، وأضعف قدرات صواريخ باتريوت على اعتراضها.

كما أجرت طهران مناورات بحرية قرب مضيق هرمز بمشاركة روسيا والصين، وتسلمت دفعة من الصواريخ فرط صوتية الصينية وفقاً للتقارير الإسرائيلية.

قامت الصين بتزويد إيران بمسيرات “وينغ لونغ” الصينية المتطورة، والمساعدة في تطوير جيل جديد من مسيرات “شاهد” الانتحارية، والتي لعبت دوراً كبيراً في المواجهة الأخيرة مع “إسرائيل”.

وبمساعدة الصين، قللت طهران اعتمادها على التقنيات الغربية، واعتمدت على نظام Bei Dou الصيني كبديل لـ GPS الأميركي، الذي كانت الولايات المتحدة تقوم بتعطيله، وهو ما يتسبب بحالة من العمى للطائرات والصواريخ الإيرانية، نتيجة فقدانها القدرة على تحديد المواقع بدقة.

شركة هواوي الصينية قامت بتزويد طهران بتقنيات متطورة مكنتها من السيطرة على شبكة الإنترنت، ورصد الاحتجاجات المدعومة من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

الصين “تفكر بإيجابية”، وتسعى لتكييف المواقف لمصلحتها. فبعد أن فشلت مساعيها في حل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة بالطرق السلمية، عملت على رفع تكلفة الحرب على أميركا والسعي لاستنزافها عسكرياً واقتصادياً، والاستفادة من إيران لتكون ساحة تجارب للأسلحة الصينية.

التوجهات الصينية تقاطعت مع “استراتيجية الردع” الإيرانية التي تعمل على ثلاثة محاور، وهي:

1- رفع كلفة المواجهة على أميركا و”إسرائيل” ما أمكن، فمسيرة “شاهد” الإيرانية التي لا يتجاوز ثمنها 20 ألف دولار، تحتاج الولايات المتحدة لتدميرها إلى استخدام صواريخ باتريوت بقيمة 4 ملايين دولار.

2- تحييد عنصر المفاجأة، فطهران كانت مستعدة للحرب، والدليل امتصاصها “الصدمة الأولى”، وتجاوز مشكلة اغتيال قادة الصف الأول، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي.

3- الصمود الاستراتيجي وضمان القدرة على القيادة والسيطرة تحت جميع الظروف، وهو ما نراه اليوم، آخذين بالاعتبار حجم القوتين الأميركية والإسرائيلية وتفوقهما التقني

هل تنتظر طهران دعماً مباشراً من الصين أو روسيا؟

قدمت الصين الدعم القانوني لإيران في مجلس الأمن، والدعم السياسي والتقني، فضلاً عن أشكال من التعاون الاقتصادي والعسكري. فالدعم موجود، لكنه لم يتخذ شكل التدخل المباشر في ساحة المعركة، فهل تنتظر طهران تدخلاً عسكرياً مباشراً من الصين أو روسيا؟

لا توجد مؤشرات تدل على أن طهران قادرة على الاعتماد على بكين لتعزيز دفاعاتها، في حين تشير المؤشرات إلى أن مسيرة “شاهد” الإيرانية التي ضربت القاعدة الجوية البريطانية في جنوب قبرص، كانت مزودة بنظام تشويش هوائي روسي من طراز كوميتا CRPAيعمل على إفشال الحرب الإلكترونية التي تستخدمها وسائل الدفاع الجوي ضد الدرون من خلال إعمائها عبر قطع صلتها بنظام الـ GPS.

طبيعة إيران وتاريخها السياسي يؤكدان أنها دولة اعتادت الاعتماد على نفسها وإمكانيات شعبها، فهي دولة كبيرة وتمتلك كل مقومات القوة.

إيران لا تريد أن تكون “مكسر عصا” في الصراع القائم بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا، وبالتالي فإنها تدرك مخاطر تدخل كلتا الدولتين أو إحداهما إلى جانبها.

يخطئ الغرب في فهمه لطبيعة النظام الإيراني، إذ يرون فيه تجسيداً لحكم الفرد (المرشد)، في حين أنه نظام قائم على المؤسسات إلى درجة كبيرة، فيه الكثير من التعقيدات، ويتمتع بجذور عميقة وقاعدة شعبية صلبة، نالت منها الدعاية الغربية وأضعفتها المعاناة الناتجة عن العقوبات الاقتصادية، لكنها ما زالت قادرة على حماية نظامها السياسي حتى اليوم.

الحرب التي تعيشها طهران، وعلى الرغم من كلفتها الباهظة، إلا أنها شكلت مختبراً قاسياً لكنه بالغ الأهمية، أتاح للقوات المسلحة الإيرانية استخلاص دروس عملية حول فاعلية ترسانتها، وسبل تطويرها وتحسين أساليب استخدامها.

التفوق التقني قائم بالفعل ويميل لصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل”، لكن طهران تعتمد ما يُعرف عسكرياً بـ”الرد غير المتماثل”، حيث تُواجه القدرات الجوية الإسرائيلية والأميركية بالقدرات الصاروخية الإيرانية، بما يخلق نوعاً من الموازنة في مسار المواجهة.

واشنطن، وبعد 48 ساعة فقط من الحرب، بدأت “تنزف دفاعياً”، وواجهت نقصاً في أنظمة الدفاع الجوي وصواريخها، فعملت على نقل أنظمة “ثاد” و”باتريوت” من شبه الجزيرة الكورية واليابان إلى الشرق الأوسط، وفقاً لما صرحت به وسائل الإعلام الكورية الجنوبية.

تصريح وزير الخارجية الروسي بأن “الحرب قد تجبر طهران على إنتاج السلاح النووي”، يحمل تهديداً مبطناً أو معلومات مؤكدة حول مضي طهران في هذا الاتجاه.

تلعب الولايات المتحدة دوراً خبيثاً تجاه إيران، فتعمل على تسليح المعارضة الكردية في غرب إيران لمواجهة الحكومة الإيرانية، وهو ما سيكون له انعكاسات على دول الجوار وخاصة تركيا وسوريا، حيث تظهر بوادر ارتفاع سقف المطالب من قبل “قسد”، واستعدادها للتراجع عن الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة السورية.

يبدو أن هدف الحرب يتمثل في تكريس هيمنة “إسرائيل” على الشرق الأوسط وهيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم، وهذا لن يتحقق إلا برسم خرائط جديدة في المنطقة، حدودها ديمغرافية ودينية هذه المرة لا سياسية.

المنطقة تجد نفسها في أتون حروب لا تملك قرارها، خاصة وأن الحفاظ على السلطة كان هو الشغل الشاغل للأنظمة الحاكمة التي استساغت الذلة والهوان.

حالة الاستقطاب في الشارع العربي ما بين مؤيد للحرب على إيران ورافض لها، تنطلق من مواقف غريزية لدى الفئة الأولى، ورؤية استراتيجية لدى الفئة الثانية، وهي الأقل عدداً والأضعف أثراً مع الأسف.

من يفكر في مستقبل المنطقة في حال هزيمة إيران عليه أن يدرك أنه سيكون الهدف القادم لـ”إسرائيل”، أو عليه الانصياع وتقديم فروض الطاعة لها.

الاختلاف مع سياسات إيران في المنطقة أمر وارد، لكن العداء لها يعني القبول بقيادة “إسرائيل” للمنطقة. وعلى الجميع أن يدرك أنه لا وقت للتناحر، وأن المستقبل لن يرحم الضعفاء.

المشكلة تكمن في أن إيران لم تكن تنظر إلى سياستها في المنطقة بوصفها تدخلاً، بل تعدها تحالفات مع أطراف تقاطعت مصالحها مع توجهات السياسة الإيرانية، والدليل أن ما يسمى بـ أذرع إيران ووكلائها لم يخوضوا الحرب نيابة عنها، بل كان لهم هامش الحركة وتحديد الأولويات.

الحرب اليوم ليس هدفها إسقاط النظام في إيران، بل وضع نهاية للشرق الأوسط الذي نعرفه. فواشنطن تريد السيطرة على شرايين العالم (هرمز وباب المندب وقناة السويس)، وصولاً ربما إلى البوسفور وجبل طارق.

  • شاهر الشاهر – أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين- الصين – المصدر : الميادين

اقرأ أيضا: المسيرات الإيرانية تضع واشنطن في مأزق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى