اليمن بين سجون الأيديولوجيا وأفق الدولة المدنية

اليمن بين سجون الأيديولوجيا وأفق الدولة المدنية
- حسن الدولة
الاربعاء 1 يوليو 2026-
يكشف التاريخ الإنساني، قديمة وحديثه، حقيقة شديدة الوضوح: كلما خضعت السياسة لهيمنة الأيديولوجيا، ضاقت الدولة واتسع الصراع. فحين تتحول السلطة إلى أداة لتنفيذ عقيدة مغلقة، دينية كانت أم قومية أم طبقية تفقد السياسة جوهرها العملي بوصفها فن إدارة المصالح المتعددة داخل المجتمع، وتتحول إلى ساحة صراع بين “الحق المطلق” والباطل المطلق”.
تكمن خطورة أدلجة السلطة في أنها تنزع عن الدولة حيادها الضروري، وتجعلها منحازة لفئة أو جماعة أو سلالة أو حزب أو مذهب، بدل أن تكون مظلة جامعة لجميع المواطنين. وعندما يحدث ذلك، تتراجع قيمة المواطنة، وتتقدم الهويات الفرعية: الطائفة قبل الوطن، والسلالة قبل القانون، والحزب قبل الدولة. والمذهب يعلو كل الهويات.
إن التجربة البشرية عبر القرون دفعت أثمانا باهظة حتى وصلت إلى مفهوم الدولة المدنية الحديثة. أوروبا نفسها لم تصل إلى هذا النموذج إلا بعد حروب دينية طاحنة استمرت لعقود، وأودت بحياة ملايين البشر، قبل أن تدرك أن السلام والاستقرار لا يمكن أن يتحققا عبر فرض عقيدة واحدة على مجتمع متنوع، وإنما عبر بناء دولة محايدة تجاه معتقدات الناس، تكفل الحقوق للجميع دون تمييز.
ولهذا تُعد الدولة المدنية الحديثة من أرقى ما توصل إليه العقل السياسي الإنساني؛ لأنها قامت على مبادئ واضحة: سيادة القانون، الفصل بين السلطات، تداول السلطة، المساواة أمام القانون، والمواطنة المتساوية.
في الدولة المدنية لا يُسأل المواطن: ما سلالتك؟ ما مذهبك؟ ما دينك؟ ما حزبك؟ بل السؤال الوحيد الذي يطرحه القانون هو: ما حقوقك وما واجباتك بوصفك مواطنا كامل الأهلية؟
وهذا هو الفارق الجوهري بين الدولة الحديثة وأنظمة الحكم المؤدلجة. فالأولى تُدار بالقانون والمؤسسات، بينما الثانية تُدار بالعقيدة والتأويل والولاء والخطابات الوعظية.
وإذا نظرنا إلى واقع المنطقة العربية، سنجد أن كثيرا من الأزمات الكبرى نشأت من محاولة إخضاع الدولة لأيديولوجيات مغلقة. فمرة باسم الثورة، ومرة باسم القومية، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الحق الإلهي في الحكم. وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: دولة ضعيفة، مجتمع منقسم، وصراع مفتوح.
واليمن ليس استثناء من هذه القاعدة.
فعلى امتداد العقود الماضية، دفعت اليمن ثمن صراعات أيديولوجية متعددة: بين اليمين واليسار، بين الجمهوري والملكي، بين القبيلة والدولة، بين الطائفة والوطن، وبين مشروع الدولة الوطنية ومشاريع الهيمنة المغلقة، وبين نظام الحزب التوليتاري. ونظام حكم الفرد الديكتاتور. . وكانت النتيجة إضعاف الدولة وتآكل مفهوم المواطنة لصالح الولاءات الضيقة.
لقد أثبتت التجربة اليمنية بما لا يدع مجالًا للشك أن أي مشروع يقوم على الاستعلاء السلالي، أو الاحتكار المذهبي، أو الإقصاء الحزبي، لا يمكن أن يبني دولة حديثة. لأن الدولة لا تُبنى على الامتيازات، بل على المساواة. ولا تُبنى على الغلبة، بل على الشراكة.
ومن هنا فإن الطريق الواقعي نحو إنقاذ اليمن لا يكمن في استدعاء مشاريع الماضي، ولا في إعادة إنتاج صراعات التاريخ، بل في العودة إلى المشروع الوطني الأوسع الذي توافق عليه اليمنيون خلال مؤتمر الحوار الوطني.
لقد مثّل مؤتمر الحوار الوطني محطة استثنائية في التاريخ اليمني المعاصر. فعلى مدى أشهر طويلة، اجتمع اليمنيون بمختلف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية والمناطقية لصياغة رؤية مشتركة لمستقبل الدولة. وبرغم كل التعقيدات، نجحوا في التوصل إلى مخرجات تاريخية، كان أبرز تجلياتها مسودة دستور حديث، عبّرت عن تطلعات اليمنيين لبناء دولة مدنية عادلة.
هذه المسودة لم تكن مجرد نص قانوني، بل كانت مشروعًا وطنيًا متكاملًا لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، واللامركزية، والشراكة السياسية.
ولهذا يمكن القول إن الحل في اليمن لا يبدأ من الميدان العسكري، بل من استعادة المسار السياسي والدستوري الذي انقلبت عليه الحرب.
إن إنزال مسودة الدستور إلى أرض الواقع لم يعد مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. لأنه يمثل الإطار الأكثر عقلانية وعدالة لبناء دولة تتسع لجميع اليمنيين دون استثناء.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى سلطة تنتصر لجماعة، بل إلى دولة تنتصر للمواطن. لا يحتاج إلى حكم باسم السلالة أو المذهب أو الحزب، بل إلى نظام يساوي بين الجميع أمام القانون.
فالخروج من الأزمة اليمنية يبدأ عندما نغادر سجون الأيديولوجيا، ونتجه نحو أفق الدولة المدنية الحديثة؛ الدولة التي لا تسأل أبناءها عن أصولهم، بل عن إسهامهم في بناء وطن يتسع للجميع.
إن مستقبل اليمن لن يُبنى بالماضي، ولا بالعقائد المغلقة، بل ببناء دولة حديثة عادلة، يكون فيها اليمني مواطنًا كامل الحقوق، لا تابعًا لجماعة أو رهينة لهوية ضيقة.
هذا هو الطريق الأصعب، لكنه الطريق الوحيد الممكن نحو السلام والاستقرار والنهضة.
اقرأ أيضا:مراجعات وتأملات فكرية في مفترق قرنين بقلم الأديب والمفكر القاسم بن علي الوزير




