كتابات فكرية

التعصب.. والعناد الايديولوجي

  التعصب.. والعناد الايديولوجي

  • امين الجبر

الأربعاء 8 أبريل 2026-

تتشابك مصطلحات (التعصب، والثأر، والعناد) في الفضاء اليمني لتشكل وحدة عضوية متماهية، تتداخل فيها المدلولات وتتطابق الممارسات إلى حد يطمس الفواصل الدقيقة بينها؛ فإذا كان التعصب هو الإرهاصة الأولية الكامنة، فإن الثأر يمثل جذره الضارب في عمق الوعي، بينما يغدو العناد فقاسة تعيد إنتاج التعصب والثأر من جديد، في مشهد تراجيدي وتكراري يتوالد فيه هذا الثالوث بشكل جيني داخل جسد المجتمع اليمني منذ الأزل.

إن هذا المسار تتحكم فيه عصبويات متنوعة صبغت الثقافة الاجتماعية والسياسية بصبغتها، مما جعل الفكاك من تبعاتها عصيا، لا لكون الإنسان مجبولا على شهوة السيطرة والتملك فحسب، بل لأن الحاضنة البيئية لا تزال توفر عوامل التوالد والنمو، وعلى رأسها الأمية التعليمية والجهل المركب، والفقر المستشري، والقبلية المتعصبة، والطائفية المذهبية، والسلالية العرقية، والحزبية اللاوطنية، والمهنية الحرفية، وضعف الوازع الديني.

ولا سبيل للقضاء على هذه الظواهر السلبية وإذابتها إلا عبر إحداث قطيعة ثقافية شاملة، تبدأ بالتربية الوطنية والأخلاقية الجامعة، والانخراط في عالم كوكبي تحكمه المصالح المشتركة وتبوصله قيم السلم والتعايش، مع إشاعة الثقافة المدنية ونبذ التعصب بكافة أشكاله، وتكريس العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية؛ فبدون هذه العوامل ستظل العصبويات مهيمنة على وعي المجتمعات المتخلفة، ولن تنفك من أصفادها حتى وإن تدثرت برداء القداسة أو ادعت تمثيل رسالات السماء.

ولأن التعصب في اليمن قد تجذر بفعل عوامل الطبيعة الجغرافية، وتعدد أفخاذ القبيلة، وتنوع مراكز الضخ الأيديولوجي، وتشابك المصالح وتقاطعها، فإن المخرج يكمن في حزمة معالجات وطنية تختصر في: إشاعة ثقافة السلم، وإيجاد المشروع الوطني الجامع، والتنشئة الوطنية السليمة، والمواكبة العلمية والثقافية، ونبذ المناطقية والمذهبية، وتوحيد المناهج التعليمية، والتشاركية العادلة في القرار والسلطة والثروة، وصولا إلى الذوبان الهوياتي الكامل في الكيان اليمني الجامع.

إن عدم تحقيق هذه المعالجات يعني بقاء مثاقفات التعصب واصطراعاته كامنة في الوعي، تتحين الفرص والمحفزات لتطغى من جديد وتثير دورات عنف لا تنتهي، ولعل أقسى تجليات هذا الداء وأكثرها مدعاة للسخرية هو تعصب المثقفين والأكاديميين؛ حيث يتحول الأكاديمي المصاب بهذا الداء إلى مجرد (عكفي) متوشح بجلباب الثقافة، متخندق خلف متاريس العصبية، وإن تزيا بزي المدنية وتمظهر بظواهرها.

اقرأ أيضا: نتنياهو يحاول افشال اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران من خلال العدوان الصهيوني هو الأعنف على لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى