كتابات فكرية

اليمن.. الاسم الذي قاوم التشظي .. مفردة اليمن في الصحافة اليمنية (2-2)

اليمن.. الاسم الذي قاوم التشظي .. مفردة اليمن في الصحافة اليمنية (2-2)

  • أمين الجبر

الخميس 22 مايو 2026-

أولت الصحافة اليمنية، بمختلف اتجاهاتها وتباين مرجعياتها السياسية والفكرية، اهتماماً بالغاً بفكرة الوحدة اليمنية، وجعلت من مفردة «اليمن» محوراً مركزياً في خطابها السياسي والثقافي. ولم يكن حضور هذه المفردة حضوراً لغوياً عابراً، بل جاء بوصفها تعبيراً عن وعي تاريخي وجغرافي متجذر، ظل ينظر إلى اليمن باعتباره كياناً واحداً، مهما تعددت السلطات وتباينت المشاريع السياسية.

فقد تعاملت صحيفة «الإيمان»، الناطقة باسم الدولة الإمامية، مع مفردة «اليمن» باعتبارها دلالة جامعة للبلاد بأسرها، وهو ما تجلى في تناولها لموضوعات الاتصال والإدارة والسياسة. ففي معرض حديثها عن خطوط التلغراف، أشارت إلى ارتباط الحجاز واليمن بدار الخلافة العثمانية، وكان المقصود باليمن — في هذا السياق — كامل المجال الجغرافي الذي عرف تاريخياً بولاية اليمن، سواء في عهد العثمانيين أو في ظل حكم الإمام يحيى.

ولم تكتفِ الصحيفة بإبراز اليمن كوحدة جغرافية، بل سعت إلى إضفاء بعد ديني وأيديولوجي على المفردة، حين قدمت الوحدة اليمنية بوصفها امتداداً طبيعياً للرابطة الإسلامية، معتبرة أن الشخصية اليمنية قد تشكلت تاريخياً في إطار الإسلام، حتى غدا الدين جزءاً أصيلاً من تكوينها الثقافي والوجداني. ومن هذا المنطلق، رأت «الإيمان» أن اليمنيين مفطورون على الدفاع عن وحدتهم والتضحية في سبيلها، باعتبارها قيمة دينية ووطنية في آنٍ واحد.

وفي مقالتها المعنونة بـ«بحث في الوحدة اليمنية»، قدمت الصحيفة تصوراً نظرياً متكاملاً لفكرة الوحدة، انطلق من اعتبار الدين والعقيدة أقوى روابط الاجتماع الإنساني، تليها روابط الجنس واللغة والوطن. وبناء على ذلك، أكدت أن اليمن يمتلك جميع عناصر الوحدة الطبيعية؛ من وحدة الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا، وأن التعدد المذهبي لا يعدو كونه ظاهرة عابرة لا ترقى إلى مستوى تهديد الوحدة الوطنية، بل يمثل شكلاً من أشكال التنوع داخل الإطار اليمني الواحد.

وانطلاقاً من هذا الفهم، رفضت الصحيفة كل الأطروحات التي حاولت ربط التباينات المذهبية أو المناطقية بإمكانية انفصال أجزاء اليمن عن بعضها، ووصفت تلك الدعوات بأنها أمراض اجتماعية غذتها السياسة والاستعمار معاً.

كما رفضت الاعتراف بالمسميات الاستعمارية التي أطلقتها بريطانيا على جنوب اليمن، كـ«المحميات»، وأصرت على تسميتها «النواحي التسع اليمنية»، في دلالة واضحة على تمسكها بيمنية الجنوب ورفضها لكل أشكال الفصل السياسي والجغرافي.

ولعل من أبرز ما نشرته في هذا السياق مقالها الشهير: «بيان أن عدن جزء لا ينفك عن قطر اليمن ولا يقبل الانفصال عنه»، الذي جاء رداً مباشراً على الادعاءات البريطانية الساعية إلى فصل عدن عن محيطها اليمني التاريخي. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من نزوعه الوحدوي، كان — في أحد أبعاده — تعبيراً عن مواجهة سياسية مع المشروع الاستعماري البريطاني أكثر من كونه رؤية وطنية مجردة من الحسابات السياسية.

أما «مجلة الحكمة اليمانية»، فقد بدت أكثر وضوحاً في ربط مفردة «اليمن» بالجغرافيا التاريخية للبلاد. فمنذ أعدادها الأولى، شنت هجوماً حاداً على السياسة البريطانية في الجنوب اليمني، واعتبرت المحميات الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من اليمن الطبيعي. كما نشرت نصوص الاحتجاجات الرسمية التي بعث بها الإمام يحيى إلى بريطانيا بشأن الاعتداءات على شبوة والعبر، مؤكدة أن المنطقتين «عضوان من بدن اليمن».

ولم تتردد المجلة في مهاجمة الأصوات التي أنكرت يمنية حضرموت أو شبوة، معتبرة أن التشكيك في انتمائهما لليمن نوع من السفه التاريخي والسياسي. وقدمت تصوراً واضحاً للحدود الطبيعية لليمن، بوصفه الإقليم الممتد من البحر الأحمر غرباً إلى بحر العرب شرقاً، ومن خليج عدن جنوباً حتى أطراف الحجاز شمالاً، مؤكدة أن عدن وحضرموت وشبوة وصنعاء وتعز والحديدة تمثل جميعها أجزاءً من وطن واحد لا يقبل التجزئة.

وفي السياق ذاته، جعلت صحيفة «سبأ» من قضية الجنوب اليمني محوراً رئيسياً لخطابها الإعلامي، حتى غدت مفردة «اليمن» حاضرة في معظم افتتاحياتها ومقالاتها. فقد تبنت الصحيفة خطاباً تحررياً واضحاً ضد الوجود البريطاني، واعتبرت تحرير الجنوب جزءاً من معركة وطنية واحدة تشمل اليمن بأكمله.

كما رفضت مشاريع «الجنوب العربي» و«عدن للعدنيين»، وعدّتها مشاريع استعمارية تهدف إلى تمزيق اليمن وفصل الجنوب عن شماله.

ولم يكن موقف صحيفة «النصر» بعيداً عن هذا الاتجاه، إذ تبنت خطاباً وحدوياً صريحاً، اعتبر المحميات والاتحادات التي رعتها بريطانيا مشاريع استعمارية تستهدف تفتيت اليمن وإعاقة نهوضه القومي. وكانت ترى أن أي مشروع سياسي لا ينطلق من وحدة اليمن أرضاً وإنساناً هو مشروع فاقد للشرعية الوطنية، مهما حمل من شعارات التحديث أو الحكم الذاتي.

في المقابل، مثلت صحف المعارضة اليمنية في عدن، كـ«الفضول» و«السلام»، اتجاهاً أكثر التباساً في تعاطيه مع مفهوم الوحدة اليمنية.

فقد تعاملت هذه الصحف مع الواقع السياسي القائم في الجنوب بوصفه أمراً مفروضاً، الأمر الذي جعل خطابها يتأرجح بين الإقرار بالهوية اليمنية الجامعة، وبين النزوع إلى خصوصية عدنية أو حضرمية متأثرة بالبيئة الاستعمارية ومشاريع الحكم الذاتي.

فقد بدت «الفضول» أقرب إلى تبني خطاب سياسي واقعي يراعي التوازنات القائمة في عدن، وهو ما جعلها تتعامل مع الجنوب بوصفه كيانات متعددة ذات خصوصيات مختلفة، وإن لم يصل ذلك إلى حد إنكار الهوية اليمنية بصورة صريحة.

 أما صحيفة «السلام» فقد ذهبت أبعد من ذلك حين تبنت، بصورة ضمنية أو مباشرة، بعض شعارات «عدن للعدنيين»، وتعاملت مع العدنيين بوصفهم جماعة ذات خصوصية سياسية وثقافية مستقلة عن بقية اليمنيين.

غير أن هذا الاتجاه لم يكن مهيمناً على المشهد الصحفي اليمني آنذاك، إذ برزت صحيفة «الطليعة» بوصفها من أكثر الصحف وضوحاً وحسماً في الدفاع عن الوحدة اليمنية. فقد جعلت من الوحدة أولوية سياسية وفكرية تسبق حتى الوحدة العربية، مؤكدة أن من لا يؤمن بالوحدة اليمنية لا يمكنه الإيمان الحقيقي بالوحدة العربية.

وهاجمت «الطليعة» مشاريع الحكم الذاتي والاتحاد الفيدرالي التي رعتها بريطانيا، واعتبرتها مؤامرات استعمارية تستهدف فصل الجنوب عن اليمن الأم، كما دخلت في سجالات حادة مع القوى التي روجت لمفهوم «الجنوب العربي»، وعدّت تلك التسمية محاولة متعمدة لطمس الهوية اليمنية للجنوب المحتل.

وأكدت الصحيفة، في أكثر من افتتاحية، أن الوحدة اليمنية ليست نزوة عاطفية أو شعاراً سياسياً عابراً، بل حقيقة يفرضها التاريخ والجغرافيا ووحدة الشعب والمصير المشترك. كما رأت أن التجزئة ليست سوى حالة طارئة صنعها الاستعمار، وأن الثابت الحقيقي في التاريخ اليمني هو وحدة الأرض والإنسان.

ومن خلال هذا الاستعراض يمكن القول إن مفردة «اليمن» ظلت، في الوعي الصحفي اليمني الحديث، أكثر من مجرد اسم جغرافي؛ إذ مثلت تعبيراً عن هوية تاريخية راسخة قاومت مشاريع التشظي والتفتيت، واستمرت حاضرة في مختلف الخطابات، الرسمية منها والمعارضة، بوصفها عنواناً لوطن واحد، مهما اختلفت الرؤى السياسية حول شكل الدولة أو طبيعة السلطة.

اقرأ أيضا:اليمن.. الاسم الذي قاوم التشظي (1-2)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى