هيئة الأوقاف تستمر في انتهاك المقدسات التاريخية الإسلامية .. جامع وجبانة المشهد نموذجا

هيئة الأوقاف تستمر في انتهاك المقدسات التاريخية الإسلامية .. جامع وجبانة المشهد نموذجا
الثلاثاء 20 يناير 2026- صوت الشورى-خاص
في سابقة خطيرة، أقدمت الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد في العاصمة صنعاء مطلع الشهر الجاري، على هدم سور جامع المشهد التاريخي، الكائن في باحة جبانة صنعاء، والتي تُعد أول جبانة في العصر الإسلامي، وذلك لعم لمشروع تجاري في باحة الجبانة ولا يزال العمل مستمر ليل نهار تحت حراسة أمنية مشددة.
هذا الإجراء أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار الشعبي، نظرًا لما يمثله الموقع من قيمة دينية وحضارية وتاريخية، ولما ينطوي عليه من اعتداء صارخ على التراث الإسلامي والهوية العمرانية للمدينة، وهو ما يتنافى مع المسؤولية الشرعية والقانونية الملقاة على عاتق الهيئة العامة للأوقاف في الحفاظ على المقدسات الإسلامية.
حاولنا الاقتراب من موقع المشروع وتصويره، إلا أن جنود الامن المتواجدين بكثافة منعونا من الاقتراب فضلا عن التصوير، خاصة بعد ان تم تسوير أرضية الجبانة “المشروع” بسور حديدي.

الخلفية التاريخية للجبانة
تعريف الجبانة: في لغة الفقهاء هي المصلى العام للمسلمين خارج المدينة، وتُستخدم لصلاة العيدين، أو الاستسقاء.
تعتبر جبانة صنعاء في حي المشهد: أول جبانة ليس في اليمن فحسب، بل في العالم الإسلامي، وقد أنشأها الصحابي فروة بن مسيك المرادي بأمر من النبي محمد ﷺ لتكون مصلى عيد للمسلمين، وذلك اثناء زيارة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام لصنعاء.
ارتبطت جبانة صنعاء، ببناء الجامع الكبير بصنعاء القديمة، وظلت عبر القرون معلمًا بارزًا يؤدي فيه اليمنيون صلاة العيدين، والاستسقاء.
وقد جُددت عمارتها عدة مرات عبر التاريخ:
الأمير وردسار سنة 602هـ، الذي حفر البئر وعمر الجبانة وجعلها وقفًا.
الأمير اسكندر بن حسام سنة 967هـ، الذي أعاد عمارتها بعد أن بقيت خاربة سنتين.
الإمام المنصور بالله الحسين بن المتوكل في القرن الثاني عشر الهجري.
الإمام يحيى حميد الدين أيضا أضاف توسعات نافعة في عمارة الحائط والمصلى.

الوثائق التاريخية، ومنها كتاب مساجد صنعاء عامرها وموفيها للقاضي محمد بن أحمد الحجري (طبع عام 1361هـ)، تؤكد أن للجبانة أوقافًا مخصصة منذ قرون، وهو ما يناقض ادعاءات هيئة الأوقاف بعدم امتلاك جبانة المشهد أي موارد أو أوقاف.
العديد من سكان الحي يؤكدون أن الهيئة تبحث فقط عن كيفية زيادة الموارد، من خلال الاعتداء على باحات المساجد، دون البحث عن اوقاف المساجد، خاصة ان كل المساجد في اليمن تمتلك اوقاف كميزانية تشغيلية لها.
تفاصيل المشروع الاستثماري
الهيئة تعاقدت مع مقاول لهدم السور وبناء محلات تجارية وسوق مغطى بهنجر حديدي.
المشروع يستهدف مساحة تقدر بـ 39 لبنة عشاري (1731.6 متر مربع) من أصل 94 لبنة عشاري هي مساحة الجبانة، حسب بيان هيئة الأوقاف.
السوق المزمع إنشاؤه سيخصص لبيع القات والخضار والفاكهة، مستغلًا الكثافة السكانية العالية للحي، دون مراعاة الأضرار الاجتماعية والبيئية، وقدسية المكان.
المشروع سيُدار بعقلية استثمارية بحتة، حيث ينظر القائمون على الهيئة إلى حجم الإيرادات دون اعتبار للآثار السلبية على المخطط الحضري أو قدسية المكان.
ردود الفعل الرسمية والشعبية
الهيئة العامة للمحافظة على المدن والمعالم التاريخية أدانت الهدم واعتبرته تخريبًا لمعلم إسلامي تاريخي.
أيضا العديد من الشخصيات الاجتماعية وأهالي حي شعوب ومسيك ومديرية آزال وصنعاء القديمة اعترضوا بشدة على انشاء هذا المشروع، مؤكدين قدسية المكان، خاصة ان النظام السابق قد حاول مرارا عمل سوق تجاري في ذات المكان إلا انه لاقى غضب واستنكار شعبي ورسمي اجبره على وقف ذلك، وحاليا يتم البناء تحت حراسة أمينة مشددة، متحديا الجهات الرسمية والغضب الشعبي في اعتداء صارخ على واحدة من أبرز وأقدم المعالم الإسلامية في اليمن وفي العالم الإسلامي.
ومع استمرار الحفر والاستحداثات في باحة جبانة صنعاء شهدت الشوارع المحيطة بجامع المشهد يوم الجمعة 16 يناير احتجاجات واسعة عقب الصلاة، تنديدًا بهذا الاعتداء على الجبانة الذي لايزال مستمرا ضاربا بكل الاحتجاجات عرض الحائط.
الأبعاد السلبية للمشروع
حضاريًا وتاريخيًا: يمثل استحداث المشروع التجاري اعتداءً صارخًا على أول جبانة إسلامية في اليمن، وطمسًا لمعالمها المقدسة.
اجتماعيًا: يسبب ازدحامًا مروريًا وضوضاء وتلوثًا بيئيًا وبصريًا، ويؤثر على خصوصية السكان.
تخطيطيًا: يتعارض مع المخطط الحضري لمدينة صنعاء الذي يستبعد الأنشطة التجارية في حي مسيك عالي الكثافة السكانية.
أخلاقيًا وقانونيًا: المشروع يتعارض مع قوانين حماية الآثار والمعالم التاريخية، ويمثل تعديًا على الوقف الإسلامي الذي أُنشئ لخدمة المسلمين عبر القرون.
التناقضات في موقف الأوقاف
الهيئة نفت امتلاك الجبانة أوقافًا، بينما تؤكد الوثائق التاريخية وكتب التراث أن لها أوقافًا منذ القرن السابع الهجري.
بيان الهيئة زعم أن المشروع خارج حدود الجبانة، لكن اللوحات التاريخية والوثائق تثبت أن السور القبلي القديم جزء أصيل من الجبانة، والسور الذي تم هدمه هو فعلا سور حديث بنته الامارات بعد ان حاول النظام السابق استحداث سوق تجاري داخل باحة الجبانة، والحفريات الجارية حاليا هو باحة الجبانة الأصلية.
الهيئة بررت كذلك المشروع بأنه لتوفير موارد مالية للجامع، بينما الحقيقة أن المشروع استثماري بحت، وان جامع المشهد له العديد من الأوقاف منها على سبيل المثال الدكاكين المقابلة للسور الجنوبي للجامع الذي تم هدمه والملاصقة لسور مقبرة المشهد ولا يستفيد منها جامع المشهد نهائيا.
شواهد تاريخية موثقة
كتاب مساجد صنعاء عامرها وموفيها للقاضي محمد بن أحمد الحجري (طبع عام 1361هـ) ذكر أن للجبانة أوقافًا.
اللوح الأبيض المنصوب في جدار الجبانة يذكر تجديد عمارتها سنة 602هـ على يد الأمير وردسار.
لوحات أخرى تشير إلى تجديدات لاحقة على يد الأمير اسكندر بن حسام سنة 967هـ، والإمام المنصور بالله الحسين بن المتوكل في القرن الثاني عشر.
الإمام يحيى حميد الدين أضاف توسعات نافعة في عمارة الحائط والمصلى.
ختاما ..
هدم سور جامع المشهد وتحويل باحة جبانة صنعاء إلى محلات وسوق تجاري يمثل جريمة بحق التراث الإسلامي والهوية الحضارية لليمن والتاريخ اليمني ، لذا لا بد من:
وقف المشروع فورًا وإعادة بناء السور التاريخي.
الحفاظ على قدسية الجبانة باعتبارها أول مصلى عيد في اليمن.
إلزام هيئة الأوقاف بالتنسيق مع الجهات المعنية بالتخطيط والحفاظ على الآثار.
إشراك المجتمع المحلي والعلماء في أي قرارات تخص المعالم الدينية والتاريخية.
محاسبة المتورطين في تحويل الأوقاف إلى مشاريع استثمارية تطمس التاريخ الإسلامي اليمني، وتضر بالمجتمع والتراث.
على القائمون على الأوقاف أن يعو أن جبانة صنعاء ليست مساحة أرض ممكن تحويلها إلى سوق استثماري متى اردوا ذلك، بل رمز ديني وتاريخي يجب أن يبقى شاهدًا على عمق تاريخ الحضارة الإسلامية في اليمن، وتحويلها إلى سوق تجاري بجريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وطمس لمعالمها المقدسة، وإهانة لتاريخ الأمة الإسلامية، وتضييع لإرث حضاري لا يُعوّض.
كما ان ما قامت به الهيئة العامة للأوقاف يتنافى مع مسؤوليتها الشرعية والقانونية في الحفاظ على المقدسات الإسلامية، وليس طمسها، وان هذا العمل التخريبي يستوجب تدخلًا عاجلًا من صانع القرار لإيقاف هذا العبث وصون ما تبقى من هوية الأمة.
كما أن على الهيئة العامة للأوقاف البحث الجاد عن اوقاف المساجد وتحويل هذه الأوقاف لما أوقفت من اجله، والعمل على ترميم المساجد والحفاظ عليها من الخراب والدمار والعبث وليس المشاركة في العبث بها وتدميرها.
اقرأ أيضا: أمر ببنائه الرسول الكريم .. الجامع الكبير جوهرة صنعاء القديمة

