كتابات فكرية

​الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي.. وبناء الدولة، (بين التاريخ والافتراء والتشويه) 2-3

 ​الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي.. وبناء الدولة، (بين التاريخ والافتراء والتشويه) 2-3

  • قادري حمد حيدر

الثلاثاء 3 مارس 2026-

​الإهداء:

​إلى ملوك الدولة الصليحية؛ الذين تمنحنا ذكراهم – بعد قرون من رحيلهم – شعوراً بالهوان والعجز ونحن نرقب واقعنا الراهن، حيث نرى حكاماً وقادة أحزاب “معارضة”، ارتهنوا للخارج، وصاروا حراساً للرهانات الخاسرة، بعد أن فرطوا في كل شيء: السيادة والكرامة الشخصية والوطنية والاستقلال، وعجزوا عن صون بناء الدولة.

​رغم التبعية الروحية (المذهبية) والاسمية للدولة الصليحية للخليفة الفاطمي المستنصر بالله في مصر، إلا أنهم طيلة فترات ملكهم حكموا اليمن باستقلال سياسي مطلق عن الدولة الفاطمية، في كل شؤون الدولة السياسية الوطنية، والملك علي بن محمد الصليحي هو الذي جمع في ملكه بين الدولة والدعوة، حتى تعيين القاضي لمك بن مالك الحمادي مسؤولاً عن الدعوة، وجاءت السيدة الملكة الحرة أروى وبقرار ملكي يمني فصلت الدولة عن الدعوة والدعاة، حرصاً وحفاظاً على وحدة وقوة وتماسك الدولة.

​وهي محاولات مبكرة لفصل المذهبي/ الديني، عن الدولة، أي تغليب الدولة على الدعوة.

​وفي المقابل، لم تكن الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني، في خضم الهجمة السياسية والأيديولوجية الدينية (الوهابية)، والرجعية على الجبهة وعلى الحزب الاشتراكي اليمني، – بل وعلى كل قوى حركة التحرر في المنطقة – سوى لأنها القوة والسلطة التي عملت على فصل السياسي السلطوي (المصالحي) عن الديني (العقيدي)، حيث كان الدين السياسي يوظف من قبل أنظمة “البترودولار” لخدمة السلطة، وهي الفكرة والقضية التي اشتغل عليها الفكر الرجعي الإمامي والاستعماري/ السلاطيني معاً.

​لم تقدم الجبهة القومية أي تنازل عن قرارها السياسي السيادي والاستقلالي رغم الهجوم الأيديولوجي والسياسي الوهابي/ الديني على الثورة والدولة.

​إن ذلك الفصل للديني المقدس عن السياسي (المدنس/ المصالحي)، هو الذي أثار حنق وغضب أنظمة “البترودولار الوهابية” والاستعمار في تصعيد هجمتهما الدعائية والإعلامية ضد الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني بعد ذلك، بسبب انحيازهما للعدل الاجتماعي وضد الرأسمالية والإمبريالية. وهي الهجمة الأيديولوجية والدعائية السياسية والإعلامية التي ما تزال مستمرة حتى اللحظة في القنوات الفضائية الخاصة بهم التي تغطي المنطقة؛ خاصة وهم يتحدثون اليوم عن القضية الجنوبية، والحوار حولها، في محاولة منهم لتصوير نظام الثورة والاستقلال الوطني في جنوب البلاد أنه أحد أسباب وعوامل ظهور القضية الجنوبية. وهو ما حاول البعض إعلانه والاشتغال عليه في قلب “مؤتمر الحوار الوطني الشامل”، وسقطت معه هذه المعزوفة ولم تدرج في أدبيات ونصوص وقرارات مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، سقطت أمام صلابة وواقع وحقائق مَن هو الذي أنتج القضية الجنوبية الراهنة في واقع الممارسة.

​جريمة الجبهة القومية أنها كافحت وقاومت الاستعمار البريطاني مع جميع القوى السياسية الوطنية في جنوب البلاد، وقدمت التضحيات؛ آلاف الشهداء والجرحى مع غيرها من أبناء جنوب البلاد حتى نيل الاستقلال الكامل والناجز في الثلاثين من نوفمبر 1967م، على طريق بناء دولة وطنية يمنية جنوبية، أصابت وأخطأت؛ لأن من لا يعمل هو من لا يخطئ، بل إن من يعمل هو من قد يفشل هنا أو هناك ويتعلم من ذلك الفشل والخطأ، فما بالكم حين يكون ذلك العمل ريادياً وتاريخياً، ويمارس بروح الفداء والتضحية بالروح لا من أجل مصالح صغيرة عابرة، بل من أجل قضية نبيلة؛ الخطأ أو الفشل في مثل هكذا عمل هو قمة الصواب.

​لقد تم حصار هذه الدولة الوطنية المعاصرة سياسياً وشُنت الحرب ضدها من القوى الرجعية العربية ومن القوى الاستعمارية. ثورة ودولة شنت ضدها حرب أيديولوجية دينية وسياسية وإعلامية في تصويرها دولة معادية للدين وملحدة، “شيوعية” ومعادية لمحيطها العربي “المسلم”، الذي كان بأغلبيته كحكام تابعاً للعجلة الإمبريالية الرأسمالية الاستعمارية، – وما يزال – ضداً على ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، وضد كل توجه حركة التحرر الوطنية العربية، في واقع انقسام العالم إلى معسكرين: اشتراكي ورأسمالي، في مناخ “الحرب الباردة”، حيث وجدت دولة الجنوب الوطنية نفسها قلعة ثورية محاصرة في بحر النفط المجنون “البترودولار” المنحاز للرجعية والاستعمار. بل وحتى اليوم ما تزال مستمرة الحرب الدعائية والأيديولوجية والسياسية ضد تاريخ تجربة الثورة في جنوب اليمن وحتى في شمال البلاد.

​إن المملكة السعودية ناصبت الجمهورية الوليدة العداء، ولم تعترف بها إلا في بداية السبعينيات، بعد أن اعترف بها العالم كله. وهو ذاته الموقف الذي اتخذته ضد ثورة 26 سبتمبر 1962م، من أول أسبوع لقيام الثورة.

​ووجدت الدولة الوطنية الجنوبية نفسها بحكم خيارها الأيديولوجي والسياسي منحازة للمعسكر الاشتراكي الذي تحول في الخطاب الأيديولوجي والإعلامي العربي الرجعي والغربي الاستعماري إلى إلحاد وكفر بالدين الإسلامي. وهي النغمة الأيديولوجية الدعائية التي ما يزال البعض – مع الأسف – يرددها حتى اليوم وهو يقدم قراءته للتاريخ السياسي لجنوب اليمن، ولتجربة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني بعد ذلك.

​وفي هذا المناخ السياسي والأيديولوجي والأمني والعسكري والاقتصادي والإعلامي كانت دولة الاستقلال الناشئة تكافح وتواجه هذا الخليط من العدوان: السياسي والإعلامي والاقتصادي والعسكري، بل والسيكولوجي ضد الثورة والدولة الفتية.

​ومع ذلك ومن الصفر بدأت الجبهة القومية ومعها كل القوى الثورية التقدمية في بناء الدولة والاقتصاد، فالاستعمار البريطاني لم يترك أي أثر مادي أو مؤسساتي لبناء الدولة سوى ما كان يخدم مصالحه الجيوسياسية، في مدينة عدن، وفي حدود وظيفية بسيطة، حتى المدارس المحدودة كانت أهلية، ولم تعرف البلاد الجامعة إلا بعد قيام دولة الاستقلال الوطني، باستثناء ما كان يسمى بــ”مستشفى الملكة”، تركت البلاد فارغة من أي ميزانية، حتى التعهدات البريطانية المحدودة بدعم ميزانية الدولة لم تتم، بل إن النظام الاستعماري وقبل خروجه رفع المرتبات بصورة تفوق قدرة البلاد المالية والاقتصادية، ضمن قصدية سياسية لتشكل معوقات أمام النظام الوطني بعد الاستقلال.

​وفي سياق تجربة إدارة وبناء الدولة ارتكبت قيادة الثورة في جنوب البلاد في سياق الممارسة العديد من الأخطاء بل والخطايا التي أضرت بالتجربة، وآخرها كارثة 13 يناير 1986م، التي لم تكن حرباً ضد المجتمع بل صراعاً على قيادة الحزب والدولة.

​الصليحيون وجدوا أنفسهم محاصرين بالمذاهب الدينية السنية وخطاب الفقهاء المتعصبين، وبالزيدية الهادوية أخت الإسماعيلية في الجذر الشيعي الإمامي، ومنافستها على صعيد التجربة السياسية في السيطرة على السلطة باسم “الإمامة”.

​فالإسماعيلية والزيدية الهادوية يلتقون في الدفاع عن “آل البيت”، وعن فكرة وقضية الإمامة باعتبارها – كما سبقت الإشارة – أصلاً من أصول الدين، على أنهم يختلفون في النموذج السياسي في بناء الدولة حيث أقام الصليحيون دولة تعكس حالة وطنية أو شبه وطنية جامعة في ذلك التاريخ الصعب، فيها قدر كبير من العدالة ومن التنمية الاقتصادية، في حين فشلت تجارب الدويلات اليمنية المستقلة الصغيرة والكبيرة؛ (آل زياد بزبيد حكمت حوالي قرنين من الزمان، وآل يعفر بصنعاء حكمت حوالي 170 عاماً)، إلى جانب غيرهما من الدويلات الأصغر، كما فشلت التجربة الزيدية الهادوية في بناء الدولة اليمنية المستقرة ذات الإنجاز العمراني والمادي/ الحضاري.

​يمكنني القول إن ظاهرة الأوقاف الصليحية التي توسعت، وخاصة الأوقاف التي أوقفتها الملكة السيدة الحرة، وهي الأوقاف الكبيرة التي تم توظيفها في خدمة المجتمع؛ زراعة وطرق مواصلات وتعليم وعمران، تساوي أو تعادل ما يمكننا تسميته باصطلاحات اليوم بـ”الإصلاح الزراعي”. لقد أقرت الجبهة القومية قانوني الإصلاح الزراعي والتأميم كقوانين اقتصادية اجتماعية لصالح كل المجتمع ووثقت رسمياً وقانونياً كل ذلك باسم ملكية الدولة. على الأخطاء التي ارتكبت في تجربة التأميم الذي جرى وتم في جنوب البلاد في تاريخنا المعاصر، على الأقل أن التأميم جرى وتم لصالح ملكية الدولة “الشعب”، وليس لملكية خاصة بالقيادات الحزبية الحاكمة الذين لم يتملكوا سوى منازلهم الشخصية، هكذا كانوا، وهكذا دخلوا إلى دولة الوحدة في مايو 1990م، على عكس ما تم بعد حرب 1994م، حيث تحولت معظم ملكية الجنوب الاقتصادية والعقارية بما فيها ملكية قطاع واسع من الناس إلى ملكية خاصة لتجار الحرب بعد أن توحد “المعسكر بالمسجد” في الحرب على الوحدة السلمية والديمقراطية، ضمن أيديولوجية وشعار “الوحدة بالحرب وبالدم” نقضاً للوحدة السلمية، التي حولت أبناء الجنوب بقدرة الفتوى الدينية/ الأيديولوجية والحزبية إلى “كفار تأويل”؛ لأن الحزب الاشتراكي اليمني “الشيوعي/ الكافر”!! الذي تم التوحد معه هو من كان يحكم جنوب البلاد، وكأنه اكتشاف سياسي متأخر، ومن أن أبناء الجنوب الذين كانوا “يتمرسون” بهم يقعون تحت طائلة الحرب والاستباحة كما جاء في نص فتوى عبد المجيد الزنداني، وعبد الوهاب الديلمي، المشهورة والمنشورة في جريدة الإيمان والموجودة على الإنترنت.

​وهي الفتوى التي لم تكفر أبناء الجنوب فحسب، بل واستباحت أرضهم ودماءهم وممتلكاتهم، وهو ما كان. وهو ما لم تمارسه الجبهة القومية التي أصدرت قانون إصلاح زراعي لمصلحة فقراء الفلاحين في شكل تعاونيات وجمعيات زراعية في أرياف البلاد بقانون رسمي، وأممت ممتلكات الشركات المالية والمصرفية والبنوك الأجنبية لصالح ملكية الدولة، وأخطأت نعم، أخطأت خطأ جسيماً في ممارسة العملية التنفيذية في تطبيق قانون التأميم التي شملت التجارة الداخلية والمساكن وقوارب الصيد وممتلكات الطبقة الوسطى اليمنية، وهو ما أضر في تجربة البناء الاقتصادي لتجربة الثورة وبناء الدولة، فضلاً عن الشمولية السياسية والحزبية -كما كان الحال في شمال البلاد- التي حظرت الأحزاب، وهي ليست حالة يمنية بل هي ظاهرة عربية بل وعالم ثالثية في واقع مناخ الحرب الباردة وانقسام العالم إلى معسكرين اشتراكي ورأسمالي، حيث كانت فكرة وقضية الديمقراطية آخر اهتمامات الدول والأحزاب بمختلف عناوينها وتسمياتها في كل المنطقة العربية بدون استثناء، من المشرق العربي إلى المغرب العربي.

​ومن يعد لمطالعة كتاب صموئيل هنتنجتون “صراع الحضارات، وبداية الإنسان”، سيجد أنه يذكر أن %12 فقط من دول العالم هي التي كانت تمارس الديمقراطية في الخمسينيات، وبالطبع هي ديمقراطية الرأسمالية الاقتصادية والطبقية؛ ديمقراطية الحزبين (الديمقراطي/ والجمهوري) في أمريكا، والـ (العمال والمحافظين في بريطانيا)، وقس على ذلك.

​شكل سياسي ديمقراطي ومضمون اجتماعي اقتصادي وطبقي استبدادي بل واستعماري، يحتكر السلطة والثروة في طبقة واحدة لنهاية التاريخ، ضمن ما يسمى “المجمع الصناعي العسكري النفطي والمالي”، وليس الديمقراطية للشعوب، وهو القائم في أمريكا منذ نشأتها، وهكذا في أوروبا، والظاهرة الترامبية نموذج صارخ للديمقراطية الغربية الرأسمالية التي تحولت في سيرورتها السياسية والاقتصادية إلى حالة استعمارية علنية وبالمكشوف، بعد أن وصلت الرأسمالية إلى نهايتها الإمبريالية الاستعمارية، في صورة ما يجري في العالم اليوم.

​الشيء الواقعي والحقيقي الذي أستطيع أن أؤكد عليه هو أن ثقافتنا الأيديولوجية والسياسية التاريخية تقوم وتؤكد على “الواحد الفرد” وليس على الفردانية كرؤية وفلسفة.. تقوم على الوحدة بمعنى الاتحاد في مواجهة العدو، وحدة واتحاد تحت قيادة الحاكم الفرد الواحد: السلطان والأمير والملك والإمام، وهي ثقافة فكرية وسياسية تاريخية لا تؤمن بالتنوع والتعدد والحق في الاختلاف، وهي التي أنتجت ظاهرة الزعيم الواحد “فارس اليمن” و”القائد الضرورة”، وبالنتيجة الوحدة المصمتة القاتلة تحت قيادة حكم الفرد.. ثقافة تربينا عليها من البيت إلى المسجد إلى المدرسة وصولاً للحزب -مع الأسف- وهي واحدة من أبعاد خلفية أزمتنا في إدارة الاختلاف والصراع بالعنف والحروب التي لم تتوقف إلا لتبدأ، وما يحصل اليوم في البلاد شمالاً وجنوباً، شاهد على ذلك.

​ومع ذلك وفي خضم هذه المعمعة الفكرية والسياسية والمفاهيمية التاريخية المعقدة، حاول الحزب الاشتراكي وكان من أوائل الأحزاب على المستوى اليمني التي بادرت إلى نقد ذاتها وتجربتها السياسية في الحزب وفي بناء الدولة، في أكثر من وثيقة وبيان وخطاب نقدي وصل حد “جلد الذات”، في الوقت الذي ما يزال البعض متمسكاً حتى اللحظة بثوابته القروسطية ويتمترس خلف هوياته الأيديولوجية الشمولية والعصبوية: السياسية والدينية والقبلية والطائفية والجهوية.

​إن الفضل الكبير في نشر ثقافة الوحدة اليمنية في الجنوب والشمال يعود للحزب الاشتراكي اليمني وللأحزاب القومية اليمنية في الشمال والجنوب.

​كانت ديباجة وترويسة صحف الحزب الاشتراكي اليومية والأسبوعية (الثوري) ومجلاته تقول: “لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية، وتنفيذ الخطة الخمسية، وتحقيق الوحدة اليمنية”. كان خطاب الوحدة اليمنية هو الواسع الانتشار كرؤية استراتيجية وليس كتكتيك كما هو الحال مع البعض. كان طابور الصباح المدرسي في التعليم الأساسي كله في البلاد يردد شعار الوحدة اليمنية تأكيداً على أن قضية الوحدة اليمنية كانت مبدأ وغاية (هدفاً استراتيجياً) وليس كمناورة ومراوغة سياسية تكتيكية كما كان الحال مع نظام علي عبد الله صالح، وزبانيته.

​ومن هنا كانت “صدمة الغزو والاجتياح”، لأبناء جنوب اليمن بعد الوحدة بالحرب والدم، وتحويل الجنوب إلى “غنيمة حرب” عنيفة وقاسية على مشاعرهم ووجدانهم السياسي والاجتماعي والوطني، أوصلت بعضهم – مع الأسف – للتنكر حتى لهويتهم اليمنية التاريخية.

​وحول الشمال السياسي السلطوي والموقف من الوحدة اليمنية، يكتب السفير والمثقف والسياسي اليمني علي محسن حميد التالي: “دفع الوحدويون في الشمال أثماناً قاسية لوحدويتهم، وعانوا من كراهية وتهميش واضطهاد وهضم حقوقهم، وكان الوحدوي متهماً بأنه غير وطني وعميل للجنوب وموسكو معاً، ولقي العشرات وربما المئات حتفهم في السجون أو بالاعتقال”(1).

​يكفي أن تعود لقراءة مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر (ص 148 وما بعدها) ليتأكد لكم أن فكر وثقافة الوحدة وبناء الدولة هي آخر اهتمامات القوى المشيخية القبلية والعسكرية والدينية السياسية. ويمكنكم كذلك العودة إلى كتاب الأستاذ محسن أحمد العيني “خمسون عاماً في الرمال المتحركة” وتجربتي في بناء الدولة، وهو يحكي فيه بمرارة عن مشكلته الشخصية والسياسية والوطنية في بناء الدولة مع الجماعات المذكورة، كما يمكن العودة للكتاب المذكور لمعرفة من كان سبباً في إشعال حرب 1972م، وهو يعلنها بشكل واضح أنها القوى المشيخية القبلية والدينية السياسية في مجلس الشورى؛ هذا لمن يريد أن يقرأ وقائع التاريخ كما كانت، وليس قراءة الافتراء والتشويه لحقائق ووقائع التاريخ كما هي.

​تعرضت آثار الدولة الصليحية للمحو كما تعرض ضريح الملكة السيدة الحرة أروى للعبث فيه في التاريخ الإسلامي اليمني، وآخرها قبل عقدين ونصف من الزمن، وهي محاولات لتدمير الضريح/ القبر لمنع الناس من زيارته، دليل محبة شعبية تلقائية لدورها كملكة يمنية وطنية، بل وتعرضت آثار الدولة الصليحية المعمارية وغيرها (2) لمثل ذلك العبث والعدوان، وهو استمرار لما كان من مصادرة كتب وأدبيات الإسماعيلية وصولاً لحرق مؤلفاتهم في التاريخ السياسي والفكري الإسلامي واليمني.

​وليس تسمية “الباطنية” من فراغ، ليس لأنهم يخفون حقيقة مذهبهم الذي يتعارض مع جوهر وروح الدين الإسلامي كما يروج البعض، وإنما لرؤيتهم الفلسفية لمعنى الظاهر/ العام، والباطن/ الخاص (3) نتيجة قولهم بالظاهر (للعامة) والباطن (للخاصة)، ولذلك تم قمع ومصادرة تراثهم المذهبي والفكري والثقافي الإسماعيلي، وهو نفس ما يتعرض له إرث وتاريخ الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني، الذي تحول من صانع للوحدة ضمن أيديولوجية “الوحدة بالحرب والدم” إلى “مرتد دينياً” وإلى “انفصالي سياسياً” ضمن شعار “حرب الردة والانفصال”، وهو الشعار، الذي يجمع بين التخوين السياسي والوطني، وبين التكفير الديني، حيث وظف الدين لخدمة السياسة والسلطة والحرب، فتوحدت المعسكرات بالمساجد، حتى انمحت الفروق حينها بين المسجد والمعسكر، من خلال وحدة الجماعات المشيخية والقبلية والعسكرية والجهادية الأفغانية المتأسلمة في الحرب على الحزب الاشتراكي، من الحرب العسكرية إلى الحرب الدينية إلى حرب الفيد والغنيمة للسياسة والسلطة وللاقتصاد ولالتاريخ، وهي الحرب التي طالت كل جنوب البلاد وليس الحزب الاشتراكي اليمني فحسب.

​الهوامش:

​1- علي محسن حميد: “الفدائي الوحدوي، علي سالم البيض”، من الإنترنت.

​2- أمين نعمان حامد حميد المؤيد: (الدولة الصليحية في اليمن (439-532هـ/1047-1137)، دراسة في أحوالها الاقتصادية والاجتماعية)، سلسلة الدراسات السليمانية، مؤسسة الهمداني الثقافية، سلسلة إصدارات الدار المحمدية الهمدانية للدراسات والأبحاث ط(1)، 2022م، ص 15.

​3- ليس دقيقاً ما يذهب إليه البعض من أن تسميتهم بـ”الباطنية” ناتجة عن أنهم يخفون ويتسترون على حقيقة جوهر مذهبهم، وإنما لأن “الظاهر” عندهم في الكلامية والفلسفة هو للعامة الذين يأخذون ويرون سطح الأمور، أما “الباطن” فهو للخاصة الذين ينفذون إلى الأعماق والجواني من الأفكار والأشياء التي لا يدركها سوى الخاصة من المهتمين والعلماء، هذا للتوضيح.

اقرأ أيضا مواضيع متعلقة: الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي، وبناء الدولة، (بين التاريخ والافتراء والتشويه) ١ – ٣

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. عن المقاومة التي لا تموت ولا تهزم !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى