اخبار محليةكتابات فكرية

وهم السقوط… وحقيقة الصمود

وهم السقوط… وحقيقة الصمود

بقلم / إبراهيم الحبيشي

الخميس 12 مارس 2026-

منذ اللحظة الأولى لأي مواجهة كبرى، يخرج من يراهنون على سقوط الخصم قبل أن تتضح مآلات المعركة. وهكذا رأينا بعض الأصوات، في العالم العربي وخارجه، يسارعون إلى إعلان “النصر” لمجرد استهداف أو اغتيال قائد، وكأنهم يعتقدون أن الأمم تُهزم بموت الرجال، أو أن المشاريع الكبرى تنهار برحيل رمز من رموزها.

إن الذين راهنوا على سقوط الجمهورية الإسلامية، وتوهموا أن قتل المرشد في اليوم الأول من العدوان يمثل نصراً حاسماً للعدو الصهيوني الأمريكي، إنما يكشفون عن ضيق أفقهم وسطحية فهمهم للتاريخ. فالأمم التي تقوم على عقيدة راسخة وإيمان عميق لا تسقط باغتيال قائد، بل كثيراً ما تتحول دماء القادة فيها إلى وقودٍ جديد لمعركة أطول وأشد.

إن تجربة التاريخ الإسلامي، بل وتجارب الشعوب الحرة عبر القرون، تؤكد أن الدم قد ينتصر على السيف. ولو كان هؤلاء يدركون معنى هذه الحقيقة لما سارعوا إلى الشماتة بقتل الإمام السيد علي خامنئي، لأنهم كانوا سيدركون أن القادة في مثل هذه المشاريع ليسوا مجرد أشخاص، بل رموز لفكرة أكبر، وقادة لمسار يتجاوز حياتهم الشخصية. وحين يُقتل الرمز، كثيراً ما تتحول دماؤه إلى صرخة توقظ الأمة وتدفعها إلى مزيد من الصمود والمقاومة.

إن الجمهورية الإسلامية ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل مشروع قائم على عقيدة وشعب ومؤسسات وتجربة طويلة من المواجهة. وقد واجهت منذ قيامها حصاراً وحروباً وعقوبات واغتيالات، ومع ذلك بقيت حاضرة وقادرة على الاستمرار والتأثير. ومن يظن أن هذه التجربة ستنهار بضربة واحدة أو بقتل قائد، فهو يكرر خطأً وقع فيه كثيرون قبله، ثم اكتشفوا لاحقاً أنهم كانوا يراهنون على سراب.

ومن اللافت أيضاً حالة الصمت الانتقائي التي يمارسها كثيرون في العالم العربي والمجتمع الدولي. فعندما أُبيدت غزة تحت القصف والحصار، لم نسمع من كثير من هؤلاء سوى صمتٍ ثقيل، أو بيانات باردة لا تحمل أدنى درجات الغضب الأخلاقي. وحين تعرض اليمن لسنوات من الحرب والعدوان، لم يتحدثوا كثيراً عن “حسن الجوار”، ولا عن القانون الدولي، ولا عن حماية المدنيين.

والأمر نفسه تكرر مع ما تعرض له حزب الله من اعتداءات واغتيالات صهيونية متكررة على مدى أكثر من عام. فقد ظل الحزب في تلك الفترة متحلياً بدرجة عالية من ضبط النفس، ولم يبادر إلى رد واسع رغم كثرة الاستهدافات، ومع ذلك لم نسمع من أولئك المتباكين على “الاستقرار” أي إدانة واضحة للعدو الصهيوني. لكن ما إن تحرك للرد والدفاع، حتى ارتفعت الأصوات ذاتها بالصراخ والاتهام، وكأن المشكلة ليست في العدوان بل في من يرد عليه.

هذا التناقض الصارخ يكشف بوضوح أن القضية لدى كثيرين ليست قضية قانون دولي أو استقرار إقليمي، بل اصطفاف سياسي واضح، أو ازدواجية معايير لم تعد تخفى على أحد.

إن العدالة لا تتجزأ، والكرامة لا تُقاس بالهوية السياسية لمن يتعرض للعدوان. ومن كان صادقاً في دفاعه عن القانون الدولي وحقوق الشعوب، كان الأولى به أن يرفع صوته حين كانت المدن تُدمر في غزة، وحين كانت الصواريخ تسقط على اليمن، وحين كانت الاغتيالات الصهيونية تتكرر دون أي مساءلة حقيقية.

أما الذين يراهنون اليوم على سقوط الجمهورية الإسلامية، ويحتفلون بما يعتقدونه “انتصاراً”، فربما يكتشفون لاحقاً أن المعركة لم تبدأ بعد، وأن ما ظنوه نهاية قد يكون بداية فصل جديد من الصراع.

فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تؤمن بقضيتها لا تُهزم بسهولة، وأن الدماء التي تُراق في سبيل العقيدة كثيراً ما تتحول إلى قوة معنوية هائلة. وكما قال الله تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.”

ولهذا فإن الرهان على انهيار الشعوب المؤمنة بقضيتها رهان خاسر في الغالب، لأن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح، بل في الإيمان الذي يحمله الناس في قلوبهم، وفي قدرتهم على تحويل الألم إلى إرادة، والخسارة إلى بداية جديدة للنضال.

اقرأ أيضا: التحولات الكبرى.. صعود اليمين وأزمات اليسار في عالم متغير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى