التحولات الكبرى.. صعود اليمين وأزمات اليسار في عالم متغير

التحولات الكبرى.. صعود اليمين وأزمات اليسار في عالم متغير
بقلم/ إبراهيم الحبيشي
السبت 31 يناير 2026-
في مشهد سياسي عالمي متقلب، يشهد اليسار السياسي تراجعاً ملحوظاً في العديد من المعاقل التقليدية، بينما يحقق التيار اليميني والمتطرف في بعض الأحيان تقدماً يصاحبها عودة للخطابات القومية والشعبوية. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكم إخفاقات ونظريات لم تستطع مواكبة تعقيدات الواقع المعاصر. لطالما تمسك اليسار بمفاهيم نظرية تجاوزها الزمن، مفاهيم تتعلق بصراع الطبقات وضرورة تدخل الدولة المطلق في الاقتصاد، بينما أثبت الواقع أن النماذج الناجحة هي تلك التي تدمج بين آليات السوق والضوابط الاجتماعية.
من المفارقات اللافتة في المشهد الدولي اليوم أن الصين، التي ترفع راية الاشتراكية، توصف من قبل مراقبين كثر بأنها أكبر دولة رأسمالية في العالم من حيث النمو الاقتصادي وانتشار شركاتها واستثماراتها عالمياً. هذه المفارقة تظهر الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، حيث تبنّت الصين نموذجاً اقتصادياً هجيناً جمع بين سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية وانفتاح كبير على آليات السوق العالمية، مما دفع البعض إلى وصفها “بالرأسمالية السلطوية”.
وفي روسيا، شهدنا إقصاء ديمتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق والرأس الموازي لفلاديمير بوتين، عن الصلاحيات الاقتصادية لصالح الملفات الأمنية، بعد اتهامه بمحاولة “ترأسملة” الاقتصاد الروسي بشكل يهدد التحكم المركزي. هذه الخطوة تعكس صراعاً خفياً داخل النخب الحاكمة بين تيار يرى ضرورة الانفتاح الاقتصادي وآخر يتمسك بسيطرة الدولة كمصدر للشرعية والاستقرار السياسي.
أما في أوروبا، فإن صعود اليمين والمتطرفين ليس مجرد رد فعل على موجات الهجرة أو الأزمات الاقتصادية فحسب، بل يمكن اعتباره أيضاً نتاجاً لإخفاقات اليسار التقليدي الذي فشل في تقديم إجابات مقنعة لتحديات العصر. لقد أصبح الخطاب اليساري في كثير من الأحيان أسير النظريات المجردة والشعارات الرنانة التي فقدت صلتها بهموم المواطن اليومية، بينما قدم اليمين خطاباً بسيطاً يلامس مخاوف الناس ويعد بحلول سريعة وإن كانت غير واقعية في كثير من الأحيان.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أصبحت المفاهيم اليسارية التقليدية من الماضي؟ يشهد الواقع تحولات كبيرة، حيث تخلت العديد من الأحزاب اليسارية عن ثوابتها عندما وصلت إلى مفترق طرق حاسم، متبنية سياسات تتعارض مع خطابها التاريخي. هذا التحول لم ينجح في كثير من الحالات في استعادة الثقة، بل كشف عن أزمة هوية عميقة. الانهيار الحقيقي للكثير من التجارب اليسارية حدث عندما انتقلت من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ، فاصطدمت المبادئ النظرية بصلابة الواقع وتعقيداته.
المستقبل يفرض على اليسار إعادة اختراع ذاته، ليس من خلال التخلي عن قيمه الجوهرية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمساواة، بل من خلال تطوير أدوات جديدة تتعامل مع عالم لم يعد يقبل بالتقسيمات التقليدية بين اليمين واليسار. النجاح سيكون حليف من يقدم رؤية واقعية تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بعيداً عن الشعارات الجوفاء والنظريات التي تجاوزها الزمن.
اقرأ أيضا: الإمام الشافعي، شاعراً .. (نماذج مقطوعات وأبيات من شعره الحكمي) ٢-٣




