كتابات فكرية

الأستاذ جلال الحلالي وغربة المكان

الأستاذ جلال الحلالي وغربة المكان

بقلم / حسن الدولة

الثلاثاء 27 يناير 2026-

كتبتُ قبل أيام مقالا عن الشهيد المغدور به المناضل بطل السبعين يوما النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب، وكان من بين التعليقات تعليق للأخ الأستاذ جلال محمد الحلالي، أشار فيه إلى أنني لا أخفي نزَعتي اليسارية، لأنه ظن ان عبدالرقيب من اليساريين او من حركة القوميين العرب ، فهو لا يعرف انه مستقل ، ولم ينتم لحزب ،عكس بعض زملائه في المظلات، والصاعقة، وبالنسبة ليساريتي فأنا لم أنكر ذلك، بل أكدت له ـ بوضوح لا لبس فيه ـ أن يساريتي ليست انتماء أيديولوجيا جامدا، ولا استنساخا لتجربة تاريخية بعينها، بل هي نزعة أخلاقية نابعة من قناعتي الدينية، ومن فهمي للعدالة الاجتماعية كما تأسست في الوعي الإسلامي المبكر، لا كما صاغتها الأيديولوجيات المادية الحديثة – المركزية على وجه الخصوص- .

كما أوضحتُ له أن دعوة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام إلى إعطاء من لديه فضل مال لمن لا فضل لديه، ومن لديه فضل رداء لمن لا فضل رداء لديه، ليست اختراعا يساريا حديثا، بل نداء أخلاقي إنساني أصيل. فالقرآن حين واجه الفوارق الطبقية لم يبررها، بل حمّل المجتمع مسؤوليتها، وقال بوضوح لا يحتمل التأويل:

﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث أكلًا جمًّا﴾.

واستحضرت قول الإمام علي بن أبي طالب:

(ما رأيتُ نعمةً موفورةً إلا وبجانبها حقٌّ مضيَّع)،

وقوله: (ما جاع فقيرٌ إلا بما مُتّع به غني)،

لا بوصفها شعارات ثورية، بل باعتبارها رؤية أخلاقية عميقة للاقتصاد والمجتمع، ترى أن الخلل الاجتماعي ليس قضاء إلهيا، بل نتيجة اختلال في ميزان العدل.

غير أن تعقيب الأخ جلال ـ مع تقديري لدعوته للحوار ـ قد جاءت وكل رغبة في الرد عليه حين دفعه اتجاهه الليبرالي ان ينزل مقالا يساوي فيه بين الراحلين الشيخ عبدالمجيد الزنداني والمناضل علي سالم البيض، والكل يعرف ان الأول كفر الثاني واباح نهب وسلب المحافظات الجنوبية.

 على كل حال لقد كان جلال في تقديري غير موفق، إذ انزلق إلى مقارنة مضحكة جدا كما انزل ايضا معي من مناقشة الفكرة إلى نبرة تعالٍ ثقافي، وإيحاءٍ بضعف صلتي بعلوم العصر الحديث حسب زعمه، وكأن الثقافة الإنسانية تقاس بمدى القطيعة مع التراث، لا بعمق الفهم والنقد، ولا بقدرة الإنسان على التأويل الخلّاق.

وأجدني مضطرا هنا للتوضيح، لا دفاعا عن ذاتي، بل دفاعا عن فكرة أعمق:

وما يجب عليه ان يفهم بأن الحداثة ليست قطيعة، بل وعيا تاريخيا، كما اريد أن ابين له ليس تباهيا بل توضيحا بأنني قرأتُ الفلسفة اليونانية، ووقفتُ عند أسئلتها الأولى عن الوجود والمعرفة. واطلعت على ديكارت الذي دشّن الفلسفة الحديثة بسؤاله عن اليقين، ومررت بكانط الذي أعاد تعريف حدود العقل، وتابعتُ ياسبرز في أفق الفلسفة الوجودية، وسارتر وهايدغر في سؤال المعنى والحرية والوجود، واطلعت على البنيوية والتفكيك، وانتهيتُ إلى الهرمينوطيقا كما بلورها غادامير، حيث يصبح الفهم فعلا تاريخيًا مشروطا بالأفق والسياق.

– فديكارت علّمنا أن الشك طريق اليقين.

– وكانط علّمنا أن للعقل حدودا لا يجوز تجاوزها.

– وسارتر جعل الإنسان مسؤولا عن حريته.

– أما هايدغر فقد أعاد طرح سؤال الوجود المنسي.

– وبالنسبة لغادامير فقد قال لنا إن الفهم حوار بين الماضي والحاضر، لا إلغاء لأحدهما.

وهنا أصل إلى جوهر الخلاف:

الأخ جلال يفاخر بحداثته، لكنه ـ في نظري ـ يمارس حداثة مبتورة، ترى في التراث عبئا يجب التخلص منه، لا موردا يجب تأويله، وفقا للمنهج الهيرمنيوطيقي اي منهج فهم الفهم.

وقد اوضحت له في تعليقي بأن الكثير من مثقفينا يعيشون غربتين غربة زمانية وهم الاغلب من المنكفئين على الذات عبدة من في القبور، وغرباء غربة مكانية والاخ جلال أحدهم وحالهم حال من يستعير أدوات فكرية نشأت في سياق تاريخي ومكاني واجتماعي مختلف، ثم يحاول إسقاطها على مجتمعه دون وعي بشروط نشأتها، ولا ببنية الثقافة التي تتحرك فيها.

ثمّة مسألة أكثر عمقا لا يجوز تجاهلها إن الموقف العدائي من اليسار، في كثير من الأحيان، ليس موقفا فكريا خالصا، بل هو موقف تحكمه المصلحة المالية والطبقية. فالعلة هنا ليست علة فكر، بل علة طبع، وتبديلها يهدد مصالح طبقات بعينها.

الرأسمالي يكره الاشتراكية لمصلحة واضحة.

والقاضي المرتشي، حين يحكم على يساري بالسجن أو الردة، يجد لذّة في إصدار الحكم، لأنه لا يرى فيه خصما للعدالة فحسب، بل خصما لمصالحه الشخصية.

فتغدو الاشتراكية في وعيه بدعة، لا لأنها ظالمة، بل لأنها تصطدم بمصالح الأغنياء.

ولهذا السبب، لم يعد الناس أحرارا في البوح بأفكارهم عن العدالة الاجتماعية في معظم أقطار العالم، لا في الشرق وحده، بل حتى في الغرب الذي يتغنى عزيز جلال بحرية التعبير لديه، دون النظر ما يجري من تناقض بين الشعار والممارسة وغزة وإيران وفنزويلا مجرد امثلة.

صحيح أن الاشتراكية تراجعت تاريخيا كما أكد “جلال” لكن هذا التراجع لم يكن بسبب الفكرة ذاتها، بل بسبب الخطأ في التطبيق. وفي العالم العربي تحديدا، نقلت الأنظمة التي رفعت شعار الاشتراكية الصراع الطبقي من ساحة المجتمع إلى ساحة الدين، فحوّلته إلى صراع مع الله والتراث والثقافة، بدل أن يكون صراعا ضد الظلم.

والإنسان ـ مهما ادّعى التحرر ـ هو ابن ثقافته.

وأنا ابن الثقافة السبئية، والإمامية، والهادوية، والشافعية، والإسماعيلية… إلخ، فهذا هو أحد السجون التي تعاني منه شعوبنا العربية والإسلامية

والخروج من هذه العباءة ليس كنزع معطف، بل كمن يحاول أن يخرج من جلده. ومن أراد التحول إلى الليبرالية أو غيرها، فعليه أن يعمل على تبيئتها، لا فرضها، ونشر الوعي بها من داخل السياق الثقافي، لا التعالي عليه.

ولنا في ثورة 1948م مثلٌ بالغ الدلالة، حين جاء الثوار بدستور كتبه البنّا والفضيل الورتلاني، ونسخة المناضل أحمد محمد الشامي بقلمه، بينما كان الشعب لا يعرف ما هو الدستور ولا ما هو الميثاق. وحين فشلت الثورة، تساءل الناس: ما هو الدستور؟ فقالوا: رجلٌ ذو لحية بيضاء أُلقي القبض عليه وهو يحاول الفرار من “حزيز” جنوب صنعاء.

وهذا ـ في جوهره ـ هو حال كثير من دعاة الليبرالية اليوم، وهو أيضا حال الأستاذ حسين الوادعي أستاذ الاخ جلال والأكثر فهما وليبرالية، وكلاهما اعتنقا الليبرالية، لكنكما تعاليتم على الواقع بدل أن تنزلوا إليه.

ويحضرني هنا مثال بالغ الدلالة من مصر في عهد الملك فاروق، حين رشّح المفكر الكبير أحمد لطفي السيد نفسه لعضوية البرلمان في دائرة ريفية. فاستغل خصمه جهله بطبيعة المجتمع، وطاف في الناس يقول: إن منافسي ديمقراطي. وكان الناس يومها يرون الديمقراطية كفرا. وحين دخل لطفي السيد السرادق، سأله أحدهم: هل صحيح أنك ديمقراطي؟ فأجاب بنعم. فما إن أكمل الجملة، حتى ثار الناس، وكسروا الكراسي، وأحرقوا المكان، وفشل في الانتخابات.

وفي الختام اقول لأخي جلال لا تتعالَ على الواقع، بل انزل إليه وغيّره من داخله.

وأحب ان اضع امامك أربعة مناهج كبرى هي:

منهج الألف والعادة – اهل السنة المحافظة على اتباع دين الآباء وهؤلاء يتجاوزهم التاريخ.

ثم دعاة منهج الإصلاح، الذين يُتهمون من العوام بأنهم يريدون إخراج الناس من دينهم.

ثم المنهج الثوري العنيف، الذي يحاول تغيّير الواقع بالقوة كما فعل الماركسيون في الاتحاد السوفيتي، وانتهى بانهيار المنظومة بسقوط جدار برلين.

ويبقى المنهج الرابع: المنهج الديني الرسالي، الذي يُبقي على الشعار، ويفرغه من محتواه القديم، ويمنحه مضمونًا معاصرًا.

الرسول الكريم واجه فكر “ما ألفينا عليه آباءنا”، وأعاد تعريف القيم، فقال:

“انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”، ثم فسّر النص تفسيرا ثوريا أخلاقيا: أن نمنع الظالم من ظلمه.

وحين واجه أهل الكتاب رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، قال لهم بأن القرآن مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، لا ملغيا لها ولا قاطعا معها.

ومن هذا المنطلق، أنادي بالدولة المدنية، انطلاقا من صحيفة المدينة، التي جعلت اليهودي والمشرك والمؤمن أمةً واحدة في الحقوق والواجبات. وكان الناس يبايعون النبي حاكمًا، لا وسيطًا بين الإنسان وربه. فالدين بلاغ، لا سلطة قهر. والرسول لم يكن مسيطرا، ولا جبارا، ولا وكيلًا عن الله.

وكذلك الاشتراكية التي أدعو إليها:

هي اشتراكية طوعية تكافلية.

وحين يختل الميزان ويستوجب الأمر التأميم، فإن الإمام علي سبق الجميع حين أعلن:

“إن المال مال الله، وأنتم مستخلفون فيه ثم اقسم قائلا والله لأردنّ المال إلى بيت مال المسلمين ولو كان قد تُزوِّج به النساء واشتُري به الإماء”.

حتى قال عمرو بن العاص لمعاوية:

“ما أنت صانع إذا قشرك ابن أبي طالب كما تُقشر العصا من لحاها”.

حين نُبيّئ الفكر المعاصر من داخل التراث، نستطيع تغيير الواقع.

أما استيراد أفكار الغرب وإسقاطها على الشرق دون وعي، فذلك هو غربة المكان بعينها.

وأخيرًا، أرحب بالحوار الذي دعا إليه الأخ جلال، لا من موقع تفوق، ولا من موقع دفاع، بل من موقع إيمان عميق بأن الحقيقة لا تولد إلا من الاختلاف فمن الرأيين المختلفين ينبثق رأي ثالث، كما أننني ارثي لحال أولئك الذين يعانون من غربة المكان وكذلك ارحم الذين ينكفئون على الذات ويعانون من غربة الزمان.

فتواضع اخي جلال، ولا تعتبر ثقافتك معيارا لقياس صحة معارف الاخرين فهذا علاقته بثقافة العصر ضعيفة وذاك قوية، وهذا صح وذاك غلط، فهذا هو مسلك التكفيريين.

اقرأ أيضا: الإمام الشافعي شاعراً (١ – ٣)

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. التسلط مرض مزمن هل له من دواء؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى