أضواء من كتاب “على مشارف القرن الخامس عشر للمفكر إبراهيم الوزير” الحلقة (24)

أضواء من كتاب “على مشارف القرن الخامس عشر للمفكر إبراهيم الوزير” الحلقة (24)
سلبيات الحركة الإسلامية المعاصرة

بقلم الأستاذ :عزيز بن طارش سعدان
الخميس27مارس2025_
{قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} (سورة آل عمران – آية ١٦٥)
ما تحقق في المجتمع المكي..لقد حقق أسلوب العمل الصحيح، في «المجتمع المكي»، للمسلم مجتمعاً وقيادة ونهجاً وحركة.. غايتين أساسيتين هما:
• العزلة النفسيةوبناء مجتمع جديد متميز
وعدم الانفصال تحققت«العزلة النفسية» عن «المجتمع الجاهلي» العملي عنه في الوقت نفسه، وذلك باتخاذ «فلك خاص» هو «فلك الإسلام»، ومن ثم تصعيد جاذبية هذا الفلك التي لا تقاوم بهدف أن يجتذب إلى عالمه الأسمى خير العناصر الإنسانية وأنقى النماذج الفريدة وأكملها استعداداً للنور فتحقق للمسلم «العزلة النفسية وإيجابية «الاختلاط في الوقت نفسه وبذلكبالتأثير فيه – أي المجتمع الجاهلي – لا بالتأثر به.. نفسياً: منعزلون عنه عملياً: مؤثرون فيه.. وبناء مجتمع جديد متميّز»، يحافظ على خصائصه الجديدة السامية وما يميزه وما يمكنه لأن يعمل بفعالية في المجتمع الذي تم عنه، في الوقت ذاته وكانت قواعد هذا البناء ومعالمه:
المؤاخاة والنظامالمنبثقان من شهادتين((لا إله إلا الله محمد رسول الله))
يؤديهما الإنسان فيهما منهج شامل للكون والإنسان وذلك بالتطهر من أدران الشرك، وبإخلاص العبودية لله، والحياةومن ثم تلقى منهج الإيمان عنه، وعمل الصالحات، والتدريب الروحيوالمادي على التزام الحق، هدفاً والصبر وسيلة، وتعميمهما على الآخرين في حركة مستمرة دائبة ذلك المنهج الشامل الكامل الذي تكفل به الوحي: شرعة ومنهاجاً.
(ب) التحرر الاقتصادي:
في ضوء حدود تعاليم الله وما رسمته للمجتمع الجديد من بناء علاقات تكافلية تعاونية بين أفراده وما وضعته من تنظيم اختياري للمال ، وذلك قبل قيام الدولة في «المدينة» ، هذه الدولة التي أضافت إلى «التكافلية » الموكول أمرها إلى الضمير ، الواجب التشريعي الملزم للمسلم أن يقوم به طوعاً أو كرهاً، ولا يمكن اليوم أن تحقق الجماعة المسلمة شيئاً فيما أمرت به ما لم تستقل عن مجتمعات الجاهلية مالياً بادئ ذي بدء ، تضع لنفسها «سياسة مالية خاصة وأسساً جديدة للمال : «تمويلاً واستهلاكاً» و «تنمية » و «تكافلاً» حتى يتحقق الاستهلاك المعقول والتنميةالمنتظمة المتعاظمة «المتناسقة» و «التكافل» و «التكافؤ» لجميع المؤمنين.
إن على الحركة الإسلامية أن تسارع فتضع برنامجاً مالياً تقوم على تنفيذه بإخلاص وذلك لتنمية أموال المسلمين بشكل عام، وأموال الحركة بوجه خاص والاستفادة من كل ذلك في إعداد القوة الموجهة والمستخدمة الصالح العمل الإسلامي» وعليهاأن تهتمكذلك بالزكاة» علىأسس «جماعية تنظيمية»، وأن تعيد إلى الوجود «بيت مال المسلمين: (مؤسسة التأمين والضمان العامة الكبرى)، التي هي مصدر الخدمات العامة» وبناء «الصالح العام».
(جـ) التحرر الثقافي:
وقد مثلته «دار الأرقم» (۲۲) حيث تم تهيئة المناخ الفكري الإسلامي الذي نأى المسلم الحق به عن مناخات الجاهلية الموبوءة العفنة.. إذ لا يمكن المجتمع ذي خصائص فريدة مميزة أن تقوم له قائمة، عندما تنشأ أجياله مربأة على ثقافات وعادات معادية لوجوده من أساسه.. ولقدكان مصدر الثقافة والتوجيه والإلزام الفكري والعلمي والعملي، لمجتمع الإسلام الأول، هو القرآن الكريم وتعاليم رسول اللهواليوم تحاول الجماعة المسلمة، هنا وهناك، أن تخرج من ظلمات الجاهلية المعاصرة، دون أن تعمل شيئاً في مجال البناء الفكري » و « التربوي » و « العلمي ، بعد أن جعلت أجيالها فريسة لمصادر ثقافية معادية لها أو تلقي تتركهم ضحية لمفاهيم ميتة ما أنزل الله بها من سلطان ، وتستوي في ذلك جميع دور الحضانة والمعاهد والمدارس والجامعات ، وكل وسائل النشروالإعلام والإذاعة وما سواها من الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية يبخل مدعو العمل الإسلامي – وهم كثر – على بناء صرح ثقافتهم وإنقاذها من مناخات الجاهلية الضاغطة ، ثم يسترخون في مصيف أو وظيفة ما أو يكتفون بإلقاء محاضرة مثيرة أو خطبة حماسية أو تأليف كتاب يعتمد على إثارة العواطف وتحدّي الناحية العقلية» و «الجانب العملي التطبيقي» ويمضون أيامهم ، بعد ذلك مسترسلين في «أحلام يقظة » عن «الدولة الإسلامية المنشودة » ، والحديث .. مجرد حديث عن الحملة المسعورة لأعداء الإسلام، دون أن يقوموا بأي تحرك إيجابي في الاتجاه الصحيح.
إن على المخلصين العمل على عزل أبنائهم عن «معامل المجتمعات الجاهلية » المظلمة ، وتحويلهم – في غير عزلة عن العلم وأساليبه المتجددة – عن هذه المعامل إلى مراكز إشعاع للنور الإسلامي المتكامل بصحة العقيدة » و «التشريع » و «سنن الكون» و «حقائق العلم» الكتاب المقروء» وكتاب الكون المدروس » حتى يبنى الفتى المسلم ويقوى على مواجهة أي فكر مناقض لجليه لتصبغ الحركات الإسلامية والعاملون للإسلام إلى هذه التساؤلات التينوجهها اليوم إليها ، ولتحاول الإجابة العملية عليها :أين هي مراكز التخطيط الفكري و البحث العلمي» ، التي ترسممناهج العمل تحت راية القرآن………….؟(انتهى)إن مفكِّرنا الكريم الذي هو هامة من هامات الحركات الإسلامية ومن كبار مفكري الإسلام، كان في حياته يعمل بكل جهده على إصلاح العمل الإسلامي الذي به نحيا وبه نموت. وعلى الذين يسعون إلى خدمة أعداء الإسلام ويعملون على إقامة حكومات علمانية أو اشتراكية، ولا يعلمون أن تلك نظريات فاسدة وسقطت أخلاقياً في منشأها، إذا كان الكثير يعرفون الأسباب التي تدفع بأعدائنا إلى محاربة الإسلام بكل وسيلة من وسائل التنكيل. فإن الشباب والأجيال الناشئة تحت مظلة النفوذ المعادي لهذه الأمة في حاجة إلى توضيح كامل ووعي شامل يكشف لهم بصراحة آفاق مستقبلهم التي يمكن لهم أن يوجهوها وجهاً لوجه، على الرغم مما يفرضه أولئك الأعداء أو عملاؤهم من التقسيم على علاقاتهم بالمجتمع الإسلامي، والتغليف لأفكار الشباب بتوزيع اللوم وتوجيه الانتقاد إلى صلب الإسلام الحنيف، المؤدي به إلى تأخره عن ركب الحضارة وزعزعة أفكارهم عن الثقة بقدرات هذا الدين القويم على تحمل أعباء النهوض الإنساني المعاصر، ورسم التصورات المدمرة لخلايا الروح الإسلامية.
وحتى لا تنطلي على مستقبل أجيالنا تلك الأباطيل المضللة، فلا يعرفون أعداءهم إلا حينما يعرفون أسباب ذلك العداء. إذ المنطق لا يحتمل عداوة أحد دون أية دوافع أو مسببات، ولا يصدق أحد من الناس وأنا واحد منهم بأن أحداً من أمم الدنيا تفصل بيننا وبينهم مئات الآلاف من الكيلومترات من المحيطات والقارات، يمكن أن يرمي عداوته عبر هذه الكيلومترات إلى بعض أعداء الأمة الذين يعملون من الداخل. ومن المؤسف أنهم مسلمون ولكنهم قليلو العقيدة، وعملهم ينخر في جسد الأمة الإسلامية. لذلك، وجب على الشباب التصدي لهم. وقد يقول القائل إنهم غير معروفين، فتراهم يمجدون الأنظمة المعادية لهذا الدين. علينا أن نشرح الأسباب، وتكون ضرورة أولية لا سيما أمام الطلاب والشباب في مدارسهم وجامعاتهم، وبالأسلوب الذي يتلاءم مع ذوق كل منهم.والأسباب كثيرة وكثيرة، نسوق في هذه أمثلة وشواهد. فنقول مثلاً: إذا كانت لك روضة من بساتين تنتج من بين ثمارها التفاح ومختلف أنواع الحمضيات والفواكه، وكنت تعتمد اقتصادياً على مردود تلك الثمار حينما تصدرها إلى السوق المجاورة التي لا مصدر لأهلها غير تلك الحظيرة، فأنت المصدر الوحيد لتغطية حاجة السوق من تلك الفاكهة، وفي استطاعتك التحكم بالأسعار واستغلال الأرباح الباهظة التي لا توفر اقتصادك فحسب، بل توفر لك بناء قوتك الرادعة لمن حولك. ومعاناة المستهلكين من جراء تلك النفقات تجعلهم يحاولون أن يستفيدوا بإقامة البساتين والحظائر التي تكفل لهم سد حاجاتهم.وعندما تصاب حظيرتك بالكساد ويفشل اقتصادك وينقطع الدخل عنك حتى يغلقوا السوق في وجه صادراتك، فماذا سيكون موقفك من السكان؟ وهل ستقدم لهم المساعدة والعون في ذلك، أم أنك سوف تنصح بكل وسيلة في سبيل عرقلة المشروع المؤدي إلى إفلاسك؟ وهذا هو حالنا مع أعداء الإسلام، فهم الباعة ونحن المشترون، وهم المصدرون ونحن المستوردون، وهم المنتجون ونحن المستهلكون، وهم الرابحون ونحن الخاسرون؛ وهم السوق ونحن المسوقون. أما السبب الثاني، فإن البلاد الإسلامية، وعلى رأسها المنطقة العربية، هي مصدر رئيسي في هذا العصر الحديث لجميع الطاقات الحيوية التي ينشأ عنها عصب الحياة كما يقال، وفي مقدمتها الطاقة البترولية. وإذا حصل العالم الإسلامي على التكنولوجيا للإنتاج والاكتفاء الذاتي، تحكمت الأمة في مصادرها وفقد أعداؤها المصادر التي يعتمدون عليها صناعياً. أما السبب الثالث، فإن هذا الدين قوام البشرية بما يحمله من فضائل إنسانية نبيلة ونزيهة، وبدوره سيؤدي إلى رفع مستوى الإنسان من حيوية الإباحية الحيوانية، ويكرم البشر عما يسلكه الأعداء من سلوك لا إنساني والشذوذ عن مكارم الأخلاق، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ الخصم وحيوانية الأجنة المنحطة. فهذه ثلاثة أسباب مضافة إلى التمسك بالعظمة والجبروت والتحكم في هذه الأرض على بني الإنسان بالعلو والسيطرة والاستعباد، التي تجيش في رؤوس المستكبرين في كل زمان، مما يجعل الأعداء يرشحون الخصماللدود لهذا الدين الإسلامي والمتمثل في اليهود المنحطين شذاذ العالم، يلفون لفائفهم المبعثرة إلى قلب العالم العربي، التي تنبع منه أشعة النور الإسلامي للأمم الإسلامية المتطلعة إلى نور الحرية. فالعرب والإسلام قديماً نشروا هذا الدين في الجزيرة العربية وحطموا الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية وأقاموا دولة الإسلام التي أخرجت الأمة من الظلمات إلى النور، ومن العبودية لغير الله إلى عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد. والشباب الصاعد فتح القسطنطينية في الماضي وأقاموا الخلافة العثمانية، وسوف يفتحها في الحاضر الشباب الصاعد ويفتحون أوروبا وأمريكا لأن تلك مهمتهم الصاعدة، وسوف يكون الفتح المبارك من داخل هذه الشعوب قريباً. إن الشعوب لا يمكن أن تصبر على الظلم، وسوف تكسر الحواجز من أجل العدل والسلام. إن الشباب في أوروبا وأمريكا هم شباب الفتح العظيم للإسلام في هذه الشعوب العظيمة، ولا يمكن أن يفتح إلا من الداخل. إن أعداء هذا الدين يدعمون ويضعون كل طاقاتهم تحت تصرف اليهود، وهم العدو، ويوجهونهم ضد المسلمين توجيه المغلب لضرب الصيد، يريدون أن يطفئوا نور الله والله متم نوره وهو على كل شيء قدير. وإن ما يضعونه من إمكانات لدعم اليهود من قوى عسكرية واقتصادية وسياسية، ويوجهونها على قنوات المحيط الإسلامي، وخصوصاً العرب، قلب الإسلام ومهدَه ومنطلقة، فقد أخذ اليهود العالميون، وبالأخص الأمريكان، بينهم إلى:
أ) تشويه الرؤية تجاه الأمة العربية خصوصاً والمسلمين عموماً.
ب) عملوا على بعثرة الثقة العربية والإسلامية وتمزيق وحدتها.
ج) أوجدوا عدم الثقة في الصف العربي والإسلامي وخلقوا أجواءً من الخلافات السياسية والاقتصادية.
د) استطاعوا أن يطعنوا الأمة العربية والإسلامية في الصميم من خلال تشويه بعض الأنظمة المتأثرة بالتيارات المعادية الشرقية منها والغربية.
بينما الأمة العربية بحضارتها الإسلامية العريقة وبرسالتها السماوية المقدسة تملك الأفق الرحب والأرجاء الواسعة لإيجاد السبل والوسائل الكفيلة باستغلال الأمة لمضاهاة الركب الحضاري صناعياً في ظل حضارة روحية وأخلاقية إسلامية حتى لا يدنسها الانحلال غير الإسلامي إلى حكم العالم وفق مبادئنا الإسلامية الخلاقة التي هي صالحة لكل عصر حتى قيام الساعة.
إذا كان الاستقلال هدفاً تنطلق في ظله الأمة الإسلامية إلى غايات سامية متحررة من تحكم الآخرين، فإن الاكتفاء الذاتي للغذاء وما إلى ذلك هو الآخر شرط لابد منه، وهو جائز وليس بالمستحيل إذا ما قدرت التيارات المستوردة أن تعتمد أولاً وبالذات على تراثها الإسلامي الأصيل بدلاً مما استوردته من مبادئ غير إسلامية، وتستقبلهم العوامل لوجودها وحضورها في هذا الكون من الوحي العلماني المتسوس والمفروغ منه علمياً وعملياً. فقد لا يحصل على مصدرين جدد ينقشون الموضة العلمانية والاشتراكية إلا بصيغة جديدة مطعمة بالإيدز يتحمل نشره وتصديره مقطوعات من جنس لطيف بذكره بذرة تصلي الكنائس لا هداية، وتباركه من أجل تدمير الشباب المسلم. فهل من داعٍ إلى واقع ومستقبل وشخصية عربية إسلامية تتلقى بركات مدبّر الكون بدلاً من بركات ماركس وصهيون وما إلى ذلك؟ فما رأيكم أيها الإخوة في ظل الرأي والرأي الآخر؟
الذي نريده في ظروفنا التي نعيشها هو أن نطرح الموضوع ونوضح لأجيالنا وشبابنا إن ساروا تحت مظلة النفوذ الاستعماري، عن طرق عملهم الذي يخدمهم في وطننا الإسلامي الأصيل، الذين سوف يواجهون المسؤولية أمام مستقبلهم دينياً ووطنياً. إن العالم العربي قد تجاوز مشروع ما يسمى الشرق الأوسط الجديد، هذه الكلمة الاستعمارية الجديدة التي خطط لها الأعداء بأن تكون منطلق الفوضى. ومفكرنا الكبير رحمه الله حاضرنا في كتاباته ومحاضراته عن أعداء الأمة العربية والإسلامية، ولكن بحمد الله وشكره فشل نشر الفوضى الناعمة التي كانت بأياد عربية، التي كانت تقدم نفسها على أنها تقبل الديمقراطية وتحاور الجميع. جاء البديل سريعاً في صورة «الفوضى الفتاكة»، فهي الوجه الآخر -الحقيقي- لهذه الأيدي الخبيثة، وهي الوجه المدمر للشعوب الإسلامية، وهي تحاول أن تخفي وجهها الخبيث. فظهرت تنظيمات لبست عباءة الإسلام وتكلمت باسمه، إلى جانب الفوضى التي تسببها تدخلات أجنبية بامتياز.
الدول العربية والإسلامية تعيش بكل وضوح نستطيع أن نقول إننا نعيش اليوم حالة من الفوضى الفتاكة في المنطقة، فوضى تأكل الأخضر واليابس، تضرب الناس بعضهم ببعض، فوضى تقطع أوصال المنطقة وتقطع رؤوس البشر وتنشر النار في كل مكان. في سابقة لم تشهدها منطقتنا في تاريخها الحديث، جاء استنفار العالم ضد ما يسمى بالتنظيمات المتطرفة متأخراً جداً. ويبدو أن الفوضى الفتاكة التي أرادها البعض في المنطقة قد تحققت بعد أن سيطرت التنظيمات الإرهابية على أجزاء منها. وإذا كان الغرب يعتبر دول المنطقة حلفاء له وشركاء، فلا بد ألا ينحصر هذا الاعتبار في وقت تنفيذ القرارات. فدول المنطقة أعلم بالأخطار التي تحدق بها، وهي أقدر على اتخاذ القرارات في الأوقات الصحيحة، وهذا ما يجب أن يعترف به الغرب إن كان جاداً في حلفه مع دول المنطقة، وإن كان حريصاً على مصلحة المنطقة.
لقد أساء العالم الغربي أو الشرقي للعالم الإسلامي فيما اقترفه الآخرون من وسائل إعلام وحكومات غربية في حق الإسلام، فلم يكن أقل سوءاً عندما اعتمدوا تسمية هذا الدين بالإرهابي، كأن تلك المجموعة الإرهابية بسلوكها وتصرفاتها وقوانينها هي “الدين الإسلامي”! ومن يعرف الإسلام الحق يعرف تماماً أنه بريء من أفعال أتباع هذه التنظيمات. لذا، فالأجدر بالزعماء والسياسيين الغربيين أو الشرقيين أن يتوقفوا عن استخدام هذه التسمية عند حديثهم عن ذلك العنف والإرهاب باسم الإسلام. فالدولة الإسلامية لا تقبل الذبح والترويع والترهيب.
إن الحرب ضد الإرهاب أينما وجد، بدون انتقاء أو تغاض لأحد داخل المنطقة العربية والإسلامية أو ما يسمى بالشرق الأوسط، الكلمة الاستعمارية الجديدة، محددة، بل يرون أنها أصبحت تشكل خطراً حقيقياً، فهي تتمدد جغرافياً وتسعى للوصول إلى مناطق جديدة، كما تتوسع معنوياً بتجنيد أتباع جدد خارج مناطق عملياتها؛ فتغرر بالشباب لجذبهم إلى مناطقها بادعاء الجهاد والحرب المقدسة! لذا فالجميع يتفق على أن الحرب على الإرهاب لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة لحماية المنطقة وأبنائها من مستقبل عنيف. وفي المقابل، فإن الجميع يدرك أن الحرب ضد الإرهاب لا تنهيها الطائرات الحربية ولا الضربات الجوية، فهذه الحرب بالدرجة الأولى هي حرب داخل العقول التي تحرك أولئك الذين نزعت الرحمة من قلوبهم. وهذه حرب طويلة وتحتاج إلى تكاتف الجميع.
الحرب على الإرهاب تحتاج إلى رؤية واضحة وإلى شجاعة استراتيجية، فمثل هذه الحروب تستغرق وقتاً وتواجه عدواً غير واضح المعالم.
إن دولة إسرائيل جزء من الإرهاب العميق في قلب المنطقة العربية، وإن على العالم العربي والإسلامي ومن خلال المسؤولية الأخلاقية، وكذلك العالم، يحتم عليهم التحرك السريع والفعلي. وهذا التحرك يتمثل في عمل فكري ثقافي على أرض الواقع في كل الدول العربية والإسلامية والدول الغربية والشرقية التي تعيش فيها جاليات مسلمة. فالخطاب الديني أصبح مشوشاً ومليئاً بالمغالطات التي هي خارجة عن الإسلام، والتي أوجدت حروباً عسكرية وإرهاباً ميدانياً أساسه أفكار وفهم مغلوط لنصوص دينية. إن أصحاب الفكر الأيديولوجي الذين تولتهم المجتمعات الغربية أو الشرقية قد خلقوا الأفكار المتطرفة لدى الشباب المسلم وظنوا بالانحراف لدى النخبة السياسية، مما أدى إلى الخروج الكلي بفعل تلك الأفكار الدخيلة على مجتمعنا الإسلامي.
ولو تُرك العمل الفكري للدول العربية والإسلامية لكان الأفضل بدلاً من التدخل الخارجي. إن مفكرنا الكريم رحمه الله كان كل همّه أن تعيش الأمة الإسلامية في خير وأمن واستقرار وتنمية تصعد بالمنافسة مع الدول المتقدمة صناعياً. وإذا كانت النهضة العربية والإسلامية مطلباً أساسياً لكل الشعوب، فلا بد من العمل حتى الوصول إلى النهضة الحقيقية، وأول بذور ذلك تبدأ بالعلم الحقيقي.
إن الطريق التي نمشي فيها عبر الصحوة الإسلامية تحمل عبء التجربة الأولى ولم تعد مشكلة التحرر من الاستعمار هي المسيطرة، بل أصبحت قضية التنمية وقدرة المجتمع على تحقيق الحد الأدنى اللازم لبقاء حياته على مستوى معقول. ولابد أن تكون الشغل الشاغل. ومصارعة الأفكار التي تخلت عن مجتمعاتنا كمثل الليبرالية واليسارية والقومية، ولكن التيار الذي اجتذب الجموع الكبيرة وأثار خيالها وداعبها بأعرض الآمال كان التيار الإسلامي.
ولأسباب عديدة، لأن الدين لشعوب العربية والإسلامية مصدر ثقة، وهم يعلمون أن الدول الغربية تعمل على عرقلة مشروع الحركات الإسلامية حتى لا تظهر عدالة الإسلام، ويكون مظلة للعبور مما نحن فيه من تقسيم إلى دويلات، بعضها لا يتجاوز عدد سكانه نصف مليون نسمة، وهي مطية سهلة لابتزازها في أي لحظة. وفي غابر الأيام ستكون مستوطنة للجالية التي لها تأثير، والتي استوطنت في تلك الدويلات من المهاجرين. {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}.
اقرأ أيضا:أضواء من كتاب “على مشارف القرن الخامس عشر للمفكر إبراهيم الوزير” الحلقة (23)